هناك علاقة وثيقة بين المدينة والإسلام، إذ ارتبط الإسلام منذ انطلاقته الأولى بالمدن وحواضر الجزيرة العربية، وتأكد هذا الارتباط مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب التي سارع رسول الله إلى تسميتها بالمدينة.
فعلاقة الإسلام بالمدينة والحواضر علاقة حميمة، إذ أن مجموع قيمه ومبادئه تدفع نحو الإقامة والاستقرار النفسي والاجتماعي، وقد قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، ومن المؤكد أن الإقامة والاستقرار الذي يوفرهما الدين الإسلامي، من الشروط الضرورية لتأسيس المدينة وفق قواعد ومتطلبات تزيد من فعالية الناس وحيويتهم الحضارية.
والمدينة أو الحاضرة لم يجعلها الإسلام بلا قانون وترتيب إداري يساهم في تنظيم شؤون المدينة من جميع النواحي، وإنما عمل على تنظيم شؤون المدينة ودفع باتجاه الحشد واستكمال الجماعة، وحارب كل النوازع التي تحول دون استقرار المدينة وتطورها النفسي والاجتماعي والحضاري.
والإسلام هنا لم يلغ نظام الطاعة الطبيعي، إلى الأسرة، العشيرة، القبيلة، وإنما جعل طاعتهم في سياق طاعة الشريعة والالتزام بقيمها ومبادئها. ولقد جاء في المأثور (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
فالإسلام أسس مفهوم الطاعة على أسس جديدة، ومعايير متعالية على معايير التراب. فالطاعة أضحت مع الإسلام إلى الشريعة وليس إلى أي معيار آخر، ولا شك أن طاعة الشريعة والالتزام بهديها وترتيب المواقف والخيارات وفق هديها، هو من الشروط الأساسية والاستقرار السياسي والحضاري، وخلق المجتمع المدني في المجالين العربي والإسلامي.
والطاعة وفق هذا المنظور، هي التي تصهر التمايزات أو تجعلها في سياق الوحدة والبناء والانفتاح والتسامح، بدل أن تكون وسيلة وسبباً للانكفاء والانعزال والتفتت والانخراط في مشروعات تجزئية، تزيد من ضعف الأمة على المستويين السياسي والحضاري.
وفي التاريخ العربي والإسلامي، نرى نموذج الحالة المدنية في فعاليات المدينة الإسلامية، والدينامية الاجتماعية التي عبَّرت عن نفسها بأشكال من التوازن بين التدخل السلطاني، الذي يتمثل في مؤسسات الوالي والقاضي والمحتسب وصاحب الشرطة، وبين الحاجات الاجتماعية (المدينة) التي عبرت عن نفسها بابتداع أشكال من المؤسسات التي تقوم بممارسة دورها في هذا الصدد.
فالنشاط المديني (على حد تعبير وجيه كوثراني) الذي تركز بشكل أساسي في الإنتاج الحرفي والتجارة انتظم في (الأصناف) وهذه الأخيرة هي تنظيمات اجتماعية تراتبية متماسكة، كل تنظيم فيها يعبِّر عن أهل حرفة من الحرف. والملاحظ أن (الصنف) يعتمد على تراتبية أهل الصوفية ابتداء من المبتدئ (المريد) إلى الصانع، إلى المعلم، إلى شيخ الحرفة، إلى شيخ السوق، وبين كل مرتبة تقوم أعراف وطقوس وأخلاقيات وتقنيات تعبر بدورها عن التفاوت الحاصل بين كل مرتبة ومرتبة في المعرفة والقيمة، أي وفقاً لدرجات تحصيل أو معرفة (سر المهنة) الذي أضفى عليه الطابع القدسي.
فالروح والتراتبية المعنوية اللتان بثهما النشاط الديني تشكلان نقطة الانطلاق والتطوير للمسألة المدنية في المجالين العربي والإسلامي، إذ أن تراث العرب والمسلمين التاريخي في هذا الإطار، ثري، ومتوفر، وذو مضمون عميق على مستوى التجربة التاريخية، والخبرة التي أوجدها في النسيج المجتمعي.
وذلك لأن التحولات القسرية أو الفجائية، يصاحبها تمزق اجتماعي رهيب لا يجعلها منتظمة في سياق متكامل، وإنما يحولها وكأنها جزيرة معزولة عن المحيط العام.
والذي يؤكد هذا الاتجاه (الانطلاق من التجربة المدينية العربية والإسلامية لتنمية مؤسسات المجتمع المدني في الفضاء العربي والإسلامي)، هو أن القيم المدنية والدينية في الإطار الإسلامي منصهرة فيما بينها وهناك تطابق محمود بين القانون الديني والقانون المدني في التجربة الإسلامية التاريخية.
وانطلاقاً مما ذكره (دونالد سميث) حول الفرق بين النظم العضوية ونظم الكنيسة الدينية، يمكن اعتبار الإسلام ديناً عضوياً، ذلك لأنه يتضمن قيماً ومبادئ تعلي من الشأن المدني والإنساني، وهذه القيم هي التي تحدث قفزة نوعية في علاقة الإنسان بالمكان والزمان، وعلاقته مع بني جنسه، لذلك فإن (المديني في جميع أشكاله القديمة والحديثة يظهر كواقع جديد أو كنتيجة لتمفصل النظام الاجتماعي والنظام المكاني، بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات المكانية رباط جدلي لا يمكن اختزاله إلى أحد طرفيه، وإذا صح أن نسمي الواجبات الاجتماعية نظاماً فإن حيز المديني، حيز الظروف الجديدة، يشكل بذاته نوعاً من التجاوز، أي عامل تغيير وتحقق.
ومن هنا فإن المدينة لا تعكس بشكل سلبي نظاماً اجتماعياً معيناً، ولكنها تلعب أيضاً دوراً نشطاً في تحويل هذا النظام ذاته وفي استخدامه، فهي تنظم جملة من الاحتمالات، والمحظورات التي في ظلها يتطور أفراد وجماعات وأقوام يرسمون استراتيجيات مختلفة لتحقيق أهداف خاصة أو جماعية) - راجع مجلة الفكر العربي المعاصر عدد 29ص
50.ويبدو لي أن القفزة النوعية، التي تحدثها القيم المدنية في النسيج المجتمعي، هي التي تبرز كطاقة خلاقة متجهة إلى بناء واقع اجتماعي يتمثل هذه القيم على مستوى علائقه المختلفة، ويتجسد كنموذج يطمح إلى التوسع والامتداد، بحيث يكون هو النسق الاجتماعي السائد.
على هدى هذا نستطيع القول: إن المسألة المدنية كقيم متجسدة في حركة الإنسان الخاصة والعامة، وكشبكة للعلاقات الإنسانية، لا يمكن فهمها خارج السياق التاريخي لواقعنا ومجتمعنا. لهذا نحن بحاجة دوماً إلى البحث عن الإطار والقاعدة اللتين تحتضنان هذه القيم وتطورها في المحيط العام.
والمسألة المدنية في المجتمعات الإنسانية، تأخذ أشكالاً وصوراً متعددة، فهي نمط من العلاقات الاجتماعية والثقافية والحضارية، قائم على العمل المؤسسي، متجاوزاً ذلك كل الأنماط والسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي لا تخرج عن واقع الأنا الضيق، وتسعى نحو تحجيم نشاطها في إطار من الإمكانات الشخصية بوحدها. فكل نمط مؤسسي، يمارس فعلاً اجتماعياً عاماً أو ثقافياً أو حضارياً، فهو جزء من المسألة المدنية ومفهوم المجتمع المدني في المجال العربي والإسلامي.
ومنها قدرة القوى الاجتماعية المتعددة في المنطلقات والغايات، على إدارة تنافسهما وعملهما في محيط اجتماعي محدد بوسائل سلمية - حضارية. فالشأن العام في المجتمع، يدار عن طريق قوى اجتماعية تتكامل مع بعضها البعض بشكل مباشر أو غير مباشر، وتتنافس مع بعضها بوسائل تثري الواقع المجتمعي وتنضجه وتزيد من خبرته في إدارة تنافس أبنائه أو صراعهم. وأساس هذه القدرة على التنافس السلمي في إدارة الشأن العام، هو تفعيل القواسم المشتركة بين هذه القوى، والتسالم والتراضي على جملة من المنطلقات والغايات التي تكون تطلع الجميع حتى وإن اختلفت أساليب الوصول، وتعددت وسائل التعبير عن هذه المنطلقات والغايات. فالمجتمع المدني هو عبارة عن الإطار المؤسسي لممارسة المسؤولية الدينية والوطنية، وهو أحد جسور الأمة لإنجاز تطلعاتها وتنفيذ طموحاتها. وواقعنا العربي والإسلامي في هذه اللحظة التاريخية، بحاجة ماسة إلى قيمة المجتمع ومبادئ الممارسة المدنية، التي تبحث عن المشترك وتبرزه، وتعمق مفهوم التواصل والحوار كنهج ثابت ودائم في التعاطي مع الآخرين، وتمتص خبرات الآخرين وأفكارهم على قاعدة نسبية الحقيقة، وتنشر قيمها وأفكارها بالحوار والحرية والمجادلة بالتي هي أحسن ..
***
محمد محفوظ








