يتردد صدى الكلمات الفاحشة في أروقة المدارس، وزوايا الشوارع، وفضاءات اللعب، حتى غدت بعض الألفاظ التي كانت إلى وقت قريب تُعدّ من المحظورات اللغوية والأخلاقية مألوفة على ألسنة أطفال لم يتجاوزوا سنواتهم الأولى. وأمام هذا المشهد المقلق، يحق لنا أن نتساءل: أين ذهبت براءة الطفولة؟ وكيف تحولت بعض الألفاظ النابية من كلمات يستحي الكبار من التلفظ بها إلى مفردات يتداولها الصغار بعفوية وكأنها جزء طبيعي من قاموسهم اليومي؟إن ظاهرة الكلام الفاحش لدى الأطفال ليست مجرد انحراف لغوي عابر، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مشكلة ألفاظ فحسب؛ فهي في كثير من الحالات انعكاس لما يسمعه الطفل في محيطه الأسري والاجتماعي، وما يراه في الشارع، وما يتلقاه عبر الشاشات، وما يكتسبه من أقرانه. فالطفل لا يولد وهو يحمل قاموسا من الكلمات النابية، وإنما يلتقط اللغة من محيطه، ويقلد ما يسمعه، ثم يختبر أثره في الآخرين.
ومع الأسف، أصبح بعض الأطفال يتداولون مفردات صادمة في فضاءات اللعب والدراسة، ويتعاملون معها وكأنها وسيلة لإثبات الذات أو لفت الانتباه أو الانتماء إلى جماعة الأقران. وقد يضحك بعض الكبار من الطفل عندما يتفوه بكلمة بذيئة، دون أن يدركوا أن تلك الضحكة قد تتحول في ذهنه إلى مكافأة تشجعه على تكرارها. وهنا تبدأ المشكلة في التحول من مجرد تقليد عابر إلى سلوك لغوي مستقر.
ولذلك فإن حماية الطفل من الكلام الفاحش لا تبدأ من المدرسة، ولا من الهاتف، ولا من الشارع، وإنما تبدأ أولا من البيت. فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف يتحدث، وكيف يخاطب الآخرين، وكيف يعبر عن غضبه وفرحه ورفضه، وكيف يختلف دون إساءة. وإذا كانت لغة الوالدين نفسها تتضمن السب والشتم والإهانة، فمن الصعب أن نطالب الطفل بأن يتحدث بلغة راقية لم يسمعها في بيته.
فالطفل يتعلم بالمحاكاة أكثر مما يتعلم بالمواعظ. وما يسمعه من أبيه وأمه وإخوته قد يترسخ في ذاكرته أقوى مما يسمعه في درس أو محاضرة. لذلك فإن أول خطوة في الوقاية من البذاءة اللغوية تتمثل في مراجعة اللغة المتداولة داخل الأسرة، لأن التربية لا تقوم على قول شيء وفعل نقيضه، وإنما تقوم على القدوة والممارسة اليومية.
ومن الخطأ أن نتصور أن الطفل الذي يستعمل كلمة نابية يفهم دائما معناها أو يدرك خطورتها. فقد يكرر كلمة سمعها من صديق أو في مقطع رقمي أو في الشارع دون أن يعرف دلالتها الحقيقية. ولهذا فإن الرد على الكلمة البذيئة بالصراخ والإهانة والعنف قد يكون أقل فائدة من الحوار الهادئ. فمن الأجدى أن يسأل الوالدان الطفل: أين سمعت هذه الكلمة؟ ومن قالها أمامك؟ وهل تعرف معناها؟ ثم يوضحان له، بما يتناسب مع سنه، لماذا لا ينبغي استعمالها.
إن الحوار هنا ليس تساهلا مع السلوك، بل هو وسيلة لفهم مصدره وتصحيحه. فالطفل يحتاج إلى أن يعرف أن هناك كلمات تليق بالمقام وأخرى لا تليق، وأن حرية التعبير لا تعني الإساءة إلى الآخرين أو جرح مشاعرهم. وكلما بدأ هذا الوعي في سن مبكرة، أصبح الطفل أكثر قدرة على ضبط لغته في المواقف المختلفة.
كما أن البيت في حاجة إلى وضع قواعد واضحة للسلوك والتخاطب. ينبغي أن يعرف الطفل أن الاحترام ليس اختيارا مؤقتا، وأن السب والشتم والإهانة ليست وسائل مقبولة للتعبير عن الغضب أو الخلاف. وفي المقابل، يجب أن يسمع داخل البيت الكلمات التي نريده أن يستعملها: «من فضلك»، «شكرا»، «لو سمحت»، «أعتذر»، «هل يمكن؟»، وغيرها من العبارات التي تبني في داخله ثقافة الاحترام وتجعله أكثر قدرة على التواصل السليم.
ولا يقل دور الوالدين أهمية في معرفة البيئة التي يتحرك فيها الطفل. فمن المهم أن يعرف الأب والأم أصدقاء أبنائهم، وأن يدركوا طبيعة العلاقات التي تربطهم بهم، وأن ينتبهوا إلى ما يشاهدونه عبر التلفاز والهاتف والمنصات الرقمية. وليس المقصود تحويل البيت إلى فضاء من المراقبة الخانقة، وإنما بناء رقابة تربوية واعية ترافق الطفل وتعلمه كيف يختار، وكيف يميز بين المحتوى المفيد والمحتوى الذي يسيء إلى لغته وسلوكه.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم منافسا قويا للأسرة والمدرسة في تشكيل اللغة والسلوك. فالطفل قد يسمع خلال دقائق على هاتفه عشرات العبارات التي لا يسمعها طوال يوم كامل في محيطه الأسري. وبعض المحتويات الرقمية تقوم على الاستفزاز والسخرية والسب والإساءة لأنها تسعى إلى جذب الانتباه وإثارة التفاعل. وعندما يكرر الطفل هذه اللغة في المدرسة أو أمام أفراد الأسرة، فإنه لا يكون بالضرورة واعيا بخطورتها، بل قد يكون مجرد مستهلك لما تقدمه له الشاشة.
وهنا تظهر ضرورة التربية الرقمية. فالمنع وحده ليس حلا دائما، كما أن ترك الطفل أمام الشاشة دون توجيه ليس حلا أيضا. المطلوب هو أن يتعلم الطفل قواعد التعامل مع العالم الرقمي، وأن يدرك أن ما يراه على الشاشة ليس نموذجا يحتذى بالضرورة، وأن الشهرة لا تجعل السلوك صحيحا، وأن كثرة المشاهدات لا تمنح الكلمة البذيئة قيمة أخلاقية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التحولات التي عرفتها الأسرة خلال العقود الأخيرة. فإيقاع الحياة أصبح أكثر سرعة، وارتفعت أعباء المعيشة، وأصبح كثير من الآباء والأمهات يقضون ساعات طويلة خارج البيت. وقد تؤدي هذه الظروف في بعض الأسر، إلى تقليص الوقت المتاح للحوار والمتابعة والتوجيه. لكن تفسير الظاهرة بهذه العوامل وحدها سيكون تبسيطا للمشكلة؛ فالكلام الفاحش قد ينتشر في أسر مختلفة اجتماعيا واقتصاديا، ويظل العامل الحاسم هو طبيعة التربية والقدوة والرقابة والتواصل.
ومن هنا، ينبغي الحذر من تحميل الأمهات العاملات مسؤولية الظاهرة. فالعمل ليس سببا في فساد لغة الطفل، كما أن وجود الأم في المنزل لا يضمن بالضرورة تربية سليمة. المسألة أعمق من ذلك؛ إنها مرتبطة بجودة الحضور التربوي، وبنوعية التواصل داخل الأسرة، وبقدرة الوالدين على بناء علاقة قائمة على الثقة والحزم والإنصات.
فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يطعمه ويكسوه ويوفر له حاجاته المادية، وإنما يحتاج كذلك إلى أب وأم يسمعانه، يحاورانه، يوجهان سلوكه، ويشرحان له حدود المقبول والمرفوض. وقد يكون الوالدان موجودين في البيت جسديا، لكنهما غائبان تربويا بسبب الهاتف والعمل والضغوط اليومية. كما قد يكون أحدهما كثير الانشغال، لكنه يعوض ذلك بحضور نوعي وفعّال في حياة أبنائه.
ولا يمكن أيضا تجاهل دور المدرسة. فالمدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المعارف، بل فضاء لتعلم الانضباط والاحترام والتعايش وتحمل المسؤولية. غير أن المدرسة لا تستطيع وحدها معالجة كل الاختلالات التي يحملها المتعلم معه من البيت والشارع والفضاء الرقمي. فالأستاذ مهما بلغت قدرته التربوية لا يستطيع أن يعوض أسرة غائبة، ولا أن يراقب ما يفعله الطفل خارج المؤسسة، ولا أن يعرف كل ما يشاهده على هاتفه.
لذلك فإن مواجهة الكلام الفاحش تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة. فعندما يسمع المدرس كلمة نابية من تلميذ، ينبغي أن يعالجها تربويا بحزم وهدوء، وعندما يعود الطفل إلى البيت بسلوك غير مقبول، ينبغي للأسرة ألا تكتفي بعبارة «المدرسة هي المسؤولة». وفي المقابل، لا ينبغي للمدرسة أن تتعامل مع كل انحراف لغوي باعتباره دليلا على فشل الأسرة. الطفل مسؤولية مشتركة، والإصلاح يحتاج إلى تكامل الأدوار.
كما ينبغي تعليم الطفل تحمل مسؤولية ألفاظه. فإذا أخطأ، فلا داعي إلى إذلاله أو وصمه أمام زملائه، ولكن من الضروري أن يفهم أن للكلمة أثرا، وأن الإساءة إلى الآخرين ليست أمرا هينا. ويمكن للوالدين والمدرسين أن يساعدوه على استبدال الكلمات البذيئة بعبارات مناسبة للتعبير عن الغضب والرفض والانزعاج، لأن منع السلوك دون تقديم بديل قد لا يكون كافيا.
ومن الوسائل النافعة كذلك إعادة الاعتبار للقراءة داخل البيت. فالطفل الذي يعيش مع لغة غنية ومتنوعة يجد أمامه بدائل كثيرة للتعبير، بينما الطفل الذي لا يسمع إلا لغة محدودة قد يلجأ إلى العبارات الشائعة بين أقرانه. ولذلك فإن توفير كتب مناسبة لأعمار الأطفال، وتشجيعهم على القراءة، ومناقشة ما قرؤوه، كلها ممارسات تساهم في بناء رصيد لغوي سليم، وتشغل اللسان والعقل بما هو أجمل وأنفع.
كما أن العلاقة العاطفية الآمنة بين الوالدين والطفل تشكل جزءا أساسيا من الوقاية. فالطفل الذي يستطيع أن يخبر والديه بما يسمعه في المدرسة أو الشارع أو الإنترنت دون خوف من الإهانة أو العقاب العنيف، يكون أكثر قابلية لطلب المساعدة عندما يواجه محتوى أو سلوكا غير مناسب. أما الطفل الذي يخشى الحديث مع أسرته، فقد يحتفظ بما يسمعه لنفسه، ثم يتحول التقليد تدريجيا إلى عادة.
إن حماية الأطفال من الكلام الفاحش ليست معركة ضد كلمة بعينها، وإنما هي معركة من أجل بناء إنسان يعرف قيمة الكلمة. فاللغة ليست مجرد أصوات تخرج من الفم؛ إنها مرآة لما يتعلمه الإنسان من قيم، وطريقة تعكس علاقته بالآخرين وبذاته. وكل كلمة يتعلمها الطفل اليوم قد تصبح جزءا من شخصيته غدا.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا يتكلم أطفالنا بهذه الطريقة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا يسمعون منا؟ ماذا يشاهدون؟ من يرافقهم؟ ماذا نقدم لهم من بدائل؟ وهل يجدون في البيت نموذجا لغويا وأخلاقيا يستحق التقليد؟
إن الطفل الذي نطالبه بألا يشتم يجب أن يسمع والديه وهما يختلفان دون شتيمة، والذي نطالبه باحترام الآخرين يجب أن يراهما وهما يحترمان من يختلفان معهم، والذي نطالبه بالاعتذار يجب أن يسمع أحد والديه يقول له: «أخطأت، وأنا آسف». فالتربية الحقيقية لا تبدأ بالأوامر، وإنما تبدأ بالقدوة.
وفي النهاية، فإن مسؤولية حماية الطفولة من البذاءة اللغوية لا تقع على طرف واحد. إنها مسؤولية الأسرة أولا، والمدرسة ثانيا، والمجتمع والإعلام والفضاء الرقمي جميعا. لكن الأسرة تظل الحلقة الأولى؛ لأنها المكان الذي يتعلم فيه الطفل أول كلمة، وأول تحية، وأول اعتذار، وأول طريقة للتعامل مع الآخر.
فإذا أردنا أن نستعيد شيئا من براءة الطفولة، فلنبدأ من المكان الذي تتشكل فيه هذه البراءة: من البيت، ومن لغة الوالدين، ومن الطريقة التي نتحدث بها أمام أطفالنا. فالكلمة الطيبة لا تُلقَّن للأطفال فقط، بل تُعاش أمامهم حتى تصبح جزءا من شخصياتهم.
***
بقلم: فؤاد لوطة - كاتب وأستاذ بالسلك الثانوي








