عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: فلسفة الشيخوخة.. حين يصبح الزمن خلفنا

ماذا يحدث للإنسان حين لا يعود الزمن أمامه، بل خلفه؟

ربما تكون هذه هي اللحظة الأكثر قسوة في وعينا بالوجود. اللحظة التي نتوقف فيها عن النظر إلى الزمن باعتباره طريقا طويلا يمتد أمامنا، ونبدأ في رؤيته كمسافة قطعتها أقدامنا بالفعل.

 فجأة يصبح للماضي ثقل لم يكن له من قبل، وتتحول السنوات من أرقام على التقويم إلى وجوه غابت، وأماكن تغيرت، وأحلام تأجلت أو رحلت، وأشياء ظننا أن لدينا وقتا كافيا لاستعادتها، ثم اكتشفنا أن الوقت لم يكن ملكنا يوما.

الشيخوخة هي أن يتحول الزمن، للمرة الأولى، من مستقبل ننتظره إلى ماض نتأمله

الجسد يعرف طريقه إلى الشيخوخة.

لا يستشيرنا.

لا ينتظر موافقتنا.

يترك على الوجه خرائطه الصغيرة، ويبطئ الخطوة، ويغير ملمس اليد، ويأخذ شيئا من قوة العينين، ويذكرنا، كل يوم، بأننا لسنا أصحاب هذا الجسد بقدر ما نحن عابرون فيه.

لكن هناك شيئا آخر لا يخضع بالضرورة لقوانين الجسد:

دهشتنا.

وهنا يبدأ الفرق بين أن تكبر وأن تشيخ.

يمكن للجسد أن يتقدم، فيما يظل العقل قادرا على البدء.

يمكن للشعر أن يبيض، فيما يظل الفضول يملئنا

يمكن للمرآة أن تقول إننا تقدمنا في العمر، فيما يقول الداخل:

ما زلت أريد أن أعرف.

ما زلت أريد أن أحب.

ما زلت أريد أن أرى.

ما زالت لدي أسئلة لم أجد لها جوابا

نحن لا نكبر لأن عقارب الساعة تتحرك.

نحن نكبر حين ندرك أن بعض ما مضى لن يعود.

والشيخوخة، في معناها الأعمق، ليست مجرد تغير في الجسد، ولا عدد السنوات التي يحملها الإنسان في بطاقة هويته. إنها لحظة فلسفية يصبح فيها الإنسان أكثر وعيا بالزمن، وأكثر حساسية تجاه ما فقده، وأكثر إدراكا أن المستقبل الذي كان يبدو ذات يوم بلا نهاية، بدأ يضيق شيئا فشيئا.

الجسد يكبر، وهذا قانون لا نملكه.

لكن الإنسان قد يشيخ قبل جسده بسنوات طويلة.

وقد ترى شابا في العشرين يعيش بعقل متقاعد، يخاف التجربة، ويكره التغيير، ويكرر نفسه، ويعتبر الفضول ترفا، ويقول عن كل حلم: فات الأوان.

وقد ترى إنسانا في الثمانين يمشي في الحياة بعينين مدهوشتين، يتعلم، ويحب، ويسأل، ويضحك، ويجرب، ويبدأ من جديد.

لذلك لا أعتقد أن العمر وحده هو الذي يصنع الشيخوخة.

الإنسان يشيخ حين تصبح العادة أقوى من الرغبة، والخوف أقوى من الفضول، والتأجيل أسهل من المواجهة، واليقين أكثر راحة من السؤال.

قد يتقدم بنا العمر، لكن ما يجعلنا نشيخ حقا هو أن نتوقف عن الحركة الداخلية

يقول تشيخوف: "يكبر الإنسان ثلاثة أضعاف عمره عندما يحاول التأقلم مع حياة ليست مناسبة له."

وربما تكمن هنا إحدى أكثر مفارقات الشيخوخة قسوة.

فنحن لا نتعب دائما من الحياة، وإنما نتعب من الحياة التي لا تشبهنا.

كم من إنسان قضى سنوات طويلة يؤدي دورا لم يختره، ويعيش علاقة لا تشبه قلبه، ويعمل في مكان يطفئه، ويخاف من تغيير الطريق لأن الآخرين سيقولون إنه تأخر، أو فشل، أو فقد صوابه؟

ثم يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنه لم يعش الحياة التي أرادها، وإنما الحياة التي اعتادها.

وهنا يصبح الزمن أكثر دهاء منا.

إنه لا يسرقنا دفعة واحدة.

لا يأتي في منتصف الليل ليأخذ منا عشر سنوات.

إنه أكثر هدوءا من ذلك.

يتقدم ببطء نحو المجهول، ويسرق منا كل يوم شيئا صغيرا: دهشتنا، جرأتنا، انتباهنا، قدرتنا على البدء، قدرتنا على قول ما نريد، ثم يجعلنا نعتاد هذا الفقد حتى نظنه نضجا

وفجأة نكتشف أن الحياة لم تمر من أمامنا فقط.

نكتشف أننا مررنا بجانبها.

وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله إلى الأبد:

كم بقي من العمر كي نسترد ما سرقناه من أنفسنا؟

ترى سيمون دي بوفوار في كتابها التقدم في العمر أن الشيخوخة ليست مجرد حدث بيولوجي يخص الفرد، وإنما تجربة إنسانية تتشكل أيضا من الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الإنسان المتقدم في العمر.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فنحن لا نخاف الشيخوخة بسبب الجسد وحده، وإنما بسبب المعنى الذي منحناه لها.

نحن نعيش في ثقافة تمجد الشباب، السرعة، الجسد، الإنتاج، المنافسة، الجمال، والقدرة على الإنجاز، ثم تأتي الشيخوخة لتضع الإنسان أمام سؤال صعب:

ماذا تبقى مني حين لا أستطيع أن أفعل كل ما كنت أفعله؟

هل تظل قيمتي قائمة عندما يقل إنتاجي؟

هل أظل مرغوبا عندما يتغير جسدي؟

هل أظل قادرا على الحب حين تتغير ملامحي؟

هل تظل حياتي ذات معنى حين يصبح الماضي أطول من المستقبل؟

الشيخوخة تكشف لنا أحيانا أن كثيرا مما اعتبرناه قيمة إنسانية لم يكن سوى قيمة اجتماعية مؤقتة.

فالمجتمع قد يحب الإنسان المنتج أكثر من أي شخص اخر

وقد يحتفي بالشاب لأنه يمثل المستقبل، بينما ينظر إلى الشيخ باعتباره ماضيا.

لكن الإنسان ليس آلة إنتاج.

وقيمة وجوده لا ينبغي أن تبدأ حين يصبح نافعا وتنتهي حين تقل قدرته على الإنجاز.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الشيخوخة أنها تعيد ترتيب علاقتنا بالزمن.

هنري برجسون لم ير الزمن مجرد سلسلة ميكانيكية من الثواني والدقائق، بل تحدث عن الزمن المعيش، الزمن الذي يتشكل داخل وعينا من خلال الذاكرة والشعور والتجربة.

ولهذا قد تكون ساعة واحدة طويلة جدا في لحظة ألم، وقد تمر سنوات كاملة كأنها لحظة في حياة ممتلئة.

نحن لا نعيش الزمن نفسه.

نحن نعيش إحساسنا بالزمن.

ولهذا لدي اعتقاد بأن عمر الإنسان ليس دائما هو الرقم المكتوب في شهادة ميلاده.

أحيانا، من خفة مشاعري، أعبر الشارع كطفلة في العاشرة.

وأحيانا، من فرط الشعور بالضجر ، أشعر أنني أكبر من سنواتي بكثير.

قد يحمل الإنسان جسدا في الستين وقلبا ما زال قادرا على الدهشة.

وقد يحمل جسدا في العشرين وروحا أنهكها الخوف حتى لم يعد فيها مكان للمغامرة.

الشعور لا يوقف الزمن، لكنه يغير الطريقة التي نسكن بها الزمن.

وأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يقول: "فات الأوان."

فكل مرة نقول فيها فات الأوان، نمنح الزمن سلطة لم تكن له.

لا شيء يقول إن عليك أن تتوقف عن التعلم لأنك بلغت سنا معينة.

ولا شيء يقول إن الحب له تاريخ انتهاء.

ولا شيء يقول إن الفضول ملك للشباب فقط

ولا شيء يقول إن البداية تصبح سخيفة حين تتأخر.

ربما لا نستطيع أن نعيد أجسادنا إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نرفض أن نتحول إلى نسخة من أنفسنا انتهت صلاحيتها لمجرد أن السنوات تقدمت.

لذلك اقول : مهما كان عمركم

تعلموا.

اقرأوا.

غيروا آراءكم.

جربوا أشياء لم تجربوها.

تعرفوا إلى أشخاص جدد.

اذهبوا إلى أماكن لم تروها.

اتركوا بعض المساحات للاصدقاء

لا تجعلوا ما فعلتموه بالأمس سجنا لما يمكن أن تفعلوه غدا.

أنت الآن تعيش في أحد الأيام التي قد يتمنى رجل في الثمانين أو التسعين العودة إليها.

لكن لأنك تعيش داخلها، لا تستطيع رؤيتها بالطريقة التي سيراه بها بعد عقود.

القرب يعمينا أحيانا.

والفقد هو الذي يعيد للأشياء حدودها.

الذاكرة لا تحفظ الزمن كالأرشيف.

الذاكرة تبعثه.

وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف معنى اليوم العادي.

فلا توجد أيام عادية حقا.

هناك فقط أيام لم نعرف بعد ماذا ستعني لنا.

قد يمر يوم كامل بلا حدث يستحق أن نكتبه في مذكراتنا، ثم يصبح بعد سنوات أحد أكثر الأيام التي نتمنى استعادتها.

ليله لم يمت فيه أحد يهمني

مكالمة انتهت بكلمة "تصبح على خير" ثم جاء صباح آخر فعلا.

رحلة عادية إلى البيت وصل فيها الجميع سالمين.

ضحكة لم نعرف أنها ستصبح ذكرى.

وجه أحببناه ورأيناه في اليوم التالي مرة أخرى.

هذه الأشياء لا تصل إلى الأخبار.

ولا نحصل بسببها على جوائز.

لكن ربما تكون، عندما ينتهي كل شيء، هي الجزء الذي سنشتاق إليه أكثر.

نحن نقضي نصف حياتنا ننتظر الأيام الاستثنائية، ثم نقضي النصف الآخر نتمنى لو استطعنا استعادة يوم عادي واحد.

الشيخوخة، إذن، لا تجعلنا نخاف الموت فقط.

إنها تجعلنا نعيد تقييم الحياة.

وهنا تكمن قيمتها الفلسفية القاسية.

فالموت ليس مجرد نهاية بعيدة، وإنما حقيقة تجعل للوقت قيمة.

ولهذا لا أريد أن أعيش وكأن الحياة مجرد غرفة انتظار.

لا أريد أن أؤجل الفرح إلى وقت مثالي لن يأتي.

لا أريد أن أقول سأقرأ حين أتفرغ

 وسأسافر حين تتحسن الظروف

  وسأبدأ حين يصبح الطريق واضحا.

فقد يكون الاستعداد للحياة أحد أكثر الطرق أناقة لإهدارها.

نستعد.

ثم نستعد أكثر.

ثم نكتشف أن العمر كله كان استعدادا

لا تؤجلوا الحياة حتى تصبح الحياة مناسبة لكم.

الحياة لن تصبح كاملة.

سيظل فيها الخوف والفقد والمرض والقلق والرحيل.

لكنها ستظل أيضا قادرة على أن تمنحنا الدهشة.

وهذا يكفي كي نحاول.

لا أريد أن أتعامل مع الشيخوخة باعتبارها عدوا ينبغي سحقه.

الجسد له قوانينه، والزمن لا يفاوض أحدا.

ولا أعتقد أن مقاومة الشيخوخة تعني إنكار العمر أو مطاردة الشباب إلى الأبد.

أن تكبر ليس عيبا.

العيب أن تفقد علاقتك بالحياة قبل أن ينتهي عمرك.نتظر اللحظة المناسبة.

أنا لا أريد جسدا لا يشيخ.

أريد عقلا لا يتعفن.

أريد فضولا لا ينطفئ.

أريد قدرة على الحب لا تنتهي.

أريد دهشة تستطيع أن تنظر إلى شجرة في السبعين كما كانت تنظر إليها في السابعة.

أريد أن أبقى قابلة للبدء من جديد كل يوم

وربما لهذا أقول:

لا تنتظروا الحياة حتى تنتهي.

غنوا.

ارقصوا تحت المطر

تأملوا

اقرأوا.

اضحكوا بلا سبب.

قولوا لمن تحبون إنكم تحبونهم.

التقطوا الصور، ليس خوفا من الزمن، وإنما امتنانا للحظة.

اجلسوا مع من تحبون دون أن تنشغلوا بالهاتف

قولوا ما تريدون قوله قبل أن يتحول الكلام إلى ندم.

اقتربوا من الطبيعة.

تعلموا شيئا جديدا في سن لا يتوقع الناس فيه منكم أن تتعلموا شيئا.

لا تسمحوا للعمر أن يتحول إلى أمر قضائي ضد الحياة.

ربما تكون الشيخوخة أكثر مرايا الإنسان صدقا.

فهي تزيل شيئا فشيئا كل ما كنا نعتقد أنه ثابت، وتضعنا أمام الحقيقة البسيطة التي حاولنا طوال حياتنا الهرب منها:

أننا عابرون.

لكن كوننا عابرين لا يعني أن وجودنا بلا قيمة.

على العكس.

ربما لأننا عابرون تصبح الضحكة مهمة.

ويصبح الشغف مهما

وتصبح الصداقة مهمة.

ويصبح الكتاب الذي قرأناه في الوقت المناسب مهما.

وتصبح الشجرة التي زرعناها ولم نرها تكبر جزءا من معنى وجودنا.

وتصبح يد أمسكنا بها في لحظة خوف أثمن من كل الأشياء التي ظننا يوما أنها ستجعلنا سعداء.

ولهذا، إذا كان الزمن سيأخذ منا الشباب، فليأخذ ما يشاء.

لكن لا نعطه دهشتنا.

لا نعطه فضولنا.

لا نعطه قدرتنا على الحب.

أنا لا أخاف الشيخوخة  ولست مهتمة بأن أبدو أصغر من عمري.

أنا مهتمة بأن أظل أكبر من خوفي.

أتقبل أن يكبر وجهي، لا أن تصغر أسئلتي.

أتقبل أن تتغير ملامحي، لا أن تتجمد روحي

لن اقول. كيف نمنع الشيخوخة؟

ولكن . عندما اصل إلى سن الشيخوخة

أتمنى أن أقول.

هذا أنا.

هذه أخطائي.

هذه خساراتي.

هذه نجاحاتي

هذه ضحكاتي.

هذه الوجوه التي أحببتها.

هذه المدن التي تركت شيئا مني فيها.

هذه الكتب التي غيرتني

لقد عشت كما كنت اريد.. فاجمل مقاومة للشيخوخة هي أن نعيش

***

ابتهال عبد الوهاب

في المثقف اليوم