عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

رمزي ميركاني: تاريخ الصحافة.. من النشرات اليدوية إلى العصر الرقمي

لم تكن الصحافة مجرد أوراق تُطبع بالحبر وتوزَّع على القراء، بل كانت واحدة من أهم التحولات التي غيّرت علاقة الإنسان بالمعلومة والسلطة والمجتمع. فمنذ أن بدأ البشر يتبادلون الأخبار عن الحروب والملوك والكوارث والأسواق، ظل السؤال قائماً: كيف يمكن نقل الخبر إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وبطريقة منتظمة وسريعة؟ ومن هذا السؤال الطويل ولدت الصحافة، التي عاشت قروناً من التطور حتى وصلت اليوم إلى الهاتف والشاشة والمنصات الرقمية.

من الأخبار المكتوبة إلى الجريدة المطبوعة

تعود جذور نقل الأخبار إلى عصور قديمة. ففي روما ظهرت لوحات إخبارية حكومية عُرفت باسم«أكتا ديورنا» ، كانت تسجل بعض الأحداث السياسية والاجتماعية اليومية، لكنها لم تكن صحيفة بالمعنى الحديث. وفي أوروبا خلال العصور الوسطى ظهرت نشرات مكتوبة بخط اليد، كان التجار وغيرهم يتداولونها، وغالباً ما كانت تتناول حدثاً واحداً مثل معركة أو كارثة أو مناسبة عامة. ومن الأمثلة المبكرة روايات شاهد عيان عن معركة«فلودن»  سنة 1513.

ومع ازدياد الحاجة إلى الأخبار، برزت في البندقية خلال القرن السادس عشر منشورات أسبوعية حملت أخبار الحروب والسياسة في إيطاليا وأوروبا. وكانت هذه المنشورات خطوة مهمة نحو ظهور الصحيفة الحديثة، لأنها اتسمت بالتكرار والانتظام ووصلت إلى جمهور أوسع من الأخبار المكتوبة باليد.

لكن التحول الحقيقي جاء مع اختراع الطباعة. فقد أدى انتشار تقنية الطباعة إلى جعل إنتاج النصوص أسرع وأكثر قدرة على الوصول إلى أعداد كبيرة من القراء. وفي هذا السياق، يُنسب إلى الألماني (يوهان كارولوس) إصدار أول صحيفة مطبوعة في العالم بمدينة ستراسبورغ عام 1605، تحت اسم

 «Relation aller Fürnemmen und gedenckwürdigen Historien».

 وكان كارولوس قد بدأ بإعداد نشرات إخبارية بخط اليد، ثم انتقل إلى طباعتها بعد ارتفاع الطلب عليها.

أوروبا تكتشف قوة الخبر

خلال القرن السابع عشر بدأت الصحف تنتشر في عدد من المدن الأوروبية. ظهرت منشورات في هولندا وألمانيا وبولندا وإنجلترا وفرنسا، وأصبحت الصحيفة تدريجياً وسيلة منتظمة لجمع الأخبار من مصادر مختلفة.

وفي أمستردام ظهرت منشورات إخبارية اعتمدت على الأخبار الأجنبية والترجمات، بينما ظهرت في فرنسا سنة 1631 صحيفة«لا غازيت» ، التي ارتبط اسمها بالصحافة الفرنسية المبكرة. وفي البرتغال ظهرت الصحافة المطبوعة سنة 1641، ثم ظهرت الصحافة الإسبانية في القرن نفسه. كما شهدت السويد ظهور صحيفة سنة 1645، وهي من أقدم الصحف التي استمرت، وإن كانت اليوم تعمل إلكترونياً فقط.

ولم تكن الصحافة في بداياتها حرة كما نعرفها اليوم. فقد كانت الحكومات تفرض الرقابة على الصحف، وكانت بعض المطبوعات تركز على الأخبار الخارجية وأسعار السلع، وتتجنب انتقاد السلطة. لكن تخفيف الرقابة، خصوصاً في إنجلترا سنة 1695، فتح الباب أمام ازدهار الصحف في لندن وغيرها.

الصحافة والأدب.. علاقة بدأت ثم تحولت

في بداياتها كانت الصحافة قريبة جداً من الأدب. فقد تبادلت الصحف مع الأدباء المقالات والقصص والخاطرات والتأملات والمواد الثقافية. وكان (دانييل ديفو) من أبرز الشخصيات التي جسدت هذا التداخل؛ فقد مارس الصحافة وكتب الأدب في الوقت نفسه، وكان من أوائل من اهتموا بأخبار الأسواق والحوادث والجرائم والرياضة والنقد الأدبي والمسرحي.

ولم يكن ديفو صحفياً فقط، بل كان صاحب الرواية الشهيرة«روبنسون كروزو» ، وهو ما يكشف طبيعة العلاقة المبكرة بين الصحافة والأدب. ومع مرور الزمن بدأت الصحافة تبني هويتها الخاصة، فلم تعد موجهة إلى النخبة الأدبية وحدها، وإنما أصبحت وسيلة جماهيرية تخاطب شرائح المجتمع المختلفة.

ومع ذلك لم تنقطع العلاقة بين الصحافة والأدب تماماً. فقد ظهرت لاحقاً اتجاهات مثل: الصحافة الجديدة والصحافة الأدبية، التي استخدمت الأساليب الأدبية في كتابة التحقيقات والريبورتاجات، وبرز فيها كتاب مثل (توم وولف) و(ترومان كابوتي) و(غابرييل غارسيا ماركيز).

عندما أصبحت الصحافة سلطة

مع تطور المجتمع والصناعة والتكنولوجيا، لم تعد الصحيفة مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت قوة سياسية واجتماعية مؤثرة. فقد ساهمت الثورات والحروب والتحولات الكبرى في زيادة أهمية الصحافة، وكانت الثورة الفرنسية عام 1789 إحدى المحطات التي كشفت بوضوح قدرتها على التأثير في الرأي العام.

ثم جاءت الحروب النابليونية والحربان العالميتان والحرب الباردة، لتصبح الصحافة جزءاً أساسياً من الصراع السياسي والإعلامي. وفي المقابل، أثبت الصحفيون أن الصحافة تستطيع كشف الفساد ومواجهة أصحاب النفوذ. ومن أشهر الأمثلة تحقيقات (كارل برنستين) و(بوب وودورد) في صحيفة«واشنطن بوست» التي ارتبطت بفضيحة ووترغيت وأسهمت في إسقاط الرئيس الأميركي (ريتشارد نيكسون).

لكن هذا الوجه المشرق لم يمنع وجود وجه آخر مظلم؛ فقد استخدمت بعض الصحف الدعاية والتضليل، وحرضت ضد أقليات وشعوب، وتبنت خطاباً عنصرياً، أو تحولت إلى أدوات بيد الحكام والأنظمة السياسية. وهكذا ظلت الصحافة سلاحاً ذا حدين: يمكن أن تكون صوتاً للحقيقة، كما يمكن أن تتحول إلى أداة للتلاعب بالرأي العام.

الصحافة العربية.. بداية متأخرة ومسيرة حافلة

وصلت الصحافة الحديثة إلى العالم العربي في سياق التحولات السياسية والثقافية التي شهدتها المنطقة. وكانت مصر من أهم مراكز انطلاق الصحافة العربية، إذ ظهرت«الوقائع المصرية» سنة 1828 في عهد (محمد علي)، واستمرت لعقود، وتولى تحريرها عدد من الشخصيات الفكرية والسياسية البارزة، كما صدرت بالعربية والتركية.

وفي لبنان ظهرت الصحافة السياسية في بيروت خلال القرن التاسع عشر، ومن أبرز محطاتها جريدة«حديقة الأخبار» التي أسسها (خليل الخوري) سنة 1858. أما تونس فشهدت ظهور«الرائد التونسي» سنة 1860، وكان من أهدافها نشر التنوير والإصلاح. وفي مناطق عربية أخرى أخذت الصحافة تتوسع تدريجياً، حتى أصبحت الصحيفة جزءاً من الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية.

كما تطورت المصطلحات التي تصف هذه المهنة، فاستُخدمت كلمات مثل: «جورنال» و«صحيفة» و«جريدة» و«صحافة»، وهي ألفاظ أصبحت مرتبطة بمهنة نقل الأخبار وصناعة الرأي العام.

الثورة الصناعية تصنع العصر الذهبي للصحافة

كان القرن التاسع عشر مرحلة ذهبية للصحافة الورقية. فقد ساعدت المطابع الحديثة والورق الأرخص والآلات الجديدة والسكك الحديدية والتلغراف على إنتاج الصحف بكميات أكبر ونقلها إلى مسافات أبعد.

وفي الولايات المتحدة، ارتفع عدد الصحف بصورة كبيرة، وظهرت صحف جماهيرية بأسعار منخفضة، بينما أصبحت المنافسة بين المؤسسات الصحفية أكثر شدة. وفي منتصف القرن التاسع عشر وصل عدد الصحف اليومية والأسبوعية إلى أرقام كبيرة، ثم ظهرت وكالات الأنباء مثل«أسوشيتد برس» ، وأسهمت خدمات الأخبار الدولية في تغيير طريقة جمع المعلومات وتوزيعها.

ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت صحافة جماهيرية ضخمة، لكن المنافسة الشديدة أدت أحياناً إلى ما عُرف بـ«الصحافة الصفراء»، التي اعتمدت الإثارة والمبالغة من أجل جذب أكبر عدد من القراء.

من ملايين النسخ إلى شاشة الهاتف

بلغت الصحافة الورقية ذروة انتشارها خلال القرن العشرين. تحولت الصحف من منشورات صغيرة إلى مؤسسات ضخمة تضم عشرات الصفحات والأقسام السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية والاجتماعية. ووصل توزيع بعض الصحف إلى ملايين النسخ، وأصبحت مؤسسات مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«الغارديان» و«التايمز» وغيرها علامات بارزة في عالم الإعلام.

لكن التكنولوجيا التي ساعدت الصحافة على الانتشار كانت نفسها التي وضعتها أمام أكبر تحدٍّ في تاريخها. ففي بداية القرن الحادي والعشرين بدأت الصحف الكبرى بإطلاق مواقعها الإلكترونية، وانتقل جزء كبير من الجمهور من الورق إلى الإنترنت. وأصبح الخبر يصل إلى القارئ خلال ثوانٍ، من دون انتظار الطباعة أو التوزيع.

وهنا بدأت رحلة الصحافة الورقية نحو التراجع. لم يعد القارئ مضطراً إلى شراء صحيفة في الصباح لمعرفة ما حدث في العالم؛ فالهاتف أصبح صحيفة ومذياعاً وشاشة أخبار في آن واحد. ومع ذلك، لم تختفِ الصحافة، بل تغير شكلها ووسائلها.

الصحافة لا تموت.. بل تتغير

إن تاريخ الصحافة هو في الحقيقة تاريخ تطور الإنسان في بحثه عن المعرفة. بدأت بخبر مكتوب باليد، ثم تحولت إلى نشرة مطبوعة، ثم إلى جريدة يومية، ثم إلى مؤسسة إعلامية ضخمة، وأخيراً إلى منصة رقمية تصل إلى العالم كله.

قد تختفي الورقة تدريجياً من أيدي القراء، وقد تتراجع المطابع والتوزيع التقليدي، لكن الحاجة إلى الخبر والتحليل والتحقيق والرأي لن تختفي. فالإنسان سيبقى بحاجة إلى من يبحث عن الحقيقة، ويتحقق من المعلومات، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويحاسب أصحاب السلطة.

ولهذا فإن مستقبل الصحافة لا يتعلق ببقاء الورق بقدر ما يتعلق ببقاء جوهر المهنة: الحقيقة، والتحقق، والمسؤولية، وحرية التعبير. فالصحافة التي بدأت قبل قرون بورقة بسيطة استطاعت أن تصبح واحدة من أقوى أدوات تشكيل الوعي الإنساني، وربما يكون انتقالها من الورق إلى العالم الرقمي مجرد فصل جديد في قصة طويلة لم تنتهِ بعد.

***

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم