عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

حاتم حميد محسن: لماذا الحاجة للايمان بالحياة الاخرى؟

ان الرغبة في الايمان بالحياة الآخرة هي وسيلة دفاعية ضد الخوف من الموت. نحن كبشر نفهم موتنا. فكرة المحو الدائم تقود الى قلق وجودي. الايمان بالحياة بعد الموت يوفر ملاذا روحيا، يعطي للحياة معنى واتجاه.

الايمان بما بعد الموت يخفف من حدة الخوف من الموت ويمنح الأمل باستمرار الوعي. رؤيتنا الى ما بعد الحياة تُظهر ان دافع الانسان للايمان يتفوق بشكل دائم على الحاجة لدليل قاطع. تلك العقيدة هي سيف ذو حدين: توفر راحة حيوية ولكن بثمن. الايمان الأعمى يقود الى الإنكار والى إحساس زائف بالأمان، يدفع الناس الى تشويه الحقيقة من أجل حماية سلامهم الداخلي بدلا من مواجهة الحقائق غير المريحة.

مع ذلك لايزال الايمان يقدم فوائد حيوية للبقاء. انه يعمل كملاذ روحي، يعطي للحياة معنى واتجاه. الأساس لهذه الراحة هو الايمان بما بعد الحياة ومفهوم الجنة – وهي الفكرة بان الموت ليس هو النهاية المطلقة، وان الوعي لن يُفنى. هذا الاعتقاد يخدم أهدافا أساسية متعددة في حياتنا.

تهدئة الخوف من العدم

يمتلك الانسان مستوى فريد من الوعي الذاتي. فكرة الفناء الدائم تسبب قلقا وجوديا عميقا. الاعتقاد بعالم حر من الألم والمعاناة سوف يكافح مباشرة هذا الخوف، موفراً املاً بالاستمرارية بدلا من العدم المطلق. الفيلسوف الاسباني ميغيل دي اونامونو Miguel de Unamuno كتب بكثافة حول " الجوع للخلود". هو جادل ان العقل البشري يخبرنا ان الموت هو النهاية، لكن العاطفة البشرية والمشاعر تطلب بشدة حياة خالدة. ميغيل يرى ان هذا الصراع يخلق جوهر "المعنى المأساوي" للتجربة البشرية، جاعلا الرغبة بما بعد الحياة ليست استنتاجا منطقيا وانما ضرورة عاطفية حيوية للتحكم باليأس.

التخفيف من وقع حتمية الموت

رغم ان الموت يبقى يقينا بايولوجيا مطلقا (على الأقل الآن)، فان الترقب المستمر للموت يتجلى دائما كعبء سايكولوجي هام في سن الشيخوخة. أنظمة العقائد التي تتمحور حول ما بعد الحياة تنجز وظيفة وقائية مساعدة على التكيف من خلال التخفيف من حدة القلق المرتبط بالموت. هذا المفهوم ينسجم مباشرة مع نظريات الانثرابولوجي الثقافي ارنست بيكر الذي نظّر بان الافراد يصوغون "مشاريع الخلود" - بما فيها الأطر الروحية، والارث الفني والقناعات الدينية – لمنح وجودهم أهمية مستمرة ولكي يواجهوا روحيا احتمال الفناء الكلي.

جعل الوجود المتناهي مقبولا

بدون الايمان بالحياة الاخرة، فان وجود الانسان – الخروج من لا شيء فقط ليعود الى لا شيء – يصبح امرا كئيبا. توقّع شيئا ما متجاوز يخفف من قسوة حقيقة محدودية حياتنا، يعيد صياغة الحياة القصيرة لتصبح رحلة مستمرة.

السايكولوجي والفيلسوف ويليم جيمس سلط الضوء على القيمة الوظيفية للايمان، مجادلا ان الايمان بنظام أعلى يشبع حاجة اساسية للأمل والأمان والمعنى. هو يرى، اذا كان الايمان بالحياة الاخرة يساعد في التغلب على الحزن ويمنح استقرارا عاطفيا في عالم قاس، فان هذا الاعتقاد ينطوي على قيمة عملية حقيقية وصادقة.

فوائد أخرى للبحث عن الايمان بعالم الآخرة

1- الحفاظ على أحبائنا والروابط التي تربطنا بهم

الحزن والفجيعة يخلقان انفصالا وجوديا عميقا. الايمان بالاخرة يعيد صياغة مفهوم الموت ليس باعتباره انهاءً مطلقا دائما للعلاقة، بل باعتباره انقطاعا مؤقتا. هذا يوفر مجالا نفسيا حيويا لاستمرار الروابط العاطفية مع الفقيد، موفراً راحة اثناء الحزن الحاد ويحافظ على الإحساس بالارتباط المستمر.

2- استعادة العدالة والإنصاف الكونيين

العالم المادي هو غالبا ما يكون غير مبال وغير متكافئ – الأعمال الجيدة لا تُمنح مكافأة والمعاناة تبدو عشوائية وتمضي بلا عقوبة أثناء حياة الشخص. حياة ما بعد الموت تحقق رغبة إنسانية أساسية في عالم أخلاقي. انها تخلق اطارا للمسائلة النهائية حيث الألم يتحول الى سلام ونزاهة أخلاقية تحمل وزنا مستمرا. "العدالة الكونية" يمكن ان تمنحنا الراحة بوجه كل الشرور في العالم.

3- ترسيخ الهوية والقدرة على الفعل وتقدير الذات

اذا كان الوعي البشري ينقرض تماما عند الموت، فان الهوية الفردية ستكون هشة ومؤقتة. الايمان بما بعد الحياة يعزز الشعور بالقدرة على التصرف بشكل مستقل وتقدير ذات مستمر، وهو ما يضمن ان تكون قصة حياة الفرد جزءاً من مسار دائم ذو مغزى بدلا من ان تكون عرضية وشرارة مؤقتة، أي، تترك بصمة كاربونية روحية للأجيال القادمة.

4 - التماسك الاجتماعي ورؤى مشتركة حول العالم

على المستوى الثقافي والجماعة، تؤسس المعتقدات المشتركة في ما بعد الحياة أعرافا جماعية وهياكلا أخلاقية وطقوسا مشتركة. هذا يعطي الجاليات لغة مشتركة حول الموت والحزن وإحياء الذكرى، بما يعزز الوحدة الاجتماعية والتعاون المتبادل عند مواجهة حتمية الموت. البؤس يحتاج الى رفقة.

5- منظور على نطاق كوني

في نهاية المطاف، الايمان بما بعد الموت – او في خالق عظيم – لا يتعلق بالحقيقة الإلهية الموضوعية بقدر ما يتعلق بتحمّل رُعبنا الوجودي. عندما نواجه كونا شاسعا لا يبالي بنا، حيث لا يمثل وجودنا القصير سوى ومضة عابرة على المسار الزمني الكوني، فاننا نلجأ بطبيعة الحال الى التباهي بأهمية الذات. نحن نبني روايات معقدة عن الحياة الآخرة لطمأنة أنفسنا باننا لسنا تافهين، وان معاناتنا لها هدف، ووعينا سوف لن يُمحى، وهنا تكمن المفارقة الجوهرية للوضع البشري:

حتى عندما نُواجه بالحقيقة القاسية للعلم، وعدم الاحتمال الرياضي، وكون محكوم بقوانين الفيزياء، فان إكراهنا العاطفي على الايمان يبقى صلبا.

وبالرغم من ان كل قطعة من الدليل الواقعي تشير الى كون غير شخصي، لكن روح الانسان تستمر بالمطالبة بمعنى، والتشبث الشديد بالأمل.

***

حاتم حميد محسن

...........................

Psychology today, August 22, 2026

المصادر:

1- Becker, E.(1973). انكار الموت. صحافة حرة.

2- James, w.(1897). الرغبة في الاعتقاد، ومقالات أخرى في الفلسفة الشعبية. Longmans, Green, and Co.

3- Unamuno, M.de.(1972). المعنى المأساوي للحياة في الناس والأمم (A-Kerrigan,Trans).، مطبوعات جامعة برينستون. (العمل الأصلي نُشر عام 1913).

4- Yalom, 1.D.(2008). التحديق في الشمس: التغلب على رعب الموت. Jossey-Bass

5- ثيش نات هان. (2002). لا موت، لا خوف: حكمة مريحة للحياة. دار نشر ريفرهيد.

6- ساغان، ..(1980)C الكون. راندوم هاوس.

في المثقف اليوم