تأملات في خوف الانسان من الحرية وقلق المعنى
الانسان في رحلة بحثه عن خرابة يقينية تأويه من عراء ولسعة برد المأزق الوجودي، كثيرا ما يمد يده إلى أول يقين يعثر عليه، لا لأنه الحقيقة، بل لأنه أكثر دفئا من العدم، وأقل قسوة من مواجهة اسئله مفتوحه على هاوية الاحتمال
يبحث عن مكان يهدأ فيه خوفه. يريد سقفا فوق رأس السؤال، وجدارا يحجبه عن عاصفة الشك، وإجابة جاهزة تعفيه من ذلك القلق الذي يوقظ في داخله السؤال الاكثر قسوة: لماذا انا هنا؟
ومنذ ان وعى الانسان هشاشته، وهو يبني لنفسه ملاجئ من المعنى. مرة يسكنها في الدين، ومرة في الفلسفة، ومرة في السلطة، ومرة في الحب، ومرة في الجماعة، ثم يمنح هذا المأوى قداسة تكفي لتحويله من اختيار شخصي إلى حقيقة كونية، ومن حاجة نفسية إلى قانون يجب على الجميع السكن تحته
ولأننا نخاف المسافة الفاصلة بين السؤال والإجابة، ونرتعب من ذلك الفراغ الذي لا يمنح العقل جدارا يستند إليه. لذلك نبني من الموروثات عقولا جاهزة، ومن المقدسات أسوارا، ومن الإجابات القديمة سقفا نختبئ تحته كلما اشتد علينا مطر الشك.
لكن المأزق الحقيقي في وجهه نظري يبدأ حين تتحول الخرابة إلى سجن، وحين يصبح المأوى الذي احتمينا به من برد الوجود أكثر قسوة من العراء نفسه. عندها لا يعود اليقين بيتا للروح، بل قبرا للسؤال
ولا يعود الإيمان بحثا عن المعنى، بل آلية دفاع ضد الخوف من المجهول.
لذلك كانت اخطر اللحظات في تاريخ الوعي هي تلك التي تحولت فيها الاجابات الى اسوار، والمقدسات الى حراس، والموروثات الى شرطة داخلية تفتش العقل قبل ان تسمح له بالتفكير.
ربما النضج يبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الانسان عن سؤال العالم أن يمنحه يقينا مطلقا، ويبدأ في تحمل مسؤوليته عن المعنى الذي يصنعه
اعتقد ان خلاصنا ليس في العثور على يقين نهائي، بل في امتلاك شجاعة السير في العراء دون أن نفقد إنسانيتنا
أن نرتجف أمام سؤال الوجود، لكن ألا نهرب منه، وأن نعرف أن بعض الأسئلة لا تأتي لكي نغلقها بإجابة، وإنما لكي تفتح في داخلنا نافذة أوسع على الحياة.
علينا ان نعيد النظر في علاقتنا باليقين نفسه.
فليس كل ما يمنحنا الطمأنينة يستحق ان يسمى حقيقة، وليس كل ما يخيفنا باطلا، وليس كل سؤال ينبغي ان ينتهي الى اجابة. بعض الاسئلة اعظم من ان تغلق، لان قيمتها ليست فيما تمنحه من يقين، بل فيما تنتزعه من سبات
واعتقد ان الوعي الحقيقي يبدأ حين نكتشف ان الخرابة التي احتمينا بها طويلا لم تكن بيتا للحقيقة، وان العراء الذي كنا نخشاه لم يكن عدما، بل فضاء للحرية.
العراء الوجودي ليس بالضرورة احساسا سلبيا، كما قد يبدو للبعض
فأن يشعر الانسان بأنه بلا يقين نهائي. وبأن الوجود لا يقدم له خريطة مكتملة ولا ضمانة مسبقة للمعنى، قد يكون بداية يقظته لا علامة انهياره. فالعراء مؤلم حين نراه فقدا للمأوى، لكنه يصبح خصبا حين نراه تحررا من الاسقف الواطئة التي اعتدنا ان نحني رؤوسنا تحتها.
لذلك فالقلق الوجودي ليس مرضا ينبغي التخلص منه دائما، بل قد يكون ذلك الارتجاف الداخلي الذي يخبرنا ان وعينا ما زال حيا. المشكلة ليست في ان نقف عراة امام الوجود، بل في ان نهرب من عرائنا الى اول يقين يعرض علينا دفئا مؤقتا
ربما من يبحثون عن جدار يحميهم من قلق الوجود قد يجدون ملاذا...
اما الذين يجرؤون على مواجهة العراء، فقد يجدون انفسهم.
احيانا يكون العراء هو المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها العقل ان يتنفس خارج سلطة الاجابات الجاهزة، وحينها يتحول الخوف الى معرفة، والقلق الى سؤال، والوحدة الى اكتشاف للذات
***
ابتهال عبدالوهاب








