في "دفاتر الحرب الغريبة"، اليوميات التي كتبها أثناء الحرب العالمية الثانية- ترجمها الى العربية عبد الوهاب الملوح - ، يخبرنا جان بول سارتر كيف أن إعادة قراءاته لأعمال الفيلسوف رينيه ديكارت كانت أحد ملاذاته من قسوة الحرب. كان سارتر مغرماً بديكارت عندما كان طالباً في المدرسة العليا، حيث اعتبر ديكارت "مفكراً تفجيرياً" و"ثائراً مزَّق وقطَّع وترك للآخرين مهمة تقطيب الأشياء وجمعها ثانية"، وقد كانت أفكار ديكارت دافعاً لسارتر وسيمون دي بوفوار على إعادة تعريف مفهوم الحرية والعقل، وكان نتاج هذه القراءات تقديم مشروع فلسفي جديد هو الوجودية التي وُصفت بأنها شكل جديد من العقلانية الفلسفية. من المعروف أن جان بول سارتر استمد وجوديته من قراءاته المعمقة لكتابات إدموند هوسرل في الفلسفة الظاهراتية –الفينومينولوجيا– ومعروف أن هوسرل كان أيضاً معجباً بديكارت وأصدر كتاباً بعنوان "تأملات ديكارتية.. مدخل إلى الظاهريات" –تُرجم الكتاب إلى العربية بترجمتين، الأولى للدكتورة نازلي إسماعيل حسين والثانية لتيسير شيخ الأرض– ونجد أن هوسرل استند على فكرتين أساسيتين من أفكار ديكارت؛ الأولى هي نقد كل ما يثير الشك، والثانية هي أن الذات أساس الحقيقة.
عام 1940 نشر سارتر مجموعة مختارة من أعمال ديكارت وقدم لها بدراسة أشاد فيها بصاحب عبارة "أنا أفكر، إذاً أنا موجود" على اعتبارها مؤسس مفهوم الإرادة الحرة والمخطط الأول للديمقراطية.
دارت أعمال سيمون دي بوفوار حول قضية العثور على أخلاق وجودية إيجابية "بعيداً عن عزاء الزيف والاستسلام" - نحو أخلاق وجودية – ترجمة جورج طرابيشي، ويُعتبر أول كتبها الفلسفية، تناولت فيه العديد من المسائل الفكرية والسياسية، وطرحت أسئلة من عينة: كيف يمكنني أن أرغب في أن أكون ما أنا عليه؟ كيف يمكنني أن أعيش حريتي المحدودة بشغف؟ هذه الأسئلة الوجودية ستؤدي إلى الأسئلة الأخلاقية والسياسية التالية: ما هي الأفعال التي تعبر عن حقيقة حالتنا؟ كيف يمكننا العمل بطريقة تخلق الظروف التي تدعم إنسانية البشر؟. والسؤال الأهم: ما هي علاقتي بالآخر؟ لتصل إلى نتيجة مفادها أن العالم يتشكل من خلال الخيارات البشرية، ومهما كانت هذه الخيارات، فأنا لي خياري المستقل، ولا يمكنني دعمه دون مساعدة الآخرين، والحقيقة الماثلة هي أن قيمي لن تجد لها مكانة في العالم إلا إذا احتضنها الآخرون، ويتم ذلك من خلال جعل قيمي قيمهم.
فيما أطلق كامو مقولته الشهيرة: "أنا أتمرد إذاً أنا موجود"، وإن: "الطريقة الوحيدة للتعامل مع عالم غير حر، هي أن تكون حراً لدرجة يصبح فيها وجودك بحد ذاته ثورة" - الإنسان المتمرد ترجمة نهاد رضا -
في المقابل وجد الشيوعيون الفرنسيون في ديكارت فيلسوفاً حمل راية العقلانية، وجاء في إحدى افتتاحيات جريدة "لومانيتيه" جريدة الحزب الشيوعي اليومية أن: "ديكارت دشن استقلالية الفكر البشري عن العقائد كلها" وأنه: "أحد أبرز ممثلي التقدم البشري" – سودير هزار، كيف يفكر الفرنسيون، ترجمة نانيس حسن – وفي واحدة من المسيرات التي قام بها الحزب الشيوعي لتخليد ذكرى شهدائه، رفع الشيوعيون صورة ديكارت إلى جانب روسو وفولتير وفيكتور هيجو وزولا، وبعد سنوات المقاومة أعلن الحزب الشيوعي أنه وريث تقليد الفكر الناصع الذي بدأ مع "مونتاني وديكارت". وفي منتصف الثلاثينيات أسس الحزب الشيوعي الفرنسي "حلقة ديكارت" وهي سلسلة محاضرات تهدف إلى تشجيع النقاش حول المسائل الفلسفية والعلمية والسياسية. وفي عام 1950 ومع الاحتفال بالذكرى الثلاثمائة لرحيل ديكارت، نظم الحزب الشيوعي معرضاً عن "ديكارت" في باريس ثم انتقل إلى المدن الفرنسية الأخرى، وفي عام 1955 طالب الشيوعيون بالاستمرار في دراسة ديكارت لأنه يساعد على تكوين مواطنين يعتنقون مبادئ الحرية والسلام.
وفي الكلمة التي ألقاها الزعيم الشيوعي الفرنسي "موريس توريز" في جامعة السوربون عام 1946 قال إن "ديكارت يعلمنا الأمل والثقة، والإيمان بالذكاء البشري، وجذب كل قوى العمل الظافرة، ألهمتنا فلسفته العمل وأخبرتنا أن بإمكاننا صنع مصائرنا" وأضاف: "إن العالم يحب فرنسا لأننا نقدر ديكارت".
بنى ديكارت صورة العقل الجديدة بعد أربع سنوات من إدانة غاليلو غاليلي، كان لابد أن يصبح العقل فاتحاً لعالم جديد، ولم يعد "العقل السليم مسؤولاً إلا أمام نفسه". كانت المعرفة في زمن ديكارت مزيجاً غريباً من الحقيقة والخيال، من الأسطورة والغيبيات والعقائد الدينية. في تلك السنوات وبالذات عام 1629 انتهى ديكارت من تأليف كتاب عن الظواهر الطبيعية بعنوان "العالم"، لكنه وهو يسعى لنشر الكتاب، كانت الكنيسة تحاكم غاليلو بسبب الفكرة نفسها عن الشمس والأرض. أدرك ديكارت أن طرقه الجديدة في البحث ربما تثير عليه نقمة رجال الدين، فقرر أن يعتزل الناس ويبحث في شؤون الفلسفة بعيداً عن عيون رجال الكنيسة: "ابتعد عن عيون الناس إذا أردت أن تحيا سعيداً".
بدأ ديكارت يطبق منهج الشك من خلال كتابه "التأملات" الذي كتبه عام 1639، حيث كان يعيش حياة شبه منعزلة، وفي هذا الكتاب يسجل يومياته على شكل تأملات بلغت ستة تأملات، ويخبرنا أن كل تأمل استغرق منه يوماً كاملاً. في خطاب يرسله إلى أحد أصدقائه يوضح ديكارت منهجه في الشك: "تخيل أن لديك مجموعة من التفاح تريد حفظها في سلة. إن الرجل الحكيم لابد أن يتأكد أن جميع التفاح سليم. إذ لو كانت إحدى التفاحات معطوبة، فسوف تفسد في النهاية جميع التفاحات الأخرى، ومن ثم فإن أي تفاحة يكون فيها أدنى شائبة، لابد من استبعادها بلا هوادة على أنها لا تصلح". وهذا هو بالضبط ما يفعله الشك الديكارتي. فديكارت يريد أن يخبرنا أن تفاحة المعرفة التي تبقى في نهاية العملية سوف تكون متميزة للغاية، وستكون من الشيء الحقيقي المضمون، وهو المعرفة التي لا يمكن الشك فيها. لقد عمل ديكارت على بناء فلسفته على أساس المنهج الذي وضعه: "أصبحت على يقين بأنه ينبغي أن أتخلص مرة وإلى الأبد من كل الآراء التي سلمت بها من قبل، وأن أبدأ البناء من جديد من الأساس إذا أردت أن أضع بناءً ثابتاً للفلسفة والعلوم".. ولما كان الشك في الأشياء تفكيراً، كان التفكير هو الحقيقة الوحيدة اليقينية الثابتة التي يمكن اتخاذها نقطة انطلاق في بناء هيكل المعرفة. يكتب ديكارت في التأملات: "أفترض إذاً أن كل الأشياء التي أراها كاذبة، وأميل إلى الاعتقاد أنه لا وجود لكل ما أتذكره، لأن ذاكرتي تخطئ، وأحسب أني خالٍ من الحواس، وأتصور أن الجسم والشكل والامتداد والحركة والمكان، إنما هي وهم من أوهام عقلي. فما عسى إذاً أن يكون صادقاً؟ لعل شيئاً واحداً لا غير صادق، وهو أنه لا وجود في العالم لشيء يقيني".
لقد كانت صياغة المنهج بالنسبة لديكارت خطوة أولية وأساسية، فقد كان يطمح إلى اكتشاف ما عساها أن تكون معرفة الأشياء الموجودة التي يمكن بلوغها باليقين، وكان يعتقد أن الكثير من المعلومات التي حصل عليها زائفة، ولم تكن لديه وسيلة لتمييزها، حتى وجد منهجاً خاصاً به، وعندما أصبح لديه منهج بادر باستخدامه في التأمل الأول من كتابه التأملات، حيث شرع في الشك في كل شيء يمكن الشك فيه، لكي يكتشف ما هو على يقين منه بصورة مطلقة، لأنه لا يستطيع أن يشك فيه بدون أن يفترض وجوده: "عزمت على اعتبار أن لا شيء دخل عقلي يوماً كان أكثر حقيقة من أوهام أحلامي. لكنني أدركت لفوري بعدها أنني حين قررت التفكير على ذلك النحو بأن كل شيء كان مزيفاً، إن ذلك استتبع بالضرورة أنني أنا الذي فكرت لا بد أن أكون شيئاً ما، وبملاحظة أن هذه الحقيقة، أنا أفكر إذاً أنا موجود، أكيدة وثابتة بحيث لا تستطيع أن تزعزعها أكثر افتراضات المتشككين تطرفاً، حكمت بأنني أستطيع قبولها دون أدنى شك باعتبارها المبدأ الأول للفلسفة التي أبحث عنها" – ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمد محمود الخضيري، وهناك ترجمة أخرى بعنوان "حديث الطريقة"، ترجمة عمر الشارني.
***
علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية








