في ذكرى ميلاد المرحوم البشير ربوح
فرش اشكالي: ازمة الفلسفة عندنا، كما شخصها المرحوم البشير ربوح، تتجاوز الخلل البيداغوجي إلى عطب أعمق: في علاقتها بالمجتمع والمؤسسة، والسلطة والمعنى نفسه، فحين تفقد الفلسفة قدرتها على السؤال تتحول الى طقس كهنوتي، وتفقد ماهيتها بوصفها فعلاً نقدياً يزعزع المألوف ويفتح الممكن، وهكذا تنقلب إلى كسل فكري، وقحط وجودي، وانغلاق يفصلها عن الحياة.
كان ربوح متعباً من هذا الحال، حزينا متألما لدرس فلسفي هزيل يعاني من الانتكاسة والانغلاق، يدور حول نفسه بلا أثر لكنه — وهنا تكمن شجاعته — لم يستسلم للتشخيص. كان يؤمن بإمكانية التعافي، وبأن الفلسفة قادرة على أن تعانق الحياة من جديد إذا واجهت أعطابها واقتربت من الشارع وتفاعلت مع الزمن. « فحين تريد الفلسفة أن تفكر، أن تسأل، أن تتخطى، أن تنقد، فما عليها إلاّ أن تعانق الحياة. معانقة تقودنا مباشرة إلى مفاصلها، وتعاريقها، وانشغالاتها. ربَّ انفتاح يمنحنا فرصة التحرر من الكسل، والقحط الوجودي، والتحجر، والانغلاق، ويضعنا في قلبها النابض بعشقها».
بهذه الكلمات لم يكن يفتتح درساً، بل كان يفتتح جرحاً وفي ذكرى ميلاده، 21 أوت، لا نحتفي بتاريخ ولادته، بل باستحالة موت سؤاله: كيف نُعيد للفلسفة صوتها المزعج؟ كيف نُخرج الدرس الفلسفي في الجزائر من القحط البيداغوجي إلى الشارع الأنطولوجي؟ وكيف نُخرجها من قاعة الدرس إلى زوايا الشارع حيث تتدفق الحياة بكلّ ما فيها من قبح وجمال؟
لم يكن مسار ربوح مساراً اعتيادياً. في الوقت الذي كان فيه كثيرون يكتفون بتلقين البرنامج الرسمي، كان هو يخصص وقته للقراءة والتأمل، ويجيد الحوار مع النصوص الغربية دون أن يسقط في شراكها. اشتغل على هايدغر في أطروحة نقدية حول «المساءلة النقدية لمفهوم الميتافيزيقا في فضاء اللغة»، وقرأ إدوارد سعيد بعمق، مستفيداً مما أسماه «النقد الدنيوي» الذي يجمع بين العمق النظري والانخراط في الواقع. وقد افتتح مقاله «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي» باقتباس لسعيد يلخص مشروعه كله: «إن لم تستطع أن تلهم طلابك ليفهموا بأن التعليم هو تعليم ذاتي فعلاً وليس قبولاً بلا نقاش لما يقوله المسؤول، حينها عليك أن تدرك بأنك سلمتهم إلى عبودية فكرية وبالتالي أخلاقية»
من هنا نفهم حدة تشخيصه لأزمة الدرس الفلسفي. ليست الأزمة مجرد مشكل بيداغوجي يُحل بتغيير منهج أو كتاب مدرسي، بل هي أزمة بنيوية تعكس أزمة المجتمع بأسره. ويمكن إجمال عوائقها في خمسة محاور متشابكة:
أولها: غياب الهوية والمرجعية، فالدرس الفلسفي عندنا يبدو بلا بيت، يستورد مفاهيمه من افلاطون وديكارت وكانط وصولا الى بشلار وفوكو وتشومسكي... دون أن يجري عملية توطين حقيقية. وهنا التلميذ الذي ندرسه «العقد الاجتماعي» لروسو مثلا لا يجد نفسه داخل هذا الطرح ، فنحن نحدثه عن المواطنة دون أن يتساءل عن المواطنة الجزائرية في تجربتها المحددة إيجابا وسلبا . فيتحول الدرس إلى لغة معلّقة في الهواء، لغة بلا كينونة.
ثانيها: تشرنق النخب فأساتذة الفلسفة في الثانوي، بدلاً من أن يكونوا كتلة تاريخية فاعلة كما كان يأمل ربوح مستلهماً المصطلح من غرامشي، صاروا جزراً منعزلة. لا جمعية وطنية حقيقية تجمعهم، ولا مجلة ديداكتيكية محلية، لا ملتقيات تناقش همومهم المشتركة. فتتبدد الطاقات في صراعات هامشية، بينما يحتاج الدرس إلى من يتحدث باسمه ويدافع عنه.
ثالثها: غياب الذات الفاعلة. فالأستاذ عندنا يفتقر غالباً إلى الوعي النقدي. يرى نفسه أداة تنفيذ للبرنامج الرسمي، لا ذاتاً تتساءل وتنتقد وتبني. ينظر إلى الحاضر فقط (إنهاء البرنامج، تقديم دروس دعم لتلاميذ البكالوريا...)، لا يمتد فكره إلى المستقبل: كيف يغيّر هذا الدرس وعي جيل؟ وهنا يصير الدرس، في أحسن الأحوال، درساً بهرجاً، كما كان يسميه ربوح مستعيراً المصطلح من الفارابي: متأملاً مجرداً يحتقر العامة ويتوجه إلى خاصة الخاصة، دون أن يحدث أثراً في المجتمع.
رابعها: عجز الجامعة، وهذا الواقع المؤلم نلمسه في غياب التكوين الجامعي فغالباً ما يكون قاصراً. فمعاهد ومدارس الفلسفة تدرس تاريخ الفلسفة كمادة تحفظ فيها الأسماء والتواريخ، لا كممارسة للتفكير. وتغيب عنها الديداكتيك والتربية الفلسفية بشكل جدي. فينتج عن ذلك أستاذ يمارس الشرح بسطحية دون السؤال، والتحليل دون النقد.
خامسها: احتكار الحقيقة، فالخطاب الديني حول الفلسفة إلى مادة مشبوهة، والنخب التي تمارس الوعظ الديني ترى في نفسها الفئة المرشحة لامتلاك السلطة بحسبانها وعداً ميتافيزيقياً، وهنا يجد الأستاذ نفسه في موقف دفاعي دائم. مضطراً إلى تبرير درسه بدلاً من السؤال به. فيصير الدرس مدافعاً، لا هاجماً في معنى الاجتهاد والنقد.
لكن ربوح رغم حدة تشخيصه، لم يكن يكتفي بالتشريح. فالرجل الذي قرأ فوكو وهايدغر كان يدرك أن النقد إن لم يقترن ببرنامج عمل فإنه يبقى عاجزاً، وهنا يتجلى التجاوز في مشروع ربوح: المقاومة عنده ليست ردّ فعل، بل بديل تاريخي ونهج فكري واجتماعي.
من هنا جاءت دعوته إلى «الشارع الأنطولوجي»: ذلك الفضاء الذي تتحول فيه الطاقة العفوية إلى فعل مؤسس، ويتحول الهمّ الشعبي إلى مشروع حضاري. ومع انطلاق الحراك الشعبي الجزائري في 2019، كان ربوح كاملاً في الصفوف الأولى، يقرأ شعارات الحراك بلغة هايدغر («اللغة بيت الكينونة»)، ويرصد القطائع التي أحدثها جيل جديد مع الماضي.
وفي هذا السياق يكتمل مشروعه البيداغوجي: اعتبار الدرس الفلسفي سلوكاً ديمقراطياً. فالدرس الذي ينبثق من الحوار ليس تقنية تدريسية فحسب، بل علاقة وجودية بين الأستاذ والتلميذ. فحين يتعلم التلميذ الاعتراف بالآخر كذات مستقلة لها كرامتها، والتسامح مع المختلف، واحترام الرأي المخالف، فإنه يتعلم الديمقراطية قبل أن يدرسها نظرياً. وهذا يقتضي شروطاً إبستمية صارمة: الأشكلة، والأفهمة، والحجاج، و هذه الشروط لا تكتمل إلا حين تتحول إلى فعل يُخرج الأستاذ والتلميذ معاً من العبودية الفكرية.
كان ربوح يرفض أن يقدّم نفسه بصيغة نرجسية. حين سُئل يوماً «من هو؟» أجاب بأن السؤال نيتشوي في جوهره، يخاطب الذات في أعلى مراتب عشقها لذاتها، ثم اختار أن يقول ببساطة: «أنا الباحث المتواضع في مجال الفلسفة». هذا التواضع لم يكن مجاملة، بل موقفاً فلسفياً. فالرجل الذي ولد في رأس الوادي، المدينة نفسها التي أنجبت البشير الإبراهيمي، ظل يرى في الفلسفة فعلاً مشتركاً لا عرضاً فردياً للمعرفة. كان يسافر ليلاً في رمضان مسافات طويلة لضمان استمرار الندوات، ويحاور، ويرسل كتبه إلى أصدقائه قبل نشرها، ويؤمن بأن «الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ.
في ذكرى ميلاده... رحمه الله، نستأنف اسئلته الحارقة وعباراته الواخزة املا في ان تشرق شمس الفلسفة غدا.
***
عمرون علي








