عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى غلمان: جمـهــوريــة الــوهم الرقــمــي

كيف يستطيع الإنسان أن يجعل آلاف المتابعين يعتقدون أنهم أمام عقل استثنائي، وعبقرية نادرة، وشخصية تستحق الإعجاب والتقليد؟ وكيف يتحول الفرد العادي إلى "نموذج" يتبعه الآخرون، لا بسبب عمق أفكاره أو قيمة ما ينتجه، بل بسبب قدرته على صناعة صورة براقة عن ذاته داخل فضاء لا يعترف دائما بالمعرفة، وإنما يكافئ الحضور والاستعراض؟ .

يبد أن السؤال الأكثر إلحاحا الآن، ليس كيف يصنع المؤثر جمهوره، بل كيف يصنع جمهوره نسخة متخيلة منه؟، وكيف تتحول الشخصية الرقمية الهلامية إلى هوية بديلة يتقمصها الآخرون، فيقلدون طريقة كلامها وحركاتها واختياراتها، وحتى أوهامها، إلى درجة يصبح فيها التقليد بديلا عن التفكير، والانبهار بديلا عن النقد؟

  إننا أمام ظاهرة تتجاوز حدود مواقع التواصل الاجتماعي، لتكشف تحولا عميقا في بنية الوعي المعاصر. فالفضاء الرقمي لم يعد مجرد أداة للتواصل، بل أصبح مختبرا اجتماعيا لإنتاج الرموز وصناعة النجوم وإعادة تعريف مفاهيم النجاح والقيمة والذكاء.

 لقد انتقل الإنسان من عصر كانت فيه المكانة تُكتسب عبر المعرفة والخبرة والإنجاز، إلى عصر أصبحت فيه القدرة على جذب الانتباه في حد ذاتها نوعا من السلطة.  وفي ذلك ينبها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى خطورة تحول المجال العمومي إلى فضاء تتحكم فيه المصالح والأدوات التقنية، حيث يمكن أن يصبح النقاش العام خاضعا لمنطق التأثير بدل منطق الحجاج والعقلانية.

 واليوم تبدو المنصات الرقمية وكأنها نقلت هذا التحول إلى مستوى أكثر تعقيدا؛ إذ لم تعد الحقيقة هي ما يملك قوة البرهان، بل ما يملك قدرة الانتشار.  ومن زاوية أخرى، يمكن استحضار تحليل بيير بورديو لمفهوم "الرأسمال الرمزي"، حيث لا تقوم السلطة فقط على المال أو القوة المادية، بل على الاعتراف الاجتماعي الذي يمنحه الآخرون للفرد. فالمؤثر الرقمي يبني رأسماله الرمزي من خلال أرقام المتابعين والإعجابات والمشاهدات، حتى تصبح الكمية بديلا عن القيمة، ويصبح الانتشار دليلا زائفا على الأهمية.

 المفارقة الكبرى أن بعض الشخصيات الرقمية لا تقدم معرفة حقيقية ولا تجربة إنسانية عميقة، لكنها تنجح في بناء صورة مثالية عن الذات. إنها تمارس نوعا من "هندسة الانبهار"، حيث يتم تحويل الحياة اليومية إلى عرض مستمر، والذات إلى علامة تجارية، والخصوصية إلى مادة للاستهلاك الجماعي. ونستحضر هنا أفكار الفيلسوف الفرنسي غي ديبور، الذي يرى أن المجتمعات الحديثة تتحول تدريجيا إلى مجتمعات فرجة، حيث لا يعود الإنسان يعيش التجربة بقدر ما يعيش تمثيلها وصورتها. فالصورة لا تعكس الواقع فقط، بل تصبح واقعا قائما بذاته. وفي العالم الرقمي، يصبح الفرد أسيرا للصورة التي يصنعها عن نفسه، حتى يفقد المسافة النقدية بين الذات الحقيقية والذات المعروضة.

ويصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان المجتمعات المعاصرة بأنها تعيش حالة من "السيولة"، حيث أصبحت الهويات قابلة للتشكيل والتبديل بسرعة. وهذا ما يفسر انتشار الشخصيات الافتراضية التي لا تقوم على عمق داخلي، بل على القدرة على التكيف مع مزاج الجمهور والخوارزميات. لكن السؤال الأكثر إزعاجا يتعلق بالجمهور نفسه: لماذا ينجذب البعض إلى نماذج تفتقر إلى المعرفة أو العمق؟. لماذا تصبح التفاهة قابلة للانتشار أكثر من الفكر؟.

  ربما تكمن الإجابة في ما وصفه فريدريك نيتشه بصراع القيم، حيث لا تنتصر دائما الأفكار الأكثر عمقا، بل قد تنتصر القوى الأكثر قدرة على فرض حضورها. وفي البيئة الرقمية، تمتلك الخوارزميات قدرة هائلة على تضخيم المحتوى الذي يثير الانفعال، سواء كان غضبا أو دهشة أو فضولا، وليس بالضرورة المحتوى الذي يحمل قيمة معرفية. 

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المؤثرين، فالتأثير ظاهرة إنسانية قديمة، وإنما في انتقال التأثير من مجال المعرفة والخبرة إلى مجال الاستعراض الفارغ. فحين يصبح عدد المتابعين معيارا للحقيقة، وحين تتحول الشهرة إلى شهادة كفاءة، يصبح المجتمع أمام انقلاب في سلم القيم، يصبح المظهر أكثر أهمية من الجوهر، والصورة أكثر حضورا من الإنسان، والقدرة على جذب الانتباه أهم من القدرة على إنتاج المعنى.

 إن العالم الرقمي لا يعاني فقط من فائض المعلومات، بل من أزمة معنى. فوسط هذا التدفق الهائل من الصور والأصوات، يصبح الإنسان مهددا بفقدان ملكة التمييز بين ما يستحق المتابعة وما يستحق النسيان.

 ولهذا فإن السؤال الأخلاقي الأكبر لا يكمن في، كيف نصنع مؤثرين أكثر نجاحا؟ بل في، كيف نصنع جمهورا أكثر وعيا، قادرا على مقاومة الإغراء السهل للصورة، وعلى التمييز بين من يضيء الطريق ومن يبيع الوهم؟.  فالمشكلة تنساق إلى منتحلي وصانعي أقنعة رقمية، وممن أصبحوا مستعدين للعيش داخل تلك الأقنعة. وفي اللحظة التي يصبح فيها الوهم أكثر جاذبية من الحقيقة، لا يكون الخطر في كذب المؤثر وحده، بل في استعداد الجماعة لتصديق الكذبة وتحويلها إلى واقع اجتماعي.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم