عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: الأرض.. وحشتها في وعي البشر

وعنفها الحاضر في فاجعة كولومبيا

الجذور الفلسفية والروحية لعلاقة الإنسان بالأرض

منذ أقدم العصور، لم تكن علاقة الإنسان بالأرض مجرد ارتباط نفعي أو بيولوجي قائم على استهلاك الموارد من أجل البقاء، بل كانت علاقة وجودية عميقة تحمل أبعاداً روحية وفلسفية خالصة. فالأنسان لم يُخلق ككائن غريب هبط على هذا الكوكب بالصدفة، بل وُجد ليكون جزءاً من نسيجه الكوني، يتقاسم معه نبض الحياة وقسوة الوجود.

وفي تعبير بليغ عن هذه العلاقة، يرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر أن الوجود البشري الحقيقي يقوم على مفهوم "السكن على الأرض". فالإنسان ليس سيداً مطلقاً ومسيطراً على الطبيعة، بل هو "حارس وراعي" لهذه البيئة العميقة. ووفقاً لهذا التفسير، فإن الكوارث الجيولوجية والتقلبات العاتية التي يشهدها كوكبنا ليست سوى تذكير دائم بصلابة الأرض وجوهرها المستقل، وهو ما يكسر أوهام الغرور البشري، ويعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي القائم على التواضع أمام قوانين الوجود الأزلية

طبيعة الأرض. بين وهْم الجنَّة وقسوة التكوين

يطرح التأمل في كوكب الأرض تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان هذا الكوكب جنة ممهدة لراحة الإنسان وسعادته المطلقة، أم أنه بيئة قاسية فرضت على الكائن صراعاً مستمراً من أجل البقاء.

فعلى الصعيد العلمي والفيزيائي، لا تبدو الأرض مجرد صخرة صماء، بل تشكل نظاماً ديناميكياً فريداً يوفر مقومات الحياة الأساسية من مياه سائلة وغلاف جوي متوازن ومجال مغناطيسي واقي، مما جعلها واحة استثنائية مقارنة بالكواكب المجاورة الميتة أو القاحلة التي تعج بالبراكين والعواصف العاتية. وفي المقابل، يكشف السجل الجيولوجي عن تاريخ حافل بالأزمات والانقراضات والتقلبات العنيفة، مما يؤكد أن الأرض لم تكن يوماً مهدًا جاهزًا ومريحًا بالمطلق.

ومن هنا، يتضح أن صلاحية الأرض للعيش ليست هبة مجانية مريحة، بل هي بيئة ممكنة ومتاحة بشروط صارمة وقوانين صلبة، مما أجبر الإنسان منذ بداياته على الكفاح والتكيف المستمر وسط طبيعة عاتية ومتقلبة في شتى أنحاء العوالم المتحرك

من أزلية الطبيعة إلى فاجعة كولومبيا. سجلّ ممتد من الهلاك البشري

على امتداد التاريخ البشري، لم تكن الكوارث الطبيعية سوى حلقات في سلسلة متصلة تعكس قوى الأرض الجيولوجية والمناخية الجامحة. ولعل الذاكرة البشرية توقفت طويلاً أمام ذلك الزلزال الفضيع في القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1755 (زلزال لشبونة الشهير)؛ حيث ضرب هازّاً إمبراطوريات بأكملها بقوة هائلة قاربت 8.5 درجات متبوعاً بتسونامي عارم وحرائق أكلت الأخضر واليابس، مخلفاً ما بين 40,000 إلى 50,000 قتيل، ومحدثاً صدمة كبرى هزت حتى أفكار فلسفة عصور التنوير حول طبيعة الوجود.

ولا تتوقف قسوة الطبيعة عند الزلازل الكبرى، بل تتجلى في حرائق المدن الضخمة التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر، مثل حريق هامبورغ الكبير عام 1842؛ والذي اندلع نتيجة الجفاف والرياح العاتية في شوارع ذات مبانٍ خشبية متلاصقة، ليأتي على ربع مساحة المدينة ويدمر آلاف المنازل ويشرد عشرات الآلاف.

كما تمتد هذه السلسلة لتشمل أمواج التسونامي المدمرة، ككارثة المحيط الهندي عام 2004 التي ضربت سواحل عدة دول آسيوية وأفريقية وخلفت أكثر من 220,000 قتيل في بضع ساعات، والزلازل العابرة للحدود مثل زلزال تركيا وسوريا المدمر عام 2023 الذي حصد أرواح أكثر من 50,000 قتيل وخلف دماراً هائلاً، إضافة إلى زلزال مصر عام 1992 الذي أحدث دماراً واسعاً ومئات الضحايا نتيجة هشاشة المباني وقرب مركزه من التجمعات السكانية الكثيفة.

ولا تقتصر الفواجع على الأرض وحدها، بل تشمل الكوارث الناجمة عن تفاعل الطبيعة مع عجز البنى التحتية البشرية، مثل انهيار سدي درنة في ليبيا عام 2023 نتيجة العاصفة المتوسطية المدمرة (دانيال) وغياب الصيانة، مما أسفر عن جرف أحياء كاملة ومقتل وفقدان الآلاف، وصولاً إلى الأعاصير العنيفة التي تضرب السواحل الأمريكية متسببة بمآسي واسعة وخسائر بمليارات الدولارات، وأحدثها فاجعة زلزال كولومبيا الأخير بقوة 7.4 درجات والذي أودى بحياة المئات وشرّد الآلاف.

تؤكد هذه المحطات الممتدة من لشبونة التاريخية وحرائق القرن التاسع عشر إلى فواجع التسونامي، والزلازل، وانهيار السدود، والأعاصير المعاصرة أن السجل الكارثي للأرض مفتوح بلا توقف، وأن الطبيعة حين تتحرك بقوانينها الصارمة، لا تترك خلفها سوى دليل جديد على أن بقاء الإنسان على هذا الكوكب مرهون دائماً باحترام أسراره واستيعاب خطوطه الحمراء بين حتمية البقاء وأفق التواضع. فلسفة الكوارث بين نبض الأرض وغرور الإنسان

يقودنا هذا السجل الهائل من الفواجع إلى السؤال الفلسفي الأعمق: هل هذه الظواهر المدمرة هي دليل على تداعي الكوكب ونهايته، أم أنها الصمام الخفي الذي يبقي الأرض حية؟

من المنظور الجيولوجي البحت، لا تُعد القوى العنيفة للزلازل والبراكين علامات احتضار، بل هي "نبض الحياة" والآلية الديناميكية الكبرى التي تضمن استمرار كوكبنا؛ فحركة باطن الأرض وتكتونية الصفائح هي التي تجدد غلافه وتخلق مجاله المغناطيسي الواقي، وكأن الكوارث في جوهرها الفيزيائي هي "ضريبة البقاء" التي يدفعها الكوكب ليبقى نابضاً بالحياة. أما على الصعيد الإنساني، فتکشف الكوارث عن أزمة أعمق تتعلق بما يُعرف بـ "غرور السسيطرة التقنية". فعلى مرّ العصور، ظن الإنسان أنه قادر على إخضاع الطبيعة وترويض حدودها، متخذاً من التقدم العلمي درعاً وهمياً يحميه من صرامة المكان. لكن الهزات، والأعاصير، والفيضانات تأتي دائماً لتُسقط هذا الوهم، وتُذكّر الكائن البشري بهشاشته المطلقة أمام قانون كوني لا يحابي أحداً.ومن هنا، فإن التجاوز الحقيقي لهذه المأساة لا يكمن في محاولة قسر الأرض على طاعة الرغبات البشرية، بل في بلوغ منزلة "التواضع المعرفي"؛ أي إعادة اكتشاف فن العيش المشترك مع الطبيعة، واحترام إيقاعها الأبدي، وإدراك أن بقاء الإنسان على هذه الواحة العتيقة مرهون بمدى قدرته على الانصياع لحكمة المكان، لا بفرض الهيمنة على من هنا ان أفق العلاقة المستقبلية. نحو التواضع المعرفي يتحدد مصير هذه الشراكة الكونية بقدرة الإنسان على تجاوز وهم السيطرة والغرور التقني، والانتقال إلى وعي جديد يقوم على "التواضع المعرفي". فبدلاً من قسر الأرض على طاعة الرغبات، يكمن التحدي في احترام إيقاع المكان والالتزام بخطوط الخطر، لتتحول الكوارث من مآسي مدمرة إلى مُدرّب صارم يعيد صياغة تناغمنا الأصيل مع كوكب عتيق يمنحنا الحياة رغم كل شي

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم