في خضم هذا العالم الذي يغرق في "الاستلاب الرقمي"، وتتآكل فيه الذات ضمن فضاءات الافتراضية، يبرز سؤال وجودي يتجاوز السطحية التي تطرحها أدبيات تطوير الذات الشائعة في وقتنا الراهن: هل السعادة، بوصفها غايةً نهائية، هي مجرد وهمٍ يُباع في أروقة السوق الرأسمالي، أم أنها فعلُ مقاومةٍ ضد "التشييء" الذي تفرضه هياكل السلطة والتقنية؟
إن النقاش حول السعادة حين نختزله بمعادلات المتعة مقابل الألم أو الاستهلاك مقابل الحرمان، ليس أكثر من إعادة تدوير لآليات التكيف مع نظام يعيد إنتاج عبوديته في ثوب الرفاهية. ومن منظور فلسفي يتقاطع مع رؤية حنة أرندت، يمكن القول إن اختزال الإنسان في "حيوان عامل" يبحث عن الإشباع اللحظي، هو ما يجعل السعادة مستحيلة؛ لأن السعادة الحقيقية ليست حالة بيولوجية من الاستقرار، بل هي "الفعل" الذي يمنح الوجود معناه في الحيز العام.
في مجتمعاتنا الراهنة، التي نسميها "مجتمعات البيانات"، لم يعد الإنسان سيداً على رغبته. فالخوارزميات التي تضبط إيقاع يومنا، وتوجه استثماراتنا العقارية، وتحدد حتى توجهاتنا السياسية، ليست أدوات محايدة، بل هي بنية سلطوية هدفها هندسة "الرضا القسري". إن السعادة التي يبحث عنها الفرد في هذا النظام ليست هي السعادة التي طالب بها فلاسفة العصور القديمة، بل هي تخدير منظم يضمن بقاء الفرد داخل الترسانة دون أن يطرح أسئلة حول ماهية النظام أو مشروعيته.
من هنا، يجب علينا أن نقف بصرامة ضد وهم "السعادة الخارجية". إن هوسنا بالمشاريع العقارية، والبحث عن ملاذات آمنة في أسواق الاستثمار الدولية، أو حتى الانغماس في التحليل النقدي للنظم السياسية الكليانية، لا يمكن أن يكون مجرد هروب من الواقع؛ بل يجب أن يكون ممارسة واعية للسيادة الشخصية. نحن لا نبحث عن سعادة مستقرة في عالم مضطرب، نحن نبحث عن "الاستقلالية"؛ أي القدرة على اتخاذ قرار لا تمليه علينا الخوارزمية، ولا يفرضه خطاب النخبة المسيطرة.
إن دعوتي، كما نناقشها دائماً، هي نحو تأسيس نخب معرفية لا تعزل نفسها في أبراج عاجية، بل تقتحم الميادين السياسية والثقافية لتحليل آليات السيطرة. الكتابة والترجمة -مثل مشروعك الحالي في نقل الفكر من العربية إلى الكردية- ليست مجرد نشاط ثقافي؛ بل هي جسر لكسر هيمنة اللغة التي تفرضها القوى المهيمنة، ومحاولة لخلق مساحة للتفكير الحر في وسط صحراء المعنى التي نعيش فيها.
السعادة، إذن، تكمن في القدرة على "الممانعة". هي أن تكون قادراً على قول "لا" للنظام الذي يريدك مجرد رقم في إحصائيات النمو أو مستهلك في قائمة التوقعات العقارية. هي أن تجد لذة في التفكيك النقدي للبنى الفاسدة، وفي بناء جماعات تدرك أن تحرر الفرد مرتبط بتحرر الجماعة.
الرهان على المستقبل لا يكمن في إيجاد وصفة للسعادة الفردية، بل في صياغة مفهوم جديد لـ "الحياة الطيبة" بعيداً عن صخب السوق. حياة تكون فيها السياسة فعلاً أخلاقياً، والقانون أداة للعدالة لا للضبط، والتقنية خادماً لا سيداً. في هذا التوجه، تصبح السعادة عرضاً جانبياً للحياة التي تملؤها الكرامة والوعي، لا هدفاً يسعى إليه المرء عبر استهلاك المزيد من الوعود الزائفة.
ختاماً، إننا مدعوون لإعادة تقييم أدواتنا؛ فالمعركة ليست في العلن فقط، بل في العمق. من خلال مؤسساتنا الصغيرة، ونصوصنا التي نكتبها، وحواراتنا التي لا تنتهي، نؤسس لمقاومة طويلة الأمد ضد كل ما يسلبنا إنسانيتنا. إن السؤال الحقيقي ليس "كيف نكون سعداء؟" بل "كيف نكون أحراراً في عالم مصمم ليجعلنا مجرد أدوات؟". وهنا، تحديداً، تبدأ الحرية، وهنا يكمن المعنى الحقيقي لما نسعى إليه.
***
دكتور أحمد فاتح محمد








