في إمكان ألاَّ نغرق في الافتراضي
للسعادة منحيان؛ منحى قصير الأمد، وآخر طويل الأمد، وكلاهما رهينان ظروف ذات الفرد، وأخرى خارج ذاته، وأحيانا يلتقيان بإرادة الفرد ذاته. كل من المنحيين يرفع في أدمغتنا هرمون الدوبامين(Dopamin)؛ الناقل العصبي الذي كلما زاد نشاطه في الدماغ البشري زاد شعور البهجة فينا؛ ونشاطه يعتمد على الضخ الدائم لمسببات السعادة، أو لنَقُل الإدمان المفرط على الاستهلاك القهري لإشباع رغبات النفس لتحقيق السعادة بنوعيها اللحظية، والبطيئة.
السعادة ذات الأمد القصير تتمثل بمثيرات ومؤثرات خارجية، نقدّمها لأنفسنا، أو يقدمها لنا أفراد، أو شركات، أو مؤسسات. فوضى البحث عن السعادة السريعة لها مصاديقها الكثيرة غير المحدودة؛ مثل تصفح الهاتف المستمر، مشاهدة الأفلام، والبرامج، والفيديوات، والاستماع للموسيقى والغناء، وإدمان المخدرات أو المسكرات، والغوص في العالم الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومحادثات عبر الجات، والتواصل مع برامج الذكاء الاصطناعي.... وغيرها الكثير من مسببات السعادة المصنوعة.
منصات التواصل الاجتماعي اليوم هي إحدى مصادر السعادة اللحظية التي يكتسبها أي فرد منا؛ ويبرع المتنفذون فيها بتقديم المزيد من الخوارزميات المُبرمجة حسب اهتمام الفرد لإبقائه على الشاشة لفترات طويلة. فضلا عن ذلك أصبحت منصات التواصل أيضا مثل ساحة كرة القدم، الكل يريد تسديد أهدافه ليفوز، أو ليستفز إرادة الآخرين لتحقيق أهدافهم كذلك. كما يمكن القول: إن الساحة الرقمية ركّزت النرجسية والتمركز حول الذات عبر كسب المزيد من الإعجابات والتعليقات، لذلك يسعى الكثيرون للبقاء على الشاشة لاسترسال اللعبة، وكسب المزيد من الأهداف.
أما السعادة ذات الأمد الطويل فهي التي نسعى نحن لتحقيقها، وتتطلب جهودنا الشخصية، ووقتا طويلا؛ مثلا قراءة كتاب، جلسة تأمل مع النفس، الذهاب للتسوّق، إعداد وجبات غذائية في المنزل، التنزّه في الطبيعة والجلوس فيها بذكر وتسبيح الله، الجلوس مع العائلة وتبادل الأحاديث الشيقة، زيارة الأقارب والأصدقاء، ممارسة شتى أنواع الرياضة..وغيرها من مسببات السعادة البطيئة.
إطلاق كميات هائلة من الدوبامين في الدماغ، هو العامل الأساس الذي يوقد في نفوسنا شعلة السعي نحو كسب المزيد من مسببات السعادة السريعة، أو البطيئة، فنشعر بالفرح. والدماغ يسعى لكسب المزيد من مسببات المتعة، وكسبها يعني استمرار عملية الاستهلاك، سيما عالمنا اليوم هو عالم الوفرة الفوضوية الصاخبة. التماهي مع حالة الاستهلاك هذه تجعلنا ندور في حلقة مفرغة من السعي وراء الرغبات المستمرة لنحقق السعادة، وهذا الإفراط في الكسب القهري للسعادة يؤدي إلى الملل، والضجر، والتوتر، والتشتت الذهني، والقلق، وفقدان الشعور بأي فرح، أو لذة لكل المتع في أبسط الأشياء؛ لأن الدماغ يختزن كميات هائلة من الدوبامين. الدوبامين لا يأتي من خارج الدماغ إنما يزداد إفرازه في الدماغ كلما زاد الإدمان القهري على الملذات ف(كل شيء يتجاوز حده يصير ضده)- كما يقولون. الدوبامين حامي/حرامي، يمتّع الناس، ويتركهم في حالة الألم بسبب الضجر، والملل، والقلق، والتشتت، وعدم الراحة لفقدان الإحساس بمتعة الأشياء، وحالة الألم هذه تجعل الدماغ يميل إلى التوازن، ويقف على نقطة الارتكاز الوسطى.
حقيقة عمل الدماغ مع مسببات اللذة والألم تكشفها لنا الدكتورة "ليمبكي" طبيبة النفس، حيث تصرّح إن اللذة والألم يعملان في مناطق متداخلة من الدماغ، ويعملان كالميزان مع نقطة ارتكاز في الوسط. عندما لا يكون شيء في الميزان يكون في حالة توازن مستوٍ؛ لكن حين الشعور باللذة يتم إطلاق الدوبامين في مسار المكافأة الخاص بنا فيميل التوازن إلى جانب اللذة، وكلما مال الميزان زاد فينا شعور اللذة، لكن ما يهم الميزان هو أن يكون مستويا -أي في حالة توازن-، وفي كل مرة تتجه كفة الميزان نحو اللذة تبدأ آليات التنظيم الذاتي القوية في العمل لإعادة مستوى الميزان مرة أخرى، ولا تتطلب آليات التنظيم الذاتي هذه التفكير الواعي بل تحدث فقط كرد فعل انعكاسي، فيميل الميزان إلى كمية معاكسة ومتساوية من الألم لمواجهة الثقل على جانب اللذة ليحقق التوازن لذاته، والشعور المفرط بالبهجة هو المسبب للألم لأن التعرض المفرط لمصادر اللذة يفقد المتعة، ويقود إلى الألم المتسبب من السعي الدؤوب وراء اللذة[1].
وتطرح الدكتورة "ليمبكي" حلولا لنا في كيفية السيطرة على هوس الاستهلاك المستمر لكل مسببات السعادة الفورية عبر تجارب سريرية خاضتها مع مرضاها في حالاتهم المختلفة. تقودنا "ليمبكي" إلى نتيجة مفادها إن بإمكاننا الحد من الإدمان الدوباميني بصيام الدوبامين؛ يعني الابتعاد عن كل ما يمنحنا متعة فورية. حيث أن التعافي يبدأ بالامتناع عن السلوك الإدماني، وهو ما يضبط مسار مكافأة الدماغ الذي يؤدي إلى استعادة القدرة على الاستمتاع بالملذات البسيطة. وتشكيل العلاقات الإيجابية التي تمنح الحياة معنى، بدلا عن الاستهلاك المستمر، معتبرة أن السعادة الحقيقية ليست في المتع السريعة بل في بناء حياة ذات مغزى عندما نبتعد عن السلوكيات التي تستهلك الطاقة العقلية والنفسية، ونكتشف جمال الحياة في التفاصيل الصغيرة مثل قراءة كتاب، قضاء وقت ممتع مع العائلة، التأمل، التنزه في الطبيعة لساعات طويلة مع التنفس العميق، أو حتى الجلوس بهدوء دون كلام بصمت مع النفس. والصيام الدوباميني يعني الجهاد مع النفس ونوازعها، وهو ما يتطلب الصبر والتحمل لأنه يقود إلى خلق مساحة واقعية ومعرفية بين الرغبة والاستهلاك؛ وهي ضرورة حديثة في عالمنا المثقل بالدوبامين[2].
وسائل مسببات السعادة اللحظية نموذجها الأجهزة الذكية، وأسلوبنا في استخدامها يحدد الشعور بالرضا والمعنى، أو الملل والضياع في عالم يموج بتدفق المعلومات وصخب الوفرة. معنى هذا أن اللجوء إلى التكنولوجيا لتحقيق المعاني التي نرغبها في أعماق وجودنا هو أسلوب سيء، إلاّ إذا كان مكمّلا لتحقيق المعاني فهذا أمر جيد. هذه الحقيقة أيضا أثبتها الأستاذ "آرثر بروكس" أستاذ ممارسة القيادة العامة في كلية هارفارد كينيدي، وأستاذ ممارسة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال في كتابه الجديد "معنى حياتك: إيجاد الغاية في عصر الفراغ"، يستكشف، أن الناس باتوا يلجأون إلى أجهزتهم لتقليل المشقة في مختلف جوانب حياتهم، ما قد يُبعدهم تدريجيًا عن الإحساس بالمعنى والغاية، وشدد على أن الحل ليس بالتخلّص من الهاتف أو الجهاز الذكي بل ينبغي أن يكون الهاتف مجرد أداة لتحقيق بعض ما نتوق إليه وليس كله[3].
تجربتي مع الانقطاع المؤقت عن العالم الرقمي
لستُ من المدمنين على التواجد الدائم في قنوات التواصل الاجتماعي، استخدم وسائل الاتصال بأوقات خاصة ومقننة إلى بعدٍ لا بأس به، لا أتابع كل شاردة وواردة، أو أكرر النظر في هاتفي طوال اليوم. وقد وضعت لنفسي برنامجا بموازاة ذلك عبر ممارسة الأنشطة المختلفة، وهي مهمة لراحة النفس والعقل. انفصلت لفترة قصيرة عن كل قنوات الاتصال. في الأيام الأولى اعترتني أعراض جسدية؛ منها الشعور بدَويٍّ صاخب في رأسي، فوضى ذهنية، عدم التركيز، والميل إلى النوم والاسترخاء فقط، كأني خرجتُ للتو من أعماق محيط متلاطم الأمواج. حينما كنت متماهية مع العالم المجازي لم أشعر بهذه الأعراض؛ لأن التواصل المستمر يحدث حالة إدمان قهرية ناتجة عن التماهي مع هذا العالم، بالضبط مثل الإدمان على المنبهات أو المواد المخدرة. استمرت بي هذه الحالة لأسبوعين، بعدها شعرتُ بهدوء، وصفاء ذهني، وسكينة نفسية خاصة لم أشعر بها إلاّ في سنوات ما قبل دخولنا عصر الانترنت، وكنت أمارس بعض الهوايات مثل المشي والجلوس تحت الشمس في أول النهار، والمطالعة، فمتعة القراءة في الكتاب الورقي لا تضاهيها متعة القراءة في الكتاب الإلكتروني، وممارسة أنشطتي اليومية في المنزل، وزيارة بعض من صديقاتي. انتابني شعوران متضاربان؛ الأول بودي الانقطاع التام الدائم عن العالم الرقمي وما فيه؛ حيث أسترجع الصفاء والسكينة الجسدية والنفسية والعقلية؛ فلدي الكثير مما يشغلني عنه، لكن في ذات الوقت أفقدُ ضرورة مهمة من ضرورات الحياة الحديثة؛ والانقطاع يعني الأمية؛ فأمية اليوم غير أمية الأمس؛ أمية القرن العشرين هي جهل القراءة والكتابة، وأمية القرن الواحد والعشرين هي جهل العالم الرقمي، والتخلف بكل صوره عن العالم المتقدم الذي يتسابق بتقديم منجزاته العلمية المتدفقة كالسيل العارم كل يوم؛ ليس آخرها روبوتات الذكاء الاصطناعي في كل حقول المعرفة، التي صيّرت الحوار البشري روبوتيا أكثر من كونه بشريا؛ حيث الناس يتحاورون مع الروبوتات أكثر من حوارهم مع نظرائهم البشريين. اما الشعور الثاني فهو التواصل مع العالم الرقمي لكن بترشيد واتزان وقطع مبرمج بين الحين والآخر، وهو ما يعيد للدماغ توازنه، وللنفس سكينتها، وللعقل صفاءه.
وحينما عدت مجددا إلى التواصل الرقمي وجدتُ رسائل واتصالات تتطلب مني الجواب، وحينما شرعتُ ألفيتُ نفسي أغوص مرة أخرى في المحيط، وبدأ الدوار تدريجيا يدب في رأسي، مع إني لم أعد بشكل مكثف، وفي كل يوم أجيب على مجموعة من الرسائل.
تجربتي القصيرة هذه في الانقطاع عن التواصل الرقمي قدحت في ذهني أفكارا، سدّدتْها حقائق انتقيتها من بعض متخصصي التكنولوجيا الرقمية؛ هي:
أولها: الإدمان على التواصل الدائم في العالم الرقمي له تداعياته على الصعيد الشخصي والاجتماعي. على الصعيد الشخصي حينما يلج أي أحد منا العالم المجازي هو بالأحرى ينفصل عن ذاته ليندمج في الذات العامة سواء كانت بشرية أم غيرها عبر التواصل، وبالنتيجة الاندماج يتسبب في إجهاد الجسد والنفس، ليس على صعيد الحاضر بل على المستقبل؛ فالأشعة التي تطلقها الأجهزة الذكية مضرة بالجسد، وتسبب التعب والإرهاق، فضلا عن إرهاق البصر، خدر الأصابع للاستخدام المفرط لها على الجهاز، النسيان، قلة الحركة، بروز السمنة المضرة خاصة لكبار السن، تشتت الوقت، وخطر التعرض لسكتات الدماغ والقلب. وعلى الصعيد النفسي فإنها تتسبب بنشوء حالة من الكآبة والضجر؛ وهي حالة منها يشكو أكثر الناس، فاستقبال الإشعارات والمحفزات بإفراط لكسب السعادة اللحظية يفضي إلى إرهاق الدماغ. أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الإدمان في العالم الرقمي ساهم في تقويض العلاقات الاجتماعية، وصار التواصل بين الناس رقميا في المناسبات وغيرها.
حسب ما ورد عن الأستاذ "آرثر بروكس" في كتابه(معنى حياتك إيجاد الغاية في عصر الفراغ) أن وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت بتخفيف الشعور بالوحدة عن طريق ربط الناس ببعضهم أضعفت العلاقات الاجتماعية، وزادت من شعور العزلة لدى الأشخاص، كذلك أسهمت بقطع الاتصال بالعالم الداخلي للإنسان، لأنه حينما ينفصل عن ذاته يندمج بذوات بشرية ومجازية في العالم الافتراضي، وهو ما يؤدي في الواقع إلى شعور أكبر بالملل على مستوى الحياة عمومًا.[4] ويقول "إنّ الملل يمنح الدماغ فرصة للدخول في ما يُعرف بـ"شبكة الوضع الافتراضي"، وهي حالة راحة يقظة وغير مركّزة تسمح للعقل بالتجول. وهذا التجول الذهني يفتح الباب أمام أحلام اليقظة أو التفكير في الأسئلة الكبرى حول الحياة"[5].
ثانيها: تقنين التواصل الرقمي، أو القطع المؤقت له لأيام معدودة يفضي إلى عملية فرمتة الدماغ أو تشذيبه من كل مسببات الفوضى والصخب، وهي أشبه بفيروسات مرضية، وتشذيب الدماغ يحقق الهدوء والنقاء العقلي، فالدماغ مُصمّم على التوازن (لا إفراط ولا تفريط) هذا ما أثبتته تجارب مشتركة لدى قادة قطاع التكنولوجيا. وتتقاطع تلك الآراء التي أبدوْها عند نقطة واحدة؛ هي الحرص على عدم ترك التكنولوجيا دون ضوابط داخل المنزل، وإن التوازن بين استخدام وسائل التواصل، والانقطاع المقنن هو المفتاح لتنشئة جيل قادر على التعامل مع عالم رقمي متسارع دون أن يقع تحت سيطرته.[6] ومن هؤلاء المتنفذين؛ "مارك زوكربيرغ" مؤسس شركة"ميتا" وزوجته "بريسيلا تشان" يفرضان مسؤوليات منزلية على أطفالهما، ويصطحبانهما أحيانا إلى مقر العمل لتعريفهم بطبيعة المساهمة المجتمعية، مع فرض قيود واضحة على وقت الشاشات. و"ساتيا ناديلا" الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت يتبنى نهجا مرنا يتيح للأطفال تحديد مسارهم الخاص مع مراقبة نشاطهم الرقمي والحد من المحتوى المسموح به. و"سوندار بيتشاي" الرئيس التنفيذي لغوغل يعترف باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدة أبنائه في الواجبات المدرسية؛ لكنه في الوقت نفسه يفرض قيودا صارمة على استخدام الهواتف ومشاهدة التلفاز. و"بيل غيتس" مؤسس مايكروسوفت اعتمد "فلسفة الحب والمنطق" في التربية، ومنع الهواتف على مائدة الطعام، ولم يمنح أبناءه هواتف ذكية قبل سن 14 عاما[7].
ثالثها: الكتابة عملية ليست يدوية فحسب بل هي عقلية أولا، ونفسية ثانيا، وجسدية ثالثا؛ تستنزف العقل والنفس والجسد؛ ثم أخيرا يأتي دور اليد لتدون الفكرة. اليوم اليد تدوّن أولا، والعقل معطَّل ما دام العقل الإلكتروني يفكر نيابة عن الكاتب. الذكاء الاصطناعي يأخذ النصوص جاهزة من مواقع الانترنت، ويشكلها كيفما شاء، وبعدها كيفما شاء الكاتب- حسب تفكيره وتعبيره وأسلوبه- ويقدمها له دون بذل الجهد؛ معنى هذا إن العقل البشري يتوقف عن التفكير؛ فالروبوتات اليوم بديل عن العقل في البحث عن المعلومات، بمجرد التفكير بأي موضوع ما يحضر الموضوع تلقائيا من دون حاجة للتصفح بل بمحادثة مع الروبوت بأي حقل من الحقول المعرفية. نستنتج من هذا أن التفكير حاضر ليس في عقول الناس بل بين أياديهم بأي حقل يريدون. وظيفة العقل التفكير، ومركز التفكير هو الرأس، ووظيفة اليد التدوين؛ فكيف يكون العقل باليد؟!
للتفكير آلياته التي هي العقل أولا، ودوره في تحليل الفكرة وتدويرها وتشذيبها، والكتابة أيضا لها آلياتها التي هي اليد، ودورها في التنقيح والتصحيح، ومن ثم تثبيت النص، وتصديره إلى القارئ.
"سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركةBusiness Insider، يؤكد على أنه لا يريد لابنه أن يكوّن علاقة شبيهة بالصداقة مع روبوتات الذكاء الاصطناعي مؤكدا على أن الإنسان لابد أن يظل أكثر قدرة حتى لو لم يكن أذكى من الآلة"[8]. أن ينتج العقل الفكرة أفضل من أن يُستعان بعقل إلكتروني لينتجها. ففعالية العقل بالتفكير، وابتكار الأفكار، وتدويرها، والتعمق فيها، وتحليلها. وفعالية اليد بتدوين النصوص.
ورابعها: التماهي مع الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص يؤقلم العقل البشري تدريجيا معه، ويحدث تغييرات في خلايا الدماغ مكونة أشبه بالخلايا الإلكترونية كما للعقل الإلكتروني. وبينت الدراسات الدماغية "أن القيام بعمليات متعددة يعني أن الدماغ يتكيف مع التعدد الذي تسمح به الشبكة العنكبوتية لذلك لا يجب التفريق بين الواقعي والافتراضي"[9]، أو قد يتعذّر بسبب اندماج العقل مع الخيال. وبسبب التداخل بين الواقعي والافتراضي فإن بمجرد التفكير بشيء ما بدون المحاكاة مع الجات، أو النقر على محرك البحث فإن الموضوع يحضر تلقائيا "توقع العديد من المستقبليين وكتاب الخيال العلمي أن البشر والآلات ستندمج في المستقبل وتصبح سايبورغ (أي نظام يمزج بين صفات طبيعية وصفات اصطناعية فيكون بذلك أكثر قدرة وقوة من كليهما، تسمى هذه الفكرة (ما فوق الإنسانية)[10]. بالضبط الحالة شبيهة بالشريحة الإلكترونية التي توضع في الدماغ؛ وهي بمثابة عقل إلكتروني يفكر نيابة عن الفرد. حينما يفكر بأي موضوع فإن الشريحة تحضرها له بثوانٍ معدودة، وهذه الشريحة مناسبة أكثر للصم والبكم، لكن الإنجازات العلمية اليوم تجاوزت الشريحة، بسبب تداخل العقل البشري مع الإلكتروني؛ فإن بمجرد التفكير بأي شيء يريده الفرد بدون أي واسطة يحضر الشيء إلكترونيا بمجرد فتح الجهاز وتشغيل محرك البحث. إن لم تفكر العقول فسوف تتبلّد، وتُصاب بالهزال، والكسل، ومن ثم الضمور، والزهايمر المبكر. ما نرجوه لعقولنا أن يكون لها حق الأولوية بالتفكير لتبقى فعالة حيوية في توليد الأفكار، ويأتي دور اليد لتدوينها وتصديرها إلى القارئ.
ويرى الأستاذ "آرثر بروكس" أن "الذكاء الاصطناعي شديد التعقيد يمكنه إزالة الكثير من المشاكل المعقدة من حياتك ويمنحك وقتًا إضافيًا. لكن كيف ستقضي هذا الوقت؟ إذا استثمرته في التجارب الإنسانية العميقة المرتبطة بالقلب البشري، وفي جوانب الحياة التي تتعلّق بالمحبة والإيمان والأمور الغامضة التي تمنح الحياة معناها الحقيقي، فستكون الرابح. أما إذا حاولت استخدام الذكاء الاصطناعي لحل مشاكلك المركبة، بأن تجعله صديقك أو شريكك العاطفي أو معالجك النفسي، فستجعل حياتك أسوأ بكثير. وأكّد أنّ التجارب الرقمية ليست بديلًا عن الواقع، ولن تتمكّن أبدًا من تقديم كل التفاصيل الدقيقة التي تشكل التجربة الإنسانية، ولن تتمكن أبدًا من محاكاة المعنى الحقيقي لحياتك. وقد تشمل هذه الأولويات العلاقات الإنسانية، والمساعي الإبداعية، والتأمل في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة. لكن المشكلة، إن على الإنسان مواصلة التأمّل بالمشاكل المركبة كي يكتسب فهمًا أعمق من دون أن يصل إلى محطة أخيرة، مشيرًا إلى أنّ هذا النوع من الأسئلة ينبغي للناس تخصيص مزيد من الوقت له إذا أرادوا تعزيز شعورهم بالمعنى. لكنه أيضًا النوع الذي توهم التكنولوجيا بأنها تقدم له اختصارات سريعة لا تنجح في الواقع"[11].
بالنتيجة الإفراط في الإدمان القهري يرهق الدماغ، وهو يحتاج إلى متنفَّس للهدوء ليستعيد توازنه الداخلي، شرط ألاَّ يتخلّل متَنَفَّس الهدوء هذا الضجر وقلق العودة إلى مطاردة كل ما هو جديد. وإذا صار شعور القلق فلا بأس به؛ فهو قلق صحي يعيد للدماغ عافيته، ويسترجع إيقاعه الداخلي لتحقيق حالة التوازن، فاحتضان القلق طريق إلى كسب المعنى.
تقنين التواصل مع العالم الرقمي يعيد التعافي للجسد والنفس من كل مسببات القلق حتى لو كنا منغمسين فيه؛ فإن ما يجعلنا نوقف الإدمان هو التغاضي عن كسب المزيد من المتع اللحظية التي تثقل الدماغ، وتتركه في حالة الألم، وبرمجة الدماغ على انتقاء القليل النافع. إن خلق السعادة يأتي بعد صبر، وتأمل، وتحمّل، واستخدام القوى العقلية والنفسية والجسدية بوقت ليس بالقصير، بدلا عن خلقها بلمسة إصبع لتضع العالم كله بين أيدينا بلمح البصر، وذلك رهن إرادة كل فرد منا.
***
إنتزال الجبوري
.......................
[1] أنظر: ليمبكي، آنا. أمة الدوبامين. ترجمة: علياء العمري. بدون مكان النشر: دار مدارك، 2004، ص78-81.
[2] أنظر: نفس المصدر، ص305-307.
[3] أنظر: ثلاث عادات يومية بسيطة تمنح حياتك معنى دون التخلي عن هاتفك موقع Arabic. Cnn
4 حزيران ٢٠٢٦ يونيو) عن كتابه (معنى حياتك إيجاد الغاية في عصر الفراغ).
[4] أنظر: ثلاث عادات يومية. مصدر مذكور.
[5] نفس المصدر.
[6] أنظر: أبو العينين، رضا. موقع البيان(5/1/2026)(حقل مال).
[7] نفس المصدر.
[8] نفس المصدر.
[9] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في المملكة المغربية. التكنولوجيات والقيم(تقرير). ص30.
[10] موقع ويكيبديا.
[11] ثلاث عادات يومية. مصدر مذكور.








