عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ياسر البتانوني: الصبر الإنساني بين حكمة الابتلاء وفلسفة الارتقاء

إذا كان العمر هو المجال الذي تجري فيه التجربة الإنسانية، وكانت الآلام والابتلاءات من الحقائق الملازمة لهذه التجربة كما بينت المقالة السابقة "الوجود الإنساني بين حكمة الألم وأفق الأمل"، فإن الصبر يمثل الاستجابة الوجودية والروحية التي تحدد الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع تلك الحقائق. ومن هنا كان الصبر أحد أكثر المفاهيم عمقا في الفكر الديني والفلسفي والروحي؛ لأنه لا يتعلق بما يقع للإنسان بقدر ما يتعلق بما يصير إليه الإنسان من خلال ما يقع له. فالألم واقعة قد تفرض على الإنسان، أما الصبر فهو موقف وجودي وروحي يتخذه الإنسان إزاء ما يواجهه من أحداث وتقلبات.

ولعل من أسباب شيوع مفهوم الصبر أن كثيرا من الناس يتصورونه مفهوما بسيطا واضح الدلالة، بينما يكشف التأمل العميق أنه من أكثر المفاهيم تركيبا واتساعا. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم، ولا مجرد تماسك نفسي في مواجهة الشدائد، بل هو رؤية مخصوصة للوجود، وطريقة في فهم العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين الإرادة الإنسانية ومجريات القدر، وبين المحدود البشري والحكمة الإلهية التي تحكم حركة العالم. وليس الصبر مجرد فضيلة أخلاقية يكتسبها الإنسان بجهده الخاص، بل هو كذلك منحة ربانية ونعمة إلهية امتن الله بها على عباده، ولذلك تكرر الأمر به في القرآن الكريم، ووعد الصابرين بأعظم الجزاء. ولعل سر هذه العناية الإلهية أن الصبر هو سفينة الإنسان في بحر الوجود المتلاطم؛ إذ لا يكاد يخلو عمر من بلاء أو تكليف أو صراع مع النفس، فجعل الله له من الصبر ما يعينه على عبور تلك الأمواج دون أن يفقد وجهته أو يغرق في اليأس والاضطراب.

إن الإنسان بطبيعته كائن يتطلع إلى الثمرة قبل أوانها، ويرغب في اختصار المسافات، ويتمنى أن تخضع الحياة لرغباته وتوقعاته. غير أن قوانين الوجود لا تسير دائما وفق ما يشتهي الإنسان؛ فهناك ما يتأخر رغم السعي إليه، وهناك ما يفقده الإنسان رغم تعلقه به، وهناك من الآلام ما يداهمه دون اختيار منه. وهنا يظهر الصبر بوصفه قدرة على التعايش الواعي مع تعقيد الحياة دون أن يفقد الإنسان اتزانه أو إيمانه أو ثقته بالمعنى.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الصبر باعتباره أحد أهم شروط النضج الإنساني. فالطفولة النفسية تتجلى في الرغبة الدائمة في الإشباع الفوري، أما الرشد الوجودي فيبدأ حين يتعلم الإنسان كيف يؤجل رغباته، وكيف يحتمل الغموض، وكيف يواصل السير في الطريق دون يقين كامل بمآلاته. ولهذا فإن الصبر ليس مجرد فضيلة أخلاقية بين الفضائل، بل هو البنية الداخلية التي تستند إليها فضائل كثيرة؛ إذ لا علم بلا صبر، ولا إصلاح بلا صبر، ولا حب صادق بلا صبر، ولا مشروع حضاري أو روحي يمكن أن يكتمل دون صبر طويل.

وإذا تأملنا مفهوم الصبر وجدناه يتخذ صورا متعددة تعكس تنوع التجربة الإنسانية نفسها. فهناك الصبر على الابتلاءات والمصائب وما يصحبها من آلام وخسارات، وهناك الصبر على الطاعة والالتزام بما يقتضيه الواجب الأخلاقي والديني رغم ما فيه من مشقة، وهناك الصبر عن الشهوات والأهواء حين تدعو النفس إلى ما يفسد توازنها أو يبدد طاقتها الروحية. ولهذا لم ينظر الحكماء إلى الصبر بوصفه حالة عارضة، بل باعتباره مشروعا متكاملا لتربية الإرادة الإنسانية وتحريرها من الاستبداد الخفي للرغبات والانفعالات.

والصبر - من الناحية الفلسفية – يرتبط ارتباطا وثيقا بمشكلة الزمن. فالإنسان الذي يأسره منطق العجلة يريد أن يرى نتائج أفعاله فورا، وأن يزول ألمه في اللحظة نفسها التي يشعر بها، وأن تنكشف له الحكمة كاملة قبل اكتمال التجربة. أما الصبر فيعلم الإنسان أن للوجود إيقاعا خاصا لا يخضع دائما لعجلة البشر، وأن كثيرا من الحقائق لا تنضج إلا بمرور الزمن، وأن بعض الحكم لا تدرك إلا بعد اجتياز المحنة نفسها. ولهذا كان الصبر نوعا من المصالحة الواعية مع الزمن، وثقة بأن المعنى لا يتكشف دفعة واحدة، بل يتدرج في الظهور كما تتدرج الثمرة في النضج.

ولعل الحكمة الإلهية الكامنة في الصبر تتجلى في كونه الوسيلة التي ينتقل بها الإنسان من أسر الانفعال إلى رحابة البصيرة. فالنفوس في بداياتها تحاكم الأحداث من خلال ما تجلبه لها من لذة أو ألم، ربح أو خسارة، قرب أو بعد. أما الصبر فيدفع الإنسان إلى تجاوز هذه القراءة الجزئية نحو رؤية أعمق للوقائع، رؤية لا تتوقف عند ظاهر الحدث بل تحاول النفاذ إلى ما وراءه من دلالات ومعان. فالوقائع في ذاتها قد تكون متشابهة، لكن المعنى الذي يكتشفه الإنسان فيها هو الذي يحدد قيمتها في بناء شخصيته وتوجيه مسار حياته.

ومن هنا ارتبط الصبر في الرؤية الإيمانية بمفهوم الابتلاء. فالابتلاء ليس مقصودا لذاته، ولا الألم مطلوبا في ذاته، وإنما المقصود ما يمكن أن ينشأ عنهما من تهذيب للنفس، وتحرير للإرادة، وتوسيع لأفق الرؤية. ولعل من أعمق الحكم الكامنة في الابتلاء أنه يكشف للإنسان عن حقيقة نفسه أكثر مما تكشفها أوقات الرخاء؛ فالشدائد لا تخلق جوهر الإنسان بقدر ما تكشفه. وما يظهر في لحظات المحنة من ثبات أو ضعف أو سعة أفق أو ضيق رؤية إنما هو تعبير عن مكنونات كانت كامنة في النفس تنتظر ظرفا يزيح عنها الحجاب. فالذهب لا تظهر نقاوته إلا بعد تعرضه للنار، وكذلك النفس الإنسانية كثيرا ما تكتشف أعماقها وقدراتها الكامنة في أوقات الشدة أكثر مما تكتشفها في أوقات الرخاء.

وفي التجربة الصوفية يكتسب الصبر بعدا أكثر عمقا واتساعا. فالصبر عند أهل السلوك ليس مجرد احتمال للمحنة، بل مقام من مقامات الترقي الروحي. ولهذا تعددت تعريفات الصوفية له تبعا لاختلاف زوايا النظر إليه؛ فبعضهم رآه حبسا للنفس عن الجزع، وبعضهم نظر إليه بوصفه مجاهدة مستمرة للأهواء، وبعضهم جعله احتمالا للمكروه مع دوام التعلق بالحكمة الإلهية. غير أن هذه التعريفات جميعا تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن الصبر مدرسة لتزكية الإرادة وتحرير القلب من الاستسلام للانفعالات العابرة.

إنه انتقال من الانشغال بالفعل الإلهي إلى التأمل في الحكمة الإلهية، ومن النظر إلى البلاء بوصفه حدثا مؤلما إلى النظر إليه بوصفه فرصة للتزكية والمراجعة والتقرب. ولهذا كان الصبر عندهم مرتبطا بالمجاهدة؛ لأن النفس بطبعها تنفر من المشقة، وتتطلع إلى العاجل، وتضيق بالغموض، بينما يعلمها الصبر كيف تتحرر من أسر هذه النزعات لتبلغ درجة أعلى من الصفاء والسكينة. بل إنه يمثل في كثير من تجليات التجربة الصوفية حركة دائمة من التخلية والتحلية؛ تخلية النفس من السخط والجزع والاعتراض، وتحليتها بالثقة والسكينة وحسن الظن بالله.

غير أن الصبر في هذا المقام لا يعني إلغاء المشاعر الإنسانية أو إنكار الألم. فالإنسان الصابر قد يحزن ويتوجع ويبكي، لكنه لا يسمح للألم أن يتحول إلى قنوط، ولا للحزن أن يتحول إلى اعتراض على معنى الوجود. إنه يدرك أن المشاعر جزء من إنسانيته، لكنه يدرك أيضا أن الاستسلام لها ليس قدره المحتوم. ومن هنا كان الصبر نوعا من الحرية الداخلية التي تمكن الإنسان من الاحتفاظ بتوازنه الروحي مهما اضطرب العالم من حوله.

إن أعظم ما يمنحه الصبر للإنسان أنه يعيد ترتيب علاقته بذاته وبالعالم. فهو يحرره من وهم السيطرة المطلقة على مجريات الحياة، ويعلمه أن الكمال ليس في امتلاك كل شيء، بل في حسن التعامل مع ما يأتي وما يذهب. كما يوقظه إلى حقيقة أن كثيرا من معارك الإنسان ليست مع الخارج بقدر ما هي مع ذاته القلقة، ورغباته المستعجلة، ومخاوفه المتضخمة.

ومن هنا تتجلى فلسفة الارتقاء التي يشير إليها عنوان هذه المقالة. فالارتقاء الإنساني ليس صعودا في المكانة أو زيادة في المكاسب المادية فحسب، بل هو قبل ذلك ارتقاء في الوعي، واتساع في البصيرة، ونضج في العلاقة مع الذات والوجود. والصبر هو أحد أهم الجسور التي تعبر عليها النفس نحو هذا الارتقاء؛ لأنه يعلمها كيف تحول المحنة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والانتظار إلى مدرسة للحكمة.

ومع ذلك يبقى الصبر مرحلة من مراحل الارتقاء الروحي لا غايته النهائية؛ إذ إن الصابر ما زال يعيش حالة المجاهدة والمقاومة في مواجهة أعباء الحياة وتقلباتها. ومن رحم الصبر يولد مقام أعمق وأوسع، هو مقام التوكل؛ ذلك أن الإنسان كلما تمرس بالصبر أدرك حدود قدرته البشرية، وأيقن أن الأخذ بالأسباب - على ضرورته - لا يكفي وحده لضمان النتائج. وهنا ينتقل من مجرد احتمال الشدائد إلى الثقة بالله في خضمها، ومن الانشغال المفرط بالمآلات إلى السكينة الناشئة عن الاعتماد عليه مع استمرار السعي والعمل. ومن ثم كان الصبر تربية للإرادة في مواجهة الابتلاء، بينما كان التوكل تربية للقلب على الثقة بمن بيده تدبير الأمور كلها.

خلاصة القول: الصبر ليس مجرد خلق من الأخلاق، بل هو رؤية وجودية ومقام روحي وفعل معرفي في آن واحد. إنه القدرة على السكنى في زمن الابتلاء دون انهيار، وعلى مواصلة السير في الطريق دون استعجال، وعلى الثقة بالحكمة الإلهية دون تعطيل للإرادة الإنسانية. وإذا كان العمر هو ميدان التجربة، وكانت الآلام إحدى حقائقها الكبرى، فإن الصبر هو الفن الذي يحول تلك التجربة من مجرد تعاقب للأحداث إلى مسار للارتقاء الإنساني والروحي، ومن مجرد معاناة عابرة إلى حكمة باقية تنير الطريق للإنسان في رحلته نحو اكتماله الممكن.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم