قضايا
مصطفى دحماني: الشورى غير.. والديمقراطية غير
الديمقراطية.. المفهوم غير المرغوب فيه
القول بأن الديمقراطية كفر هو السمة البارزة لجماعات الإسلام السياسي، وهي الفكرة التي يتفقون على صحتها ويختلفون فقط في لغة القول ولهجة الخطاب في رفض الحل الديمقراطي، وقد يختلفون كذلك في مضمون الخطاب الذي يرفضون به النظام السياسي الديمقراطي. ولتفصيل القول أكثر، فإن هناك قطاع عريض من الإسلاميين يعلن صراحة وأمام الملأ (الرأي العام) عن رفضه التام لمفهوم الديمقراطية شكلا ومضمونا، وثمة قطاع أخر من نفس التيار يرى أن الفكرة الديمقراطية فكرة أوروبية/غربية/ رأسمالية ومصدرها مسيحي/يهودي، وبالتالي هي من الحلول المستوردة التي جنت على أمتنا كما جاء في أحد عناوين كتب الشيخ يوسف القرضاوي “ الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا “ وهناك عدد كبير من المفكرين السياسيين يعتبر الشورى هي النظام المميز الذي يليق بالدولة الإسلامية، أي أن الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر يعتبر الشورى هي النسخة الإسلامية للديمقراطية الغربية وهناك قطاع أخر من الإسلام الحزبي الإخواني وخاصة في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، حاول التوفيق حتى لا نقول التلفيق بين الشورى والديمقراطية. وجمع الكلمتين في لفظ واحد، الذي أفرز مفهوما أو مخلوقا مشوّهًا هو الشورقراطية. ما نخلص إليه أن الإسلاميين يرفضون حتى لا نقول يُكفرّون الديمقراطية وينتقدون الفكر الديمقراطي، مهما كانت الصيغة التي سوف تطبق بها، بل وينظرون إليها نظرة ريبة وشك، رغم أنهم لم يتواجدوا في ساحات السياسة العربية - على ضيق هذه الساحة - علنا ورسميا إلا بها ومن خلالها، وكانوا أكبر المستفيدين منها في عدد من الأقطار العربية، وحتى إن قبل بعض الإسلاميين الديمقراطية، فقد قبلوا اللعبة الديمقراطية على مضض وكتكتيك مرحلي في إطار إستراتيجية بعيدة بهدف الوصول إلى السلطة وإقامة دولة ثيوقراطية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يتوجَّس الإسلام السياسي خيفة من الديمقراطية، ويناصبون النظام الديمقراطي كل هذا العداء؟ والجواب هو من البساطة بمكان وهو أن مفهوم الديمقراطية، وما يعنيه من تعددية حزبية وحرية التعبير والرأي وما يعنيه من حقوق الإنسان وتداول السلطة والفصل بين السلطات القضائية، التشريعية والتنفيذية وما يدل عليه من حقوق مثل حق الإضراب وحق تكوين النقابات والجمعيات والهيئات ثقافية والفنية والعلمية وما يكرسه من صحافة حرة موضوعية ومستقلة ومفكرين أحرار ومبدأ المواطنة الذي يتجاوز الإنتماءات الدينية والعرقية والطائفية، يتناقض تماما مع خطاب الأصولية الدينية الذي يسعى لإقامة نظام سياسي ديني ودولة فاشية. نستنتج أن المسَّار الحقيقي للديمقراطية يسير في الاتجاه المعاكس لمشروع الدولة الثيوقراطية/ الدينية ولنظام الحكم الشمولي التوتاليتاري- totalitarisme- الذي يمارس الهيمنة والسيطرة، لأن الهدف الوحيد للأصولية الدينية، فهو العودة بالمجتمع إلى الوراء، إنه نظام الحاكمية الذي يحكم من خلال رجال الدين، وعندما يتحقق هذا النظام سوف يجثم على صدر المجتمع ويكتم أنفاس كل الفئات الإجتماعية والقوى الحية، ولا مكان فيه للكتاب والمثقفون، ولا مكانة فيه للفنانين ولا للنساء، وفيه أيضا يتم وأد الحياة الدستورية، كما يتم فيه سحق المجتمع المدني وقتل الأحزاب السياسية، وتجميد الجمعيات المدنية وحل النقابات المهنية ثم الشطب بجرة قلم على كل القوانين الوضعية وتطبيق “ القوانين الإلهية “ في هذا النظام كذلك لا صوت للمعارضة السياسية، ولا معنى للحياة السياسية الحزبية، ولا وجود للجمعيات المدنية، ولا حرية للكتاب الأحرار ولا أثر للصحافة المستقلة، ولا لمبدأ المواطنة، وبالتالي العودة لما يسمى في أدبيات الفقه السياسي بالرعية وأهل الحل والعقد والذمة والجزية. ولا وجود في هذا النظام القروسطي للدستور ولا معنى للإنتخابات ولا معنى للبرلمان. والشواهد على هذا النوع من حكم الإصولية الدينية تجسَّدت في عدد من جغرافية العالمين العربي والإسلامي في أفغانستان - طالبان وفي جمهورية الملالي في إيران وفي السودان عندما تحالف العسكر مع الإخوان واحتضن الجنرال عمر البشير مرشد الإخوان حسن الترابي، وقد حقق هذا التحالف “ انجازا عظيما “ هو تقسيم السودان ورميه في أتون الحرب الأهلية، أما أكبر شاهد اثبات على حكم “ الحاكمية “هو ما قامت به دولة “ داعش “ في سوريا والعراق، حيث تفننت في قطع الايدي والإرجل وسمل العيون وجذع الأنوف وجلد النساء. والحقيقة أن الإسلام السياسي والحركات الإسلامية، كما هو شأن كل الحركات الشمولية والفاشية الحديثة مثل النازية، الفاشيستية والستالينية والخمير الحمر، فإنها حركات بطبعها وفي طبيعتها لا ديمقراطية. وبناءً على التجارب التاريخية هنا وهناك، يمكننا القول أن الحركات السياسية الإسلامية حتى وإن قبلت بقواعد اللعبة الديمقراطية وبالنظام السياسي الليبرالي، وادعت تمسكها بالدستورو زعمت احترامها لقوانين الدولة الوطنية، فإنها تفعل ذلك، كما أشرنا في عدة مقالات ودراسات، كتكتيك مرحلي فقط، أما الهدف الاستراتيجي، فهو التربع على سدة الحكم ومن ثمة الإستيلاء على الدولة. وهكذا وباسم الديمقراطية وبواسطتها وعن طريق الانتخابات ساهمت الحركات الإسلامية وبالتحالف مع العسكر في اجهاض التجربة الديمقراطية في أكثر من بلد عربي.
الشورى.. أخلاق وليست سياسة
و يمكننا الكشف عن لا ديمقراطية جماعات الإسلام السياسي، من جوانب مختلفة وزوايا متعددة:
أولاً: الدستور الجزائري الذي كان ساري العمل به من سنة 1989 جتى سنة 1996، وبعد الإستفتاء والموافقة عليه بنسبة تفوق 70 % في شهر فيفري/شباط 1989 يؤكد في المادة 40: “.. حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به ولا يمكن التذرع بهذا الحق لضرب الحريات الأساسية والوحدة الوطنية والسلامة الترابية واستقلال البلاد وسيادة الشعب" والكل يعلم أن الأسلام السياسي ممثلا بالجبهة الإسلامية للإنقاذ قد خرقت هذه المادة الدستورية أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة.
ثانيًا: كما خرقت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الدستور وكل قوانين الجمهورية الجزائرية في أحداث جوان 1991 الدامية، ففي هذه الأحداث أو ما سُمِّيَ بالإضراب السياسي أو ما أطلقت عليه جبهة الإنقاذ اسم "العصيان المدني " رفع شعار " لا ميثاق لا دستور.. قال الله قال الرسول " ومعانى ودلالات الشعار تؤكد على نفي كل المضامين القانونية والتظيمية التي تقوم عليها الدولة الحديثة والركائز التي يمكن أن يستند إليها المجتمع، بالرغم من الدور الذي مثله هذا الأخير في التمكن لها. وفي أثناء الإنتخابات التشريعية في ديسمبر من عام 1991عُلقت يافطة كبيرة في أحد تجمعات الجبهة، كتب عليها " عليها نحيا وعليها نموت وفي سبيلها نقاتل وعليها نلقى الله" أي أننا سنعمل على إقامة الدولة الإسلامية وسنسعى الى هذا الهدف بمختلف الوسائل، عن طريق الإنتخابات أو من خلال ممارسة العنف والقيام بعمليات إرهابية وإعلان“ الجهاد “ ومقاتلة كل من يقف في طريق هذا المشروع المقدس” وهذا ما وقع قبل الإنتخابات التشريعية في 26 ديسمبر /كانون الأول.. 1991 وفي أحداث الهجوم على ثكنة عسكرية في مدينة قمار الحدودية مع ليبيا، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، كما عاشت الجزائر موجة من العنف السياسي غير مسبوقة في دولة ما بعد الإستقلال ودفعت ثمنا باهضا من الإرهاب الأعمى الذي مارسته الجماعات الإسلامية المسلحة من سنة 1991 حتى سنة 2001، خاصة بعد إلغاء نتائج الدور الأول من الإنتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
ثالثا: كذلك يمكن الكشف عن التناقض والتنافر بين الأصولية الدينية ونموذجها الأبرز جبهة الإنقاذ بإعتبارها حركة دينية متطرفة وحاملة مشروعا شموليا، راديكاليا وبين الديمقراطية التي تعني من بين ما تعنيه من حريات وحقوق، أولها حرية الإعتقاد. ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن هذا التنافر بين الأصولية الدينية وبين الديمقراطية، يلغي أي حديث عن المجتمع المدني في ظل دولة دينية. والجدير بالذكر إلغاء المجتمع المدني معناه ألغاء أهم مبدأ في الديمقراطية، ألا وهو الحرية الفكرية للأفراد، الحرية بمعناها الواسع والشامل، أي تحرر الفرد من كل قيد أو سلطة أو وصاية، تحد من تفكيره وتحجر على عقل المثقفين وتمنع الباحثين من الإبداع خارج سلطة النص المُعَّد سلفا، وتقمع المفكرين حتى من الإجتهاد داخل النص الديني.
رابعاً: كل التنظيمات الدينية والأحزاب الإسلامية.. وكل مكونات الإسلام السياسي- وأشدد على لفظة كل – لا تمارس الديمقراطية فيما بينها، ولا بين صفوفها، ولن ننسى أن بناؤها التنظيمي شبه العسكري، أي هرمي، تراتبي يعتمد على السمع والطاعة وتنفيذ الأوامر الآتية من فوق، دون مناقشة أو التفكير، كما أن بعض الجماعات السياسية الدينية لم تتأسس عن طريق مؤتمر أو جمعية عامة، وأكبر دليل على ذلك هو حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ.، وهو الحزب الذي اكتسح الإنتخابات التشريعية في يوم 26/12/1991.. وكان بذلك على قال قوسين أو أدنى من إستلام السلطة، وهو لم يعقد مؤتمراً تأسيسيا يخرج بقيادة منتخبة وشرعية وموحدة، وخطاب سياسي واضح خالٍ من الغموض والضبابية.
خامسًاً: ً نتأكد من معاداة الإسلام السياسي للنظام الديمقراطي، من خلال تصريحات الشيوخ وخطابات الدعاة وكتابات المفكرين، ولنأخذ نموذجا على ذلك ماقاله الشيخ على بن حاج نائب رئيس جبهة الإنقاذ، بأنه سيطأ بأقدامه قوانين الجمهورية، إذا كانت ستقف في وجه المشروع الإسلامي، وسيعلن عن الجهاد إذا اقتضى الأمر- واعلان الجهاد معناه ممارسة الإرهاب، كما قال الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ المنحلة بصريح العبارة ما يلي :.. " كلمة ديمقراطية.. كلمة كفر.. الديمقراطية تقوم على سيادة الشعب، معنى ذلك أن الشعب هو الذي يحكم، وفي كتاب الله من الحاكم؟ سبحان الخالق...فكيف تكون السادة للشعب ؟...ليس في الإسلام ديمقراطية.. والإسلام فيه شورى فقط والشورى لها ضوابطها...نحن لا نحترم إلا قوانين الله.. " أما مؤسس جماعة الإخوان الشيخ محفوظ نحناح في الجزائر التي تحولت الى حزب سياسي باسم حركة حماس(حركة مجتمع السلم) فقد هضم بعسر مفهوم الديمقراطية وقبل على مضض متطلباتها، ثم قام بنحت مفهوم غريب وملتبس هو الشورقراطية، محاولاً بذلك التوفيق – أو بالأحرى التلفيق – بين مبدأ الشورى التي هي في حقلها التداولي مبدأ أخلاقي أي تدخل في إطار مكارم الإخلاق، وليست مفهوما سياسيا، ولم تكن أبدً أسلوباً لنظام الحكم.، ولا تجسدت في مؤسسة سياسية. ولا يمكن مقارنتها بأي شكل من الأشكال بمفهوم سياسي معاصر هو الديمقراطية.
و بناءً عليه سنضطر للوقوف عند مفهوم الشورى، بعد أن كشفنا عن الطابع الشمولي واللاديمقراطي للحركات السياسية الإسلامية. والنتيجة هي رفض الديمقراطية وإجهاض التجربة الديمقراطية في أكثر من بلد عربي أجل النتيجة المنطقية هي رفض الديمقراطية والبحث عما يوازيها في التراث العربي الإسلامي، بمعنى أخر إن خطاب الأصولية /السلفية التي تتحكم فيها مرجعية تراثية، تحتم عليها القول بالشورى بدل الديمقراطية.، فلا غرو أن يكتب الإسلاميون الكثير عن مفهوم الشورى، وأنه البديل الحقيقي والأصيل لمفهوم الديمقراطية.. الوافد علينا من الغرب الأوروبي. أما الشورى كمبدأ فهي نابعة من ذاتنا ومن ديننا وجزء لا يتجزأ من تراثنا.، وبالتالي هي من أصول الحكم في الإسلام. وبناءاً على ذلك حدد الخطاب السياسي الديني المعاصر، مفهوم الشورى بأنه التشاور بين المسلمين في إنتخاب الخليفة وفي شؤون الحياة، وفي شؤون الحكم في دولة الإسلام. ولا شك أن المقارنة بين الشورى والديمقراطية وتفضيل الأولى على الثانية والتأكيد على إسلامية الشورى وعلى المصدر الغربي /المسيحي للديمقراطية يخفي وراءه إحساسا بالنقص الذيسرعان ما ينقلب إلى إحساس وهمي بالعظمة، ويندرج كذلك ضمن آلية من آليات الخطاب الديني المعاصر وهيىلية التفكير بالأسبقية، أي أننا سبقنا الغرب في الديمقراطية وفي حقوق الإنسان وفي العلوم والقانون، ويندرج أيضا في إطار، التأكيد على الذات والإحتماء بالأخر أي بالتراث الإسلامي وخوفا من الأخر أي من الغرب المسيحي. بعبارة أخرى، القول بالشورى هو آلية من آليات الدفاع عن الذات.هذا من جانب، ومن جانب أخر، فإن مبدأ الشورى حتى وإن أخذناه بالمعنى السياسي وحملنَّاه مقولات ومفاهيم معاصرة، فإنه لم يطبق حتى في أزهى العصر الذهبي للإسلام، ولم يطبق حتى في عصر الخلفاء الراشدين،. ولقد كتب شهيد الفكر حسين مروة عن الوضع التشريعي لهذا المبدأ ".. ليس في النصوص الأصول (القران والسنة) ما يقضي بإعتبار الشورى مبدأ تشريعيا صريحا، أي بإعتباره جزءا من الشريعة الإسلامية يجب إلتزامه كشأن التشريعات الواجبة الإتباع في النظم الإسلامية...فإن أظهر نص قرآني ورد بهذا الشأن هو :".. وأمرهم شورى بينهم (من سورة الشورى آية38).. إن هذا النص لا يدل على على تشريعية المبدأ لأنه لم يرد في سياق التشريع في الآية، بل ورد خلال وصف أخلاقية المؤمنين وسلوكيتهم وهو -أي المبدأ- يخلو من الدلالة على كونه خاصا بنظام الحكم.. ولو أنه كان يحمل هذه الدلالة لكان من المستبعد أن يجري اختيار الخليفة على نحو ما جرى في اختيار الخلفاء الراشدين من اللجوء إلى اعتبارات بعضها يرجع إلى مواقف ذاتية وبعضها إلى نوع من الشورى الفوقية التي حصرت أهل الشورى في أشخاص معدودين كان معروف سلفا- أنهم لن يتفقوا على الأكثر كفاءة فيهم لمنصب الخلافة، لما كان بينهم من خصومات سياسية ومن مواقف ترجع من جهة إلى طموح كل منهم الى المنصب وترجع الى إتفاق الأكثرية سلفا على إبعاد علي بن أبي طالب عن قيادة دولة الخلافة، إذن مبدأ الشورى المستفاد من النص القرآني السابق، مبدأ عام ومطلق غير محدد، فليس من شأنه أن يعتبر، ذا وضع تشريعي يقرر الطابع الخاص بنظام الحكم في الإسلام.. " (النزعات المادية ص 398) والسؤال الذي يطرح نفسه – وهو سؤال بالغ الأهمية- هو لماذا انقلبت الخلافة الى ملك عضوض ونظام حكم وراثي فُرِض فرضا على الأمة، إذا كان مبدأ الشورى هو المبدأ المطبق أنذاك في ممارسة شؤون الحكم؟ وثمة ملاحظة – ونحن بصدد مناقشة مبدأ الشورى – وهي أنه منذ أربعة عشر قرنا، لم ينصب حاكم واحد بطريقة تشاورية سليمة، ولم يجر انتقال السلطة من طرف الى طرف أخر بطريقة سليمة وبدون اراقة الدماء. وتأكيدا للفكرة عينها، وهي أن الشورى، مهما حملناها من الدلالات تبقى مجرد صفة أخلاقية حميدة، يكتب المفكر محمد عابد الجابري في كتابه وجهة -نحو اعادة بناء الفكر العربي المعاصر قائلاً: ".. وإذا غضضنا الطرف الآن عن هذا النوع من الممارسة الإيديولوجية وبحثنا في ملامح الصورة التي ترتسم في ذهن المفكر داخل المرجعية التراثية عندما يضع الشورى كموازن للديمقراطية وكبديل أفضل لجميع أواع الحكم، لا نجد لديه سوى نوع من الممارسة للحكم يُجّسمه سلوك الخليفة عمر بن الخطاب كما ترويه كتب التراث، وهو سلوك يجمع بين الإستبداد والعدل. ومن هنا كان الحاكم النموذجي والأمثل، من المنظور الذي يتأطر داخل المرجعية التراثية، وهو ذلك الذي يمارسه مستبد عادل. وإذن فالشورى، في مضمونها التراثي العربي الإسلامي لا تقوم بديلا عن الإستبداد مطلقا بل فقط عن نوع من الاستبداد هو ذلك الذي يمارسه الحاكم الظالم.. الاستبداد الذي يترتب عنه ظلم، والحاكم يتفادي الظلم ويتجنبه – عندما تكون له رغبة في ذلك، أي عندما يهديه الله سواء السبيل – بإعتماد المشورة أو الشورى التي تعني أهل الحل والعقد من الفقهاء والعلماء وأكابر القوم قبل الإقدام على أي عمل. والمشورة أو الشورى بهذا المعنى لا تلزم الحاكم.إنه يستشير، ولكن القرار في نهاية الأمر له وحده، ووحده فقط، سواء كان القرار عملاً بما أشار به أهل الشورى أو عملاً بخلافه...و هكذا تبقى الشورى في الإسلام من باب النصيحة، من باب فضائل الحكم وليست قط من باب الفروض والواجبات... " (الجابري- وجهة نظر، ص 118) ولهذا الشورى غير.. والديمقراطية غير كما عنون الأستاذ محمد عابد الجابري في إحدى مقالاته. وما يقال عن الشورى بأنه المبدأ الذي سبق يمقراطية الغرب، يقال عن مفاهيم أخرى في مجالات أخرى، بالحدة نفسها أو أكثر، وأبلغ مثال على ذلك هو تلك الظاهرة المنتشرة جداً بين شيوخ ودعاة الأصولية الدينية، وأعني بها ظاهرة الربط بين حقائق العلم المعاصر والنص القرآني، أو بالأحرى التأكيد على أسبقية هذه الحقائق كما كان يفعل مصطفى محمود في برنامجه الشهير “ العلم والإيمان “. وهكذا فكل المفاهيم والنظريات التي انتجتها العلوم الطبيعية وا إنسانية سبقها القرآن منذ قرون.. وبالتالي فإن كل تشابه في المعنى أو اللفظ بين مفهوم أو كلمة معاصرة مع كل ما تحمله هذه المصطلحات أو تلك من حمولات علمية معقدة، وبين عبارات وألفاظ القرآن، فإن هذا دليل على وجودها في القرآن وعلى أسبقيته في هذا العلم أو ذاك، وبرهان على معجزة القرآن وعظمة الإسلام !!
***
مصطفى دحماني
باحث في الفكر السياسي الإسلامي/الجزائر







