عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

حميد القحطاني: أزمة التفعيل.. حين تعجز الأفكار عن صناعة الواقع

ثمة مفارقة مؤلمة تطوي تاريخ الفكر العربي الحديث كله، وهي أن أكثر القضايا التي استنزفت طاقة المفكرين تحليلا وتفسيرا هي بالضبط أكثرها عقما على صعيد الإنجاز. منذ ما يزيد على قرن لم يتوقف سؤال التأخر الحضاري عن استدعاء العقول واستهلاك الأقلام، تعاقبت في إثره المشاريع الإصلاحية وتنوعت التفسيرات حتى باتت أزمة النهضة من أكثر المسائل تشخيصا في تاريخ الفكر الحديث. غير أن كثافة التشخيص لم تُفض الى كثافة مماثلة في الإنجاز وهذا وحده كاف ليكون مشكلة مستقلة تستحق التأمل قبل أن يُستأنف الحديث عن النهضة من جديد.

إن المعضلة الحقيقية لم تكن يوما نقصا في الأفكار بل كانت عجزا مزمنا عن تحويل المعرفة النظرية إلى قدرة فعلية على التغيير. نجح الفكر الإصلاحي في وصف المرض وصفا دقيقا أحيانا ومبهرا لكنه تعثّر في بناء الآليات القادرة على نقل الأفكار من فضاء التنظير المريح إلى فضاء الممارسة المضني. ولذلك ظل سؤال شكيب أرسلان - لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ - يدور في حلقات متكررة لأنه صِيغَ سؤالا فلسفيا مفتوحا أكثر مما صِيغَ مشروعا هندسيا يبحث في أدوات التنفيذ وشروط النجاح. والفلسفة التي لا تُفضي إلى فعل تنتهي إلى ترف فكري يُريح أصحابه من مسؤولية التغيير بل يمنحهم إحساسا زائفا بأنهم قد أدوا ما عليهم لأنهم قالوا ما ينبغي قوله. وثمة اعتراف لا بد منه هنا: هذه المقالة نفسها ابنة الثقافة التي تنقدها، وربما كان هذا الوعي بالقصور هو نقطة البدء الوحيدة الصادقة إذ لا ينفع اصلاح من لا يرى نفسه داخل ما يُصلحه.

أحد أبرز مآزق أدبيات النهضة يتمثل في تصورها الخطي للتغيير ذلك الوهم الذي يجعل من الإصلاح مسارا متعاقبا. انشغل الإصلاحيون طويلا بسؤال البداية: هل يبدأ الإصلاح من الأخلاق أم من السياسة؟ غير أن هذا الجدل أخفى حقيقة أكثر تعقيدا وهي أن العلاقة بين المجالين ليست علاقة تعاقب بل علاقة تفاعل دائري لا ينتهي. فالاستبداد ينتج أنماطا سلوكية فاسدة كما تنتج السلوكيات الفاسدة أنظمة استبدادية تُعيد انتاج ذاتها جيلا بعد جيل. وفرض مؤسسات سياسية حديثة فوق مجتمع لم تتشكل فيه ثقافة المواطنة قد يُحوّل الديمقراطية نفسها إلى أداة لإعادة إنتاج العصبيات داخل أطر قانونية توهم بالشرعية وتُفرغ المحتوى. وكان كانط بصيرا حين رأى أن المشكلة ليست في افتراض صلاح البشر بل في بناء مؤسسات تجعل حتى أصحاب المصالح الأنانية مضطرين إلى التصرف بما يخدم الصالح العام، وهو معنى يتقاطع مع ابن خلدون الذي اعتبر الظلم مُؤذِنا بخراب البنى كلها. فالنهضة منظومة متوازية تتشابك فيها البنى الاجتماعية والمؤسساتية والثقافية كما تتشابك جذور شجرة لا ينمو أحدها إلا بامتصاص غذائه من سائر الجذور.

في سياق تفسير هذا التعثّر يبرز تشخيصان يتكاملان ولا يتعارضان. الأول يقدمه مالك بن نبي الذي يتحدث عن فقدان الفاعلية الحضارية داخل التديّن نفسه، فالمشكلة عنده ليست غياب العقيدة بل تحوّلها من قوة دافعة لتغيير الواقع إلى طقوس منفصلة عن الفعل الاجتماعي، من إسلام رسالة حضارية باعثة إلى حضور شعائري كثيف لا يُفرز طاقة تغيير. وهذا نقد للعلاقة المرضية بالدين لا للدين ذاته تلك العلاقة التي تجعله مخدّرا للوعي لا محرّضا له. أما علي الوردي فيضيف البعد الاجتماعي إذ يرى أن المجتمع يعيش صراعا بين منظومتين متنافرتين: قيم مدنية تُتبنّى في الخطاب وقيم عشائرية تُوجّه السلوك العملي فينشأ انفصام مزمن يمتدح فيه الفرد القانون علنا ويلجأ إلى الواسطة في الخفاء. وكان الوردي مُصيبا حين أكد أن الأخلاق ليست نتاج الخطب بقدر ما هي انعكاس للبيئة والنظم التي يعيش الناس في إطارها.

يبدو العراق المعاصر نموذجا مكثّفا لهذا المأزق لا لأنه استثناء بل لأنه مرآة مكبِّرة. فبدلا من أن تسير عملية تمدين الريف ضمن مشروع دولة حديثة، حدث ما يشبه ترييف المدن ومؤسساتها. وتغلغلت البنى العشائرية والطائفية داخل أجهزة الدولة حتى أصبحت العشيرة جزءا عضويا من آليات توزيع النفوذ لا بديلا مؤقتا عن الدولة. والأخطر أن النخب باتت تستخدم الدين والروابط التقليدية أدوات للتعبئة والنفوذ فتتحول الأزمة من أزمة أفكار إلى أزمة بنية اجتماعية اكتفت بتحديث واجهاتها الخارجية بينما ظل نظامها القيمي العميق محكوما بمنطق ما قبل المدنية.

غير أن رد هذا الإخفاق الى المؤامرات أو الأفراد تفسير ناقص لا يُريح إلا من يبحث عن العزاء لا عن الحقيقة. المشكلة الأعمق هي غياب المأسسة. فالفكر العربي في أغلب تجاربه ظل فكر أفراد لا فكر مؤسسات: تظهر الأفكار مع أصحابها وتخبو برحيلهم وتتحول إلى نصوص محنّطة تُعبد ولا تُستثمر، وبينما حوّلت المجتمعات الناجحة أفكارها إلى شبكات ومؤسسات وقواعد عمل تتراكم عبر الأجيال بقيت مشاريعنا النهضوية رهينة الشخصيات الملهِمة التي لا تُورِث ذاكرتها ولا تُنتج عقلا جمعيا يتجاوز أصحابها. والنهضة المبنية على عباقرة فرادى نهضة هشة لأن التاريخ لا يُنتج العباقرة بالطلب، أما المؤسسات الحية فهي التي تصنع البيئة التي تتكاثر فيها الكفاءات وتتراكم الحكمة الجمعية عبر الأجيال.

الإجابة الحقيقية لا تبدأ من خطابات أخلاقية إضافية بل من بناء سياسات تُغيّر الحوافز التي تحكم السلوك اليومي. فالنزاهة لا تنتشر بالموعظة بل حين ترتفع تكلفة الفساد ويُكافأ السلوك المنتج بانتظام لا باستثناء. وتبقى ثمة مفارقة عسيرة: الإصلاح يحتاج إلى دولة بينما الدولة نفسها قد تكون جزءا من الأزمة. ولذلك يغدو الحل الأكثر واقعية هو بناء ما يمكن تسميته الجزر المؤسسية، تلك المساحات المحدودة من الكفاءة والاستقلالية داخل المجتمع سواء كانت هيئات رقابية أو نقابات مهنية أو إدارات محلية نزيهة أو مؤسسات تعليمية نموذجية. هذه الجزر لا تُغيّر الواقع الكبير دفعة واحدة لكنها تراكم ثقافة مختلفة في الإدارة والعمل والعلاقة بالقانون. والجزيرة المؤسسية ليست هروبا من الواقع الثقيل إلى ملاذ صغير مريح، بل هي استراتيجية التراكم الصبور: أن تبني ما تستطيع الآن بالكفاءة المتاحة الآن، على يقين أن البنى الصغيرة الصلبة تمتلك من قدرة التمدد ما لا تمتلكه الأحلام الكبيرة المعلّقة في فضاء التجريد.

ولا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية مع الاستمرار في استهلاك منتجات الحداثة ورفض أسسها العقلية. فكما أشار الجابري الحداثة لا تبدأ باستيراد الآلة بل بتبني العقلانية التي صنعتها تلك العقلانية التي ليست قيمة غربية خالصة بل شرط موضوعي لكل حضارة تريد أن تُنتج لا أن تستهلك فحسب. ويبقى التعليم المجال الأكثر حسما في هذا كله، لأن المجتمعات تصنع مستقبلها في المدارس لا في البرلمانات. والتعليم المطلوب ليس تعليم الحفظ الذي يُملأ فيه الرأس ويُفرّغ منه العقل بل التعليم الذي يُدرِّب على التساؤل والنقد والعمل المؤسسي لأن القدرة على التفكير المستقل هي التي تصنع تلك الطليعة الواعية القادرة على قيادة التحول التاريخي، تلك التي لا تنتظر زعيما ملهِما ينقذها بل تُنتج زعماءها ومؤسساتها من رحم تجربتها المتراكمة الصبورة.

لم تعد أزمة التأخر الحضاري أزمة أفكار بقدر ما أصبحت أزمة تفعيل. لقد استُهلك السؤال القديم حتى كاد يفقد جدواه وتراكمت الإجابات فوق رفوف المكتبات دون أثر في الواقع المعاش. فالحضارات لا تولد من ومضة فكرية ولا من خطبة ملهِمة بل من تراكم طويل صبور لمؤسسات فعالة وقوانين عادلة وثقافة عمل تحترم الكفاءة وتُحاسب الإخلال. والفارق الجوهري بين الأمم التي نهضت وتلك التي ظلت تتأمل نهضتها هو فارق واحد: أن الأولى حوّلت القيم إلى مؤسسات والأفكار إلى قواعد عمل والجهود الفردية إلى شبكات مستدامة تتجاوز أعمار أصحابها. وهذا الأفق لا يُبلَغ بالتمني ولا يكفي فيه الوعي ما لم يتحول إلى إرادة ولا إرادة ما لم تتحول إلى بناء. وبناء هذا المستقبل لن يبدأ في قاعات الخطابة بل في تلك اللحظة الهادئة حين يقرر إنسان واحد في مؤسسة واحدة في زاوية واحدة من هذا العالم أن يفعل ما يقول، لا أكثر من ذلك ولا أقل.

***

حميد القحطاني