عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد البطّاط: إرهاب التنوير!

لقد مثّلت حركة التنوير الغربية تعبيراً مركزياً ضمن إفرازات الحداثة يهدف الى إعادة موضعة العقل الانساني رفضاً لسياق هيمنة التفكير الديني المسيحي، إذ تم عبر هذه الموضعة الجديدة النظر الى العقل  على أنه المحدّد الوحيد القادر على الوقوف في تضاريس الحقيقة، وإكتنازها، في قالب أحاي أراد أن يلغي كل المرجعيات الأخرى التي كانت تسوّق إمتلاكها للحقيقة ضمن سردية العقل المتماشي مع غيره، ومن هنا عبّر التنوير عن النظر إلى العقل بوصفه مركزاً لغيره، لا هامشاً يسير في قطبية الغير، والملفت في الأمر أن التجربة الحداثية الغربية في تعبيرها التنويري أعادت إنتاج إشكالية جديدة فيما يتعلق بالإرهاب، أو لنقل فيما يتعلق بدعوى إمتلاك الحقيقة، وإحتكار تأويلها إبّان التعامل مع الآخر المختلف.

وتكمن الإشكالية الجديدة الناجمة عن مركزية العقل التنويري في كونها في الوقت الي أرادت فيه شجب المرجعية الكنسية القائمة على سردية ما ورائية غير قابلة للإثبات عقلاً، ومن ثم نجم عنها العنف والترهيب والإقصاء، فإنها قامت بنفس الأمر، وإن بطريقة مختلفة، فإذا كان الفكر الكنسي يُقصي الآخر بذريعة ممانعة ومعارضة ما يؤمن به الاخر مع المعتقد الديني، ومن ثم الوقوع في طائلة التعرض الى اللعن والطرد من الرحمة الإلهية، والدخول في الهرطقة المستحقة لكل الويلات والثبور، فإن تجربة الأنوار أماطت اللثام على نوع جديد من الإقصاء، ولكل تحت ذريعة مغايرة، ألا وهي إلصاق التهم الجاهزة من قبيل تهمة الجهل، وعدم إحترام حرية التفكير النقدي، ومعارضة العلم والفكر النقدي البنّاء!

نفس الإرهاب نتج عن مسارين فكريين متمايزين، لأن الإرهاب والتطرف والإقصاء نتاج النظر الاختزالية للحقيقة مهما تسربلت بلباس، ومهما تلفعت بزيّ، وإذا كان الفكر الديني يُنتج إرهاباً خطيراً لكونه يعتمد السردية الماروائية التي يصعب إثباتها لإنتمائها الى حيز الغيبيات، فإن الفكر التنويري يُنتج إرهاباً تحت يافطة الفكر النقدي، والنزوع العلموي، ورد كل نقدٍ سليم تحت ذريعة أنه فكر آيديولوجي يرفض القبول بمسلمات العقل ومخرجاته المطلقة!

وهذا الأمر، أعني إعادة ترسيم (المطلق) في التجارب الانسانية ليست بالأمر اليسير كما يُخال، فمن يتابع تأريخ هذه التجارب يُلاحظ أن سمة الإطلاق لم تغادرها على طول خط المنتج الفكري إلا مع بعض التيارات الفكرية الشاذة التي يقف على عتبتها تيار السفسطة في اليونان في المرحلة ما قبل السقراطية، وإلا فإن الكثير من التيارات التي يُعتقد انها ترفض الإطلاق في فكرها وسلوكها قامت بإعادة ترسيم معالم هذا الإطلاق بصيغ شتى، وعلى سبيل المثال عندما تقول ما الحداثة، على سبيل المثال، وهي من أبرز من وقف على الضفة الأخرى من الإطلاق، كانت النسبية واللاثبات المعلم البارز لها، (أن كل شيء نسبي وغير ثابت، وأن اللايقين هو الثبات الوحيد)، فهي هنا تعطي سمة إطلاقية مستترة أو مضمرة في نسقها الفكري، إذ انها منحت الإطلاق اللاثبات، وللنسبية، وهذا يعني أن الإطلاق بقي موجوداً على الرغم من دعوى مناهضته، وهكذا...

وعوداً على الإرهاب التنويري يمكن القول أن قد شهد التاريخ الفكري الحديث صعوداً لتيارات التنوير والحداثة كبدائل حتمية للوصاية التقليدية، رافعةً شعارات العقل والحرية وقبول الآخر كأركان أساسية لمشروعها التحرري، ومع ذلك، يكشف التحليل الفلسفي والاجتماعي المعاصر عن مفارقة حادة، وسياق حرج؛ ألا وهو تحول التنوير في بعض تجلياته التطبيقية إلى أداة سلطوية تمارس إقصاءً منظماً وضغطاً معنوياً ضد المخالفين، إذ تلجأ بعض النخب الحداثية إلى تبرير منهجها عبر آلية من (الإرهاب الفكري التنويري) ومصادرة الآراء والحقوق تحت ذريعة حماية العقلانية وتأمين مسيرة التقدم، في الوقت ذاته الذي تعيب فيه على الخطابات الدينية انغلاقها وضيقها بالآخر.

وربما يمكن القول أن جذور هذه الإشكالية تمتد إلى ما عبّر عنه فيلسوفا مدرسة فرانكفورت ماكس هوركهايمر (1895-1973م) وثيودور أدورنو (1903-1969م) في أطروحتهما النقدية حول (جدل التنوير)، عندما أوضحا أن العقل التنويري حينما يُعزل عن سياقه الإنساني والأخلاقي يتحول إلى (عقل أداتي) يسعى للهيمنة والسيطرة، ليصبح معياراً حداً لتصنيف البشر بين (عقلاني حداثي) أو (جاهل متخلف)، وهو تصنيف ينزع الشرعية المعرفية والأخلاقية عن المخالف ويبرر قمع رأيه بدعوى أنه يهدد الوعي العام.

وخلاصة القول أفترض ان الإرهاب الفكري مثلما يمكن أن يأتي إلينا من شيخٍ سلفي عتيق ما زال يعيش الحاضر بكل تعقيداته بعقلية الماضي بكل ملابساته، كذلك يمكن أن يأتينا من نخبوي حداثي حذف الإله من قاموسه ليضع مكانه إلهاً آخراً تحت مسمى العقل التنويري!

***

د. محمد هاشم البطّاط