قضايا
حاتم حميد محسن: حين يشيد الفيلسوف بوقت الفراغ بدلا من العمل؟
يمتدح الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (1872-1970) في مقال رائع له عام 1935 حالة الفراغ والكسل التي يعيشها الفرد، فهو يرى ان "حجما كبيرا من الأذى يحصل في العالم الحديث بسبب الايمان بفضيلة العمل، وان الطريق الى السعادة والازدهار يكمن في تقليل منظّم للعمل".
يكتب رسل "لقد أعاقت ثقافة الكفاءة قدرتنا على المرح واللهو" . الشخص الحديث يعتقد ان كل شيء يجب ان يتم لأجل شيء آخر وليس لأجله هو. بكلمة أخرى، الإنتاجية هي النجم المرشد لنا. نحن نعمل أشياءً لنحصل على أشياء. نحن نادرا ما نوجّه طاقاتنا الفكرية لفعل أي شيء لمجرد فعله. طبقا لذلك، يرى رسل ان وسائل الترفيه أصبحت الى حد ما بلا معنى: المتعة في المجتمعات الحضرية أصبحت في الغالب سلبية، الناس تراقب دور السينما، تشاهد مباراة كرة القدم، تستمع للراديو وهكذا.
هذا ينتج من حقيقة ان الطاقة النشطة للمجتمعات مكرّسة بالكامل للعمل، لو كان لديهم المزيد من وقت الفراغ لإستمتعوا مرة أخرى بالاشياء التي انخرطوا فيها بنشاط. لننظر، على سبيل المثال، ماذا سيحدث لو اضطر الناس للعمل فقط أربع ساعات يوميا. في مثل هذا العالم، يقول رسل:
كل شخص لديه فضول علمي سيكون قادرا على الانغماس فيه، وكل رسام سيكون قادرا على الرسم دون ان يتضور من الجوع، مهما كان مقدار الجمال في لوحاته. هكذا عالم قد يبدو حلما طوباويا، لكن رسل يعتقد ان الطرق الحديثة للإنتاج يمكن ان تمنح المزيد من وقت الفراغ للجميع. نحن اخترنا بدلا من ذلك مسارا آخر: تشديد التركيز على قيمة وفضيلة وضرورة العمل.
قيمة العمل الشاق
لا أحد يحب الشخص الكسول، لا أحد يحب شخصا لا يساهم في الخير العام. ومع ان التصنيع كان هاما وثمينا في سياقات معينة، لكن رسل يعتقد اننا يجب ان نهتم ليس في تمجيد العمل على حساب كل الأشياء الأخرى. هناك طرق أخرى لنكون أناسا، فكرة الفضيلة في العمل هي حكاية تُروى منذ القدم. يجب ان ننظر في منْ يستفيد من ذلك العمل. اذا كان معظم الناس يعتقدون ان أخلاقية عمل الشخص تشير الى قيمة الشخص ككائن بشري، اذن منْ الذي يستفيد؟ حسب رسل، انها كانت دائما قصة ملائمة لاؤلئك أصحاب السلطة. العمال يتم تحفيزهم على التزام الصمت وتجنب المشاكل اثناء تأدية العمل، الأثرياء على مدى آلاف السنين نادوا بكرامة العمل، بينما حرصوا ليبقوا هم ذاتهم غير كرماء في هذا الصدد. الارستقراطيون على مر التاريخ أمضوا الشطر الأكبر من حياتهم في الفراغ معتمدين على عمل الآخرين. الطبقة المترفة تمتعت بميزات لم يكن لها أساس في العدالة الاجتماعية، هذا الامر جعلها بالضرورة قمعية، وفقدت تعاطفها فاخترعت نظريات تبرر بها امتيازاتها. لكن رغم اللاعدالة في امتيازاتها، ورغم عدم بذل جهد كبير، يدّعي رسل ان الطبقة المترفة مع ذلك "ساهمت تقريبا بكل ما نسميه حضارة".
انها رعت الفنون واكتشفت العلوم، كتبت الكتب، اخترعت الفلسفات، وصقلت العلاقات الاجتماعية. حتى تحرير المضطهدين عادة ما يتم تدشينه من الأعلى.
والأكثر أهمية، ان رسل يقترح ان هذا ليس بسبب ان الارستقراطية كانت نوعا ما أفضل واكثر تنويرا من العمال، وانما لأن الطبقة الارستقراطية كانت تستطيع التمتع بأوقات الفراغ : الفراغ ضروري للحضارة، وفي الأوقات السابقة كان الفراغ للقلة ممكنا فقط بواسطة عمل الكثرة. لكن عملهم كان ثمينا، ليس لأن العمل جيدا وانما لأن الفراغ جيد. كان على الكثيرين ان يعملوا بلا كلل لأنتاج التسلية للقلة، لكن اليوم، الطرق الحديثة للإنتاج تعني ان بإمكان أي شخص الحصول على الكثير من وقت الفراغ. بكلمة أخرى، لدينا الفرصة لخلق طبقة مرفهة بدون ان ترافقها لامساواة اجتماعية. طبقة مرفهة تضم كل شخص.
ولسوء الحظ، كما لاحظنا، يرى رسل ان المجتمع اختار طريقا آخر. بينما كان بإمكاننا تحقيق توزيع اكثر عدلا لوقت فراغ للجميع، فقد تبنّينا بدلا من ذلك دافع الربح لمضاعفة قيمة العمل.
فرص عمل للبعض، لا فراغ لأحد
لكي يوضح سخافة الموقف، يدعونا رسل ان نتصور سيناريو يتعلق بصناعة الدبابيس. افرض ان الحاجة العالمية من الدبابيس يمكن تلبيتها من جانب العمال في الصناعة فقط بعمل ثمان ساعات يوميا، لو ان شخصا ما يخترع أداة تضاعف الفاعلية الانتاجية لكل عامل. ماذا سيحدث؟ "في عالم معقول"، يجيب رسل، "كل شخص مشارك بصناعة الدبابيس سوف يعمل أربع ساعات يوميا بدلا من ثمان، وكل شيء سيسير كما في السابق. لكن في العالم الواقعي.. لايزال العمال يعملون ثمان ساعات، هناك الكثير من الدبابيس، بعض أرباب العمل يعلنون افلاسهم، ونصف الرجال المشاركين سابقا بصناعة الدبابيس يُلقى بهم خارج العمل. بدلا من إعطاء كل شخص الكثير من وقت الفراغ، نحن نُبقي بعض الناس في العمل ولا نعطي للآخرين وقت فراغ، الاّ بطالة بوقت كامل. في النهاية، هناك نفس القدر من وقت الفراغ كما هو الحال في الشكل الآخر، لكن نصف العمال عاطلون تماما عن العمل بينما النصف الاخر لايزالون يعملون فوق طاقتهم. بهذه الطريقة، يتسبب وقت الفراغ الذي لا مفر منه في بؤس الجميع بدلا من ان يكون مصدرا عالميا للسعادة. هل يمكن تخيل شيء أكثر جنونا من هذا؟
الأوقات تغيرت، لكن الاخلاق الأساسية لم تتغير: حياة العمال تتمتع بالكرامة وتُبرر وتصبح ذات معنى فقط من خلال العمل. هل يمكن ان نتصور عالما فيه المزيد من الفراغ للجميع؟
يقول رسل في عالم كثير الفراغ، يصبح السباق على "النجاحات" المادية أقل أهمية. الناس سيكونون قادرين على بذل المزيد من الطاقة في مساعيهم الفنية والفكرية والاجتماعية. الناس ربما يكونون أكثر رقة تجاه بعضهم: الرجال والنساء العاديين الذين لديهم الفرصة لحياة سعيدة سيكونون أكثر تعاطفا وأقل ميلا للنظر بريبة الى الاخرين .. حُسن الخلق هو من بين جميع الصفات الأخلاقية، صفة يحتاجها العالم أكثر، وحسن الخلق هو نتيجة السهولة والأمن، وليس نتيجة الكفاح الشاق.
الكثير من الفراغ يُعد امرا حاسما ليس فقط لسعادتنا الفردية وانما لمستقبل الإنسانية أجمع. بدون فراغ، سيصبح المواطنون وبشكل متزايد متخصصين في صناعاتهم الخاصة، يفقدون القدرة على التخيل المطلوب لتقدّم المجتمع. منْ يقدّم الأفكار والقيم ، والفلسفات الجديدة اذا كان هدف البشرية هو فقط تسلّق سلّم العمل؟ اذا كانت الغالبية العظمى منّا تركز كل طاقاتها على العمل، بأيدي منْ سيُترك المستقبل؟
في مقاله (مديح الكسل) يقدم رسل القليل من الإرشاد العملي للحلول، والكثير من التحدي لقيمنا السائدة. بدلا من التأييد الضمني للعمل باعتباره هادف وأكثر فائدة، وطريقة مرضية لقضاء الوقت، ينبغي علينا جميعا ان نبدأ التساؤل عن ماهي الغاية لأجل الإنسانية. يختتم رسل مقالته:
الطرق الحديثة للإنتاج أعطتنا إمكانية الراحة والأمان للجميع، نحن اخترنا بدلا من ذلك خلق الإرهاق للبعض والمجاعة للآخرين. حتى الآن لقد حافظنا على نفس مستوى النشاط الذي كنا عليه قبل وجود الآلات، بهذا نحن كنا حمقى، لكن لا سبب للاستمرار بالحماقة الى الأبد.
***
حاتم حميد محسن







