عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

نبيل عيدو: الضوء والظل في الفكر العربي

عندما نتأمل في حال الفكر العربي المعاصر نجد أننا نبصر العالم بعيون مستعارة، تأتي نتيجة ارتهاننا لرؤية إدراكية صُنعت في مختبرات الغرب الفلسفية لتناسب سياقاً تاريخياً واجتماعياً لا يشبه سياقنا في شيء. مما جعل المفكر العربي يقف في منطقة الظل المعرفي، يراقب كيف تسطع الأسئلة الغربية في سمائنا بينما تظل أسئلتنا الجوهرية قيد العتمة والإهمال.

إن ما نحتاجه اليوم هو جرأة في إعادة توزيع الضوء داخل وعينا الفلسفي، وهذا لا يعني بالضرورة القطيعة مع المنجز الإنساني العالمي، وإنما يتطلب الانتقال من حالة الانعكاس التي نكتفي فيها بترديد أصداء النظريات، إلى حالة التوليد التي تجعل من واقعنا العربي الملموس هو المختبر الأول لإنتاج المفاهيم. في التراث العربي الكامن خلف ركام التاريخ، توجد طاقة بيانية هائلة تمنح اللغة قدرة عجيبة على توليد المعاني من جذورها الحية، وهي ميزة تجعل الفكر العربي قادراً على صياغة علاقة فريدة بين اللفظ والمعنى وبين العقل والوجود، بشكل يتجاوز المأزق الذي وصلت إليه الفلسفات الغربية الحديثة التي انتهت إلى تفكيك كل شيء حتى فقدت القدرة على الإمساك بجوهر الإنسان.

إن التفكير الضوئي يطرح علينا ضرورة الانتباه إلى الإزاحة التي تمارسها المناهج المستوردة على واقعنا، فحين نطبق نظرية غربية جاهزة على مجتمع عربي، نحن نقوم قسراً بإزاحة مركز الضوء عن مناطق الألم والاحتياج الحقيقي في الواقع العربي، لنسلطه على قضايا فرعية تخدم بنية النظرية والبيئة التي نشأت بها. الميزة الكبرى التي يمتلكها تراثنا، والتي يجب أن نستعيدها فوراً، هي مفهوم الحكمة بوصفه إطارًا يربط بين المعرفة والقيمة، بحيث لا تُفصل الحقيقة عن غاياتها الأخلاقية.  فبينما ساد في الغرب في العلم الأداتي الذي أنتج قوة بلا روح وتكنولوجيا بلا بوصلة، يظل العقل العربي قادراً على تقديم نموذج "المعرفة النافعة" التي تربط الحقيقة بالقيمة، وتجعل من التفكير فعلاً أخلاقياً يهدف إلى إصلاح الوجود الإنساني وتناغمه مع الفطرة الأولى، تلك الفطرة التي تمثل نظام التشغيل القبلي الذي يسبق كل تجربة، ويحمي الإنسان من الوقوع في فخ العدمية أو التيه الوجودي الذي تعاني منه المجتمعات الحديثة اليوم.

نحن نريد أن نكتب فلسفة تستخدم طاقة الماضي لتنير ممرات المستقبل، وهذا يتطلب منا أن نتوقف عن معاملة التراث كـأرشيف ميت أو نصوص للحفظ، لنبدأ في معاملته كـحقل إمكانات مفتوح لا يزال يخبئ في طياته حلولاً لأزمات الإنسان المعاصر. إن الانتقال من عتمة الإمكان إلى سطوع التحقق يبدأ عندما ندرك أن قوتنا تكمن في خصوصيتنا الإبستمولوجية التي تجعل منا شركاء في تشكيل أسئلة الوجود الكبرى، لا مجرد تلاميذ يرفعون أيديهم طلباً للإذن بالكلام في قاعة الدرس الكبرى التي يديرها الآخرون.

إن المعضلة الكبرى التي تواجه العقل العربي المعاصر تكمن في ذلك الخلل البنيوي في نقطة التوصيل التي تربط الفكر بالواقع، فنحن نمتلك تراثاً زاخراً بالطاقات البيانية والقيم الأخلاقية، لكننا حوّلناه إلى حالة شعورية مغلفة بالحنين وبعيدة كل البعد عن مختبرات الفعل اليومي. إن المأزق الذي جعل الغرب يسود رغم أزماته الوجودية هو أنه نجح في تحويل أفكاره المشوشة إلى فيزياء اجتماعية ومؤسسات وقوانين وتقنيات تتحرك بشكل آلي، بينما ظل الفكر العربي يدور حول المركز في حلقات مفرغة، يعيد إنتاج الأسئلة ذاتها دون أن يعمل على تحويل الحكمة إلى نظام تشغيل يحكم المعاملات والصناعة وإدارة الوجود المادي.

إن حالة "السطوع حد العمى" التي نعيشها حين نستورد النظريات الغربية تجعلنا نغفل عن حقيقة أن الفكر تحركه مصالح وصراعات قوى وشركات رأسمالية وبنى اجتماعية صلبة، وهو ما أسقطه الفكر العربي من حساباته حين غرق في التجريد الفلسفي وابتعد عن سوسيولوجيا الواقع. إننا بحاجة إلى "إزاحة ضوئية" تعيد الاعتبار للإنسان العربي ليس كمتلقٍ للأوامر المعرفية، بل كفاعل يمتلك القدرة على عجن التراث في صلب التحولات المعاصرة، فلا يكفي أن نتغنى بشمولية البيان أو بمركزية الأخلاق في علومنا القديمة، بل يجب أن نتساءل عن الكيفية التي يمكن بها لهذه المفاهيم أن تعيد صياغة العقد الاجتماعي، وأن توفر شبكة أمان نفسية ووجودية تحمي الفرد من الفردانية المتطرفة التي تمزق المجتمعات الحديثة.

إن التفكير الضوئي يفرض علينا كسر "عتمة الإمكان" عبر شجاعة النقد الذاتي، والاعتراف بأننا حوّلنا "الفطرة" من طاقة انفتاح وتناغم مع الوجود إلى جدار من الانغلاق عن التجربة، وحوّلنا "الحكمة" من بوصلة للفعل إلى مجرد نصوص تُحفظ لتزيين المجالس. إن الخروج من حالة التبعية إلى حالة الإنتاج يتطلب منا أن نوجد ذلك تلك الأدوات الإجرائية التي تنقل الفلسفة من الأوراق إلى الشوارع، ومن بطون الكتب إلى قوانين المؤسسات، لنثبت أن التراث العربي يمتلك زمنه النفسي الخاص الذي يحرر الإنسان من استعباد الزمن الآلي. وفي هذا السياق يمكن فهم مفهوم الزمن بوصفه امتدادًا لبنية الإدراك نفسها؛ إذ يتجلى ما يمكن تسميته بالزمن الآلي الغربي باعتباره زمنًا خطيًا صارمًا يُقاس بالإنجاز والعمل وفق منطق “الوقت هو المال”، حيث يُختزل الإنسان في وحدات إنتاج قابلة للقياس. في المقابل، يفتح الزمن النفسي العربي أفقًا لزمنٍ أكثر مرونة يرتبط بالمعنى والسياق، لا بالقياس الميكانيكي وحده، بما يسمح بإعادة وصل الفعل الإنساني بدلالته الأخلاقية وليس بمجرد مدته الوقتية.

 الفلسفة العربية التي تبدأ في توليد ضيائها الخاص من خلال الاشتباك الحقيقي مع تفاصيل الألم والآمال المحلية، حيث يصبح المعنى طاقة محركة للشعوب، وتصبح القيم مرجعاً للتشريع، وتتحول اللغة من وعاء للبلاغة الجوفاء إلى محرك للنهضة الشاملة. عندها فقط، يمكن للفكر العربي أن يخرج من قاعة الانتظار التاريخية ليشارك في صياغة مستقبل البشرية، وذلك عبر تقديم نموذج وجودي يجمع بين سطوع العقل وطمأنينة الروح.

***

الكاتب نبيل عيدو