عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

نبيل عيدو: تقديس السؤال في الفلسفة.. أين المشكلة؟

في البديهيات المعرفية، يُفترض أن السؤال هو الجسر الذي نعبره نحو ضفة الإجابة، أو الكشاف الذي يزيح عتمة المجهول. لكن في أروقة الفلسفة المعاصرة، حدث انزياح ملحوظ؛ إذ استحال السؤال من أداة للاستكشاف إلى غاية قائمة بذاتها في بعض الخطابات. قرأت قبل عدة أيام مقالًا في صحيفة المثقف يمجّد السؤال ويبرره لذاته. ولا أخفي عليكم أنني كثيرًا ما كنت سابقًا أتباهى بعشقي للسؤال واعتباره دليلًا على فكر عميق أتمتع به. هنا يبرز عشق السؤال كظاهرة إشكالية، حيث يُطرح السؤال بهدف "التنكيش" في ركام المنظومات السابقة، ووضع اليقين التاريخي على محك الهز، دون التزام واضح بتقديم بديل معرفي متماسك. وهذا ما يجعل عملية الهز هي الغاية. إن الفيلسوف الذي يتبنى تأليه السؤال ينطلق من بديهية متناقضة: فهو يشكك في كل المبادئ إلا في قدسية سؤاله، ويرفض كل المسلمات إلا مسلمة أن الحقيقة غائبة بالضرورة. هذا الاستعلاء المنهجي يحول الفلسفة إلى رياضة ذهنية قد تصبح تخريبية؛ فالسؤال هنا لا يهدف إلى البناء، بقدر ما يهدف إلى زعزعة الاستقرار المعرفي دون تحديد أفق بديل. إنهم يعشقون السؤال الذي لا إجابة له، ويدّعون أن اللا جواب هو أرقى مراتب الوعي، بينما هو في الحقيقة قد يكون هروبًا من المسؤولية الأخلاقية والمنطقية التي تفرضها الإجابة. فكل إجابة هي التزام، وكل سؤال مفتوح قد يتحول إلى سيولة تعفي السائل من تقديم البديل.

بتطبيق "التفكير الضوئي"، نكتشف أن هذا المسار يعاني من "عتمة الغاية". الضوء الفلسفي هنا مسلط فقط على الآخر (المنظومات السابقة) لكشف عيوبها، بينما يظل السؤال نفسه ومشروعيته أو هدفه غير المفحوص قابعًا في العتمة، وبعيدًا عن أي نقد ذاتي. الفيلسوف الذي يقدس السؤال لذاته قد يمارس نمطًا من العدمية المنهجية؛ فهو يثقب قاع السفينة (المنظومات الاجتماعية والفكرية السابقة) بدعوى استكشاف ماهية الماء، دون أن يدرك أن الغرق هو الثمن. إن تحويل العقل إلى مطحنة للأسئلة دون نتاج معرفي صلب يؤدي إلى التيه المعرفي، حيث يُطرد اليقين لصالح شك لا ينتهي، ويُصنّف البحث عن الحقيقة كنوع من السذاجة الفكرية. هذا النمط من الفكر يرى في المنظومة تقييدًا للفكر الحر، وفي الإجابة نهاية للإبداع، ولذلك يفضل البقاء في المنطقة الرمادية بدل الانتقال إلى صياغات أكثر دقة.

لكن الحقيقة التي يجب استرداد ضوئها هي أن السؤال الذي ينفصل عن غاية الوصول يتحول من كشاف للضوء إلى آلة لتدمير المنجزات البشرية. إن القدرة التخريبية عند عشاق السؤال والتي تتباهى بصناعة الأسئلة لا تخدم الحقيقة، لأنها تطبق الشك بشكل انتقائي وتتجاهله في مواضع أخرى. هي ببساطة تخدم الأنا المتضخمة للمثقف الذي يريد أن يبقى سيدًا للهدم دون وازع للبناء. إن استعادة توازن العقل تقتضي الاعتراف بأن الإجابة القابلة للفحص والتصحيح هي غاية مرحلية ضرورية، وأن السؤال وسيلة شريفة لا تكتمل كرامتها إلا بالوصول. وليس غاية في حد ذاته يتم السعي إليها بهدف إنتاج أسئلة بلا أجوبة. السؤال الحقيقي هو الذي يمتلك شجاعة التوقف أمام الحقيقة عندما تلوح، وهو الذي يحترم التراكمات اليقينية للبشرية، بدل أن يهزأ منها، لأن التجربة الفكرية ليست بالضرورة تصاعدية خطية، ومن يقبع في مرحلة وعي مختلفة ليس بالضرورة ساذجًا أو متخلفًا؛ فقد تكون الحركة المعرفية نفسها قد أعادت إنتاج أسئلة سبق تجاوزها.

لقد حان الوقت لإعادة ضبط الفلسفة التي تعشق الحيرة، لتتجه نحو فكر يرى في الإجابة محطة ضرورية، وفي العقل أداة لصناعة المعنى، لا لصناعة الفراغ تحت غطاء "عشق السؤال.

***

الكاتب نبيل عيدو