عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ليلى تبّاني: جدلية الهوية والتفاعل الحضاري في ظل التواجد الروماني

من يوبا الثاني إلى أوغسطين

يُعدّ التواجد الروماني في شمال إفريقيا من أكثر القضايا التاريخية إثارة للجدل، إذ يطرح إشكالية فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة هذا الحضور، ما إن كان احتلالا واغتصابا للأرض، أم تعميرا حضاريا يمكن الاعتزاز به؟ وتتفرّع عن هذه الإشكالية تساؤلات أكثر تعقيدا حين نتناول شخصيات عاشت في ظلّ هذا الواقع، مثل الفيلسوف أوغسطين ويوبا الثاني، حيث يبدو الحكم عليها متأرجحا بين التبعية والإبداع، وبين الخيانة والمرونة. فكيف يمكن فهم هذه الظواهر دون الوقوع في أحكام تبسيطية؟

هناك من يرى أن التواجد الروماني لم يكن سوى شكل من أشكال الاحتلال الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية بالقوة، حيث خضعت شعوب المنطقة لسلطة أجنبية، وتم توجيه خيرات الأرض لخدمة المركز الإمبراطوري، كما فُرضت أنماط ثقافية ولغوية غريبة عن السكان الأصليين. ومن هذا المنظور، فإن الآثار الرومانية لا تعكس ازدهارا محليا بقدر ما تمثّل شاهدا على الهيمنة، كما أن الشخصيات التي برزت في تلك المرحلة، ومن بينها أوغسطين، يمكن اعتبارها امتداد لهذا النفوذ الثقافي، خاصة وأنه كتب باللاتينية وتأثر بالفلسفة الرومانية. أما يوبا الثاني، فيُنظر إليه هنا كحاكم نشأ في كنف روما وعاد ليحكم تحت سلطتها، مما يجعله في نظر هذا الاتجاه أقرب إلى الخضوع السياسي منه إلى الاستقلال، بل وقد يصل الحكم إلى اعتباره خيانة للانتماء المحلي، وهاك من اعتبرها خيانة لعهد والده يوبا الاول الذي قتل وهو يذود عن ارضه .

غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يعكس الصورة الكاملة، إذ يذهب اتجاه ثان إلى أن التواجد الروماني حمل معه مظاهر تعمير حضاري لا يمكن إنكارها، تمثلت في بناء المدن، وتنظيم الإدارة، وإدخال قوانين وهياكل ساهمت في تطوير الحياة العامة، وربطت المنطقة بمجال حضاري أوسع. ووفق هذا التصور، فإن الآثار الرومانية تعد تراثا إنسانيا عالميا يمكن الاعتزاز به، لا بوصفه تعبيرا عن الخضوع، بل باعتباره دليلا على انخراط هذه الأرض في مسار حضاري متنوع. وفي هذا السياق، يُنظر إلى أوغسطين كابن لهذه الأرض استطاع أن ينتج فكرا إنسانيا عميقا تجاوز حدود زمانه ومكانه، بينما يُفهم يوبا الثاني كشخصية سياسية مثقفة سعت إلى تحقيق التوازن بين الانتماء المحلي والواقع الدولي، فعمل على تطوير مملكته وجعل من عاصمته موريطانيا قيصرية مركزا للإشعاع الثقافي.

غير أن الحقيقة الفلسفية لا تكمن في الانحياز المطلق لأي من هذين الموقفين، بل في تجاوزهما نحو رؤية تركيبية أكثر عمقا، ذلك أن التواجد الروماني كان في بدايته احتلالا قائما على القوة، لكنه مع مرور الزمن تحول إلى فضاء تفاعل حضاري معقد، امتزجت فيه العناصر المحلية بالوافدة، فنتجت عنه أشكال جديدة من الثقافة والفكر. وفي هذا الإطار، لا يمكن اختزال أوغسطين في كونه مجرد تابع لروما، ولا يوبا الثاني في كونه خائنا أو أداة، بل ينبغي فهمهما كنموذجين للإنسان الذي يتحرك داخل شروط تاريخية محددة، فيُبدع ضمنها ويعيد تشكيلها. فأوغسطين يجسد التفاعل الفكري العميق الذي يجعل من الهوية بناء مفتوحا، ويوبا الثاني يمثل الذكاء السياسي الذي يحوّل التبعية إلى مجال للفعل والتأثير بدل الاستسلام السلبي.

وعليه، فإن قراءة هذه المرحلة من التاريخ تقتضي تجاوز الأحكام الأخلاقية المبسطة، نحو فهم نقدي يعترف بأن التاريخ ليس صراعا ثنائيا بين خير وشر، بل هو شبكة معقدة من العلاقات والتفاعلات. ومن ثم، فإننا لا نعتز بالاحتلال في حد ذاته، لكننا لا ننكر ما خلّفه من آثار أصبحت جزءا من ذاكرتنا، ولا نرفض شخصيات نشأت في ظله، بل نفهمها في سياقها، حيث تتحول المرونة إلى قوة، والتفاعل إلى إبداع، وبذلك نبني وعيا تاريخيا متوازنا يدرك أن الهوية ليست نقية ولا جامدة، بل هي حصيلة تراكمات متعددة صنعت ما نحن عليه اليوم.

***

ليلى تبّاني - الجزائر