عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

فضل فقيه: توماس كون.. العلم ومعضلة التقدم

إن مفهوم التقدم يشكل إحدى المعضلات الفكرية التي شغلت بال البشر منذ قرون. وقد اختلف الفلاسفة والعلماء على تحديد مفهوم التقدم العلمي والفكري: ما ماهيته؟ وكيف يمكن قياسه، هذا إن كان أصلا قابلا للقياس؟ إذا كان التقدم مسارا تصاعديا، هل سنصل يوما للحقيقة المطلقة؟ هل سنتمكن من الإجابة على كل سؤال يمكن طرحه؟ أم ان التقدم يعني فقط استخراج أجوبة للأسئلة الحملحة في زمن معين؟ أجوبة ستعيد فتح الباب لطروحات وأسئلة أخرى، فنبقى ندور في حلقة مفرغة من أسئلة وأجوبة لا تنتهي. ويزداد هذا الجدل تعقيدًا حين نقارن العلم بحقول أخرى.  هناك من يرى أن العلم هو محرك التقدم الفعلي القادر على انتاج أجوبة تراكمية قابلة للتحقق، بينما تبقى مجالات أخرى كالفلسفة والفن حبيسة الأسئلة الكبرى ذاتها لقرون. لماذا يبدو العلم "يتقدم" بطريقة لا نجدها بنفس الوضوح في الفن والفلسفة؟ يرى المؤرخ والفيلسوف الأمريكي توماس كون في كتابه "بنية الثورات العلمية" أن مصدر قوة العلم هو ليس العقلانية المطلقة بل نظام يخلق إجماعاً عبر نموذج ارشادي عملي أو ما سماه بالبارادايم يحدد الأسئلة المقبولة ومعايير حلها. إن هذا البارادايم لا يضمن حقيقة نهائية، لكنه يصنع محرك التقدم عبر العلم العادي وهو سيكون موضوعنا في هذا المقال.

ماذا يعني البارادايم عند كون؟

يتقدم العلم، حسب كون، عبر العلم العادي داخل بارادايم. البارادايم في هذه الحالة هو الإطار الذي يزود العلماء بأمثلة معيارية، ومعايير قبول للحلول، وأدوات ومفاهيم تحدد: ما المشكلة العلمية الجيدة؟ وما الذي يعدّ حلًا مقنعًا؟ يلجأ العالم لإثبات نظريته إلى القياسات التي يراها "المجتمع العلمي" صحيحة وكافية ضمن بارادايم يعملون فيه. كأن يد البارادايم الخفية تدير العلم من بعيد وتحدد الأطر التي يعمل بها العلماء.

داخل البارادايم، يقول كون أن العلماء يمارسون العلم العادي. العلم العادي هو حل الألغاز ضمن الأطر الموضوعة والمدارة من يد البارادايم الخفية. هذا يجعل التقدم تراكميا ومحليا داخل البارادايم: دقة القياس تتحسن، التقنيات تتطور، وتُحلّ ألغاز أكثر فأكثر وفق نفس القواعد. يتابع العلم العادي تقدمه إلى أن يواجه شذوذات. يكون حل هذه الشذوذات يتناقض مع المعايير الأساسية للبارادايم، أو أن المعايير ذاتها لا تقدر أن تحل هذه الشذوذات. في كلتا الحالتين، تبرز الحاجة المستعجلة لإيجاد بارادايم جديد يتعامل مع المشاكل الحالية. فتحدث ثورة علمية ويبزغ فجر برادايم جديد يعود فيه العلماء إلى العلم العادي، وتستمر هذه الحلقة.

لكن كل هذا لا يعني أن العلم غير قادر على الحصول على أجوبة. أثبت العلم ومنهجه التجريبي فعالية كبيرة في الحصول على الأجوبة. والأمثلة لا تعد ولا تحصى من حيث الهندسة والتكنولوجيا، إلى فهم الأنظمة الحية على تنوعها.

أحد أفضل الأمثلة على مقترح كون هو فيزياء نيوتن. في فيزياء نيوتن كان البارادايم يفترض زمناً ومكاناً مطلقين وأن الجاذبية قوة، لذلك كان “التقدّم” يتمثل في حل ألغاز داخل هذا الإطار مثل حساب مدارات الكواكب وتحسين دقة التنبؤات. لكن حين ظهرت شذوذات مُحرِجة كعدم تفسير انحراف مدار عطارد تفسيراً كاملاً. بدأت أزمة ثقة في قدرة البارادايم على توليد حلول مرضية. عندها جاءت النسبية العامة كثورة أعادت تعريف الجاذبية بوصفها انحناء الزمكان بدل كونها قوة، أي أنها لم تُصلح تفصيلاً صغيراً بل غيّرت المفاهيم والمعايير التي تُعدّ “تفسيراً صحيحاً” من الأساس.

المشاكل والثورات العلمية

تظهر خلال فترة العلم العادي داخل البارادايم مشاكل ومعضلات لا يستطيع العلماء ذاتهم حلها ضمن الأطر الموضوع في المجال العلمي المحدد. وتوضع المشاكل والشذوذ جانبا حيث تفسر كخطأ قياس، أو تؤجل، أو تدمج مؤقتا. هذه ليست "لا عقلانية"، بل شرط إنتاجية العلم العادي. مع تراكم الشذوذات، تقل قدرة البارادايم على توليد ألغاز قابلة للحل وتتشكل أزمة. تصبح عندها الحاجة إلى بارادايم جديد وثورة علمية حاجة ملحة.

الثورة العلمية هي ليست مجرد إضافة حقائق، بل إعادة تنظيم المفاهيم والمعايير. يطرح باراديام جديد قائم على أطر ونماذج جديد قادرة على حل المشكلات التي كانت شذوذا. وغالبا ما تؤدي الثورة العلمية إلى اتساع نطاق التفسير ونجاح تقني وتنبؤي أكبر. إذا فالثورة العلمية تخلق مناخا جديدا لممارسة العلم العادي عبر توفير أطر ومعايير جديدة. إلا أنها ليس بالضرورة، حسب كون، أن تمثل اقترابا خطيا نحو حقيقة مطلقة، بل تتمكن من تغيير أسلوبنا في التفكير وحل المعضلات داخل البارادايم الجديد. أما الأخير فسيأتي يوم ويواجه الشذوذات والمشاكل ويتم تغييره. وبذلك تستمر دورة العلم.

لماذا يبدو العلم مختلفا عن الفلسفة والفن؟

كما قلنا أعلاه أن العلم يتقدم لأنه يمتلك معايير مشتركة وتدريب وألغاز متفق عليها. كل هذا يؤدي إلى انتاج معرفي تراكمي داخل الإطار. أما الفلسفة فهي في خلاف دائم حول الأسس والمعايير، لذا لا يوجد علم عادي فلسفي مستقر بنفس الصورة. ففي الفلسفة مدارس عدة تدرس المشكلة ذاتها عبر استخدام أدوات مختلفة. هذا ما يجعل تقديم حل نهائي للمعضلة أمرا صعبا. أضف إلى ذلك أن الفلاسفة يستعملون طرق مختلفة عن العلماء للوصول إلى الحقيقة كالاستدلال المنطقي لا الاختبارات التجريبية. مشكلة الادراك هي احدى الأمثلة عن المشاكل التي دأبت الفلسفة على محاولة حلها لسنوات. ويقول نعوم تشومسكي أن مشكلة الإدراك تفتقد لتشكيل سؤال واضع ووضع أطر محددة ليقدر أي أحد على حلها. فالجميع يحاول حل المشكلة بدون تشخيص حقيقي. أما للعلم التجريبي، تشكل مشكلة الوعي واحدة من أهم الشذوذات التي تعصف اليوم في بارادايم علم الأعصاب، والتي تحتاج لثورة قد بدأت تحصل في طريقة التعامل مع المشكلة.

ما نذكره هنا هو ليس ادانة للعلم والفلسفة والفن، بل اظهار للاختلاف في وظيفة كل مجال وطريقة التعامل مع المعضلات.

في الختام، يطرح توماس كون نموذجا مميزا لتفسير التقدم العلمي عبر العمل داخل الباراديم المتفق على معاييره وطرقه بين العلماء. في حين يؤمن العلم العادي التقدم التراكمي. وهنا تظهر الاختلافات بين العلم ولافلسفة والفن في طريقة الإجابة على الأسئلة وحل المشاكل العالقة.

***

فضل فقيه – باحث

.....................

قراءات إضافية:

Kuhn, T. S. The Structure of Scientific Revolutions. 4th edition (University of Chicago Press, Chicago, 2012).