قضايا

محمد الزموري: هابرماس.. ضمير الديمقراطية وعقلها النقدي

توفي يورغن هابرماس، أحد أبرز أعلام الفلسفة والنظرية الاجتماعية المعاصرة، في 14 مارس 2026 عن عمر يناهز 96 عامًا. وليس من السهل تلخيص مسيرة شخصية بهذا الوزن الفكري في بضعة أسطر.

برحيل يورغن هابرماس، لا يفقد العالم مجرد فيلسوف بارز، بل يخسر أحد أكثر العقول التي سعت بإصرار إلى فهم شروط العيش المشترك في عالم معقّد ومضطرب. لقد كان حضوره الفكري، الممتد لأكثر من سبعين عامًا، شاهدًا حيًا على قدرة الفلسفة على أن تكون فاعلة، لا متأملة فقط، وأن تتدخل في صلب الواقع لا أن تكتفي بوصفه.

لم يكن هابرماس مفكرًا عاديًا ضمن تقاليد الفلسفة الألمانية؛ بل كان صوتًا عالميًا أعاد صياغة العلاقة بين العقل والمجتمع، بين النظرية والممارسة. أعماله، التي عبرت حدود اللغات والثقافات، لم تكن مجرد إنتاج أكاديمي غزير، بل مشروعًا فكريًا متكاملًا يسعى إلى إعادة بناء أسس العقلانية في زمن الشك.

والمثير في مسيرته أنه لم يكتفِ بإنجاز مبكر يخلّد اسمه، كما يفعل كثيرون، بل ظلّ حتى سنواته الأخيرة في حالة يقظة فكرية دائمة، يكتب، يحاور، ويناقش، وكأن الزمن لم يكن قادرًا على إبطاء اندفاعه نحو التفكير.

تكوّن وعي هابرماس السياسي في لحظة تاريخية حاسمة: ما بعد الحرب العالمية الثانية. لم تكن تلك التجربة مجرد سياق زمني، بل كانت صدمة وجودية كشفت له هشاشة الإنسان حين يفقد بوصلته الأخلاقية. متابعته لمحاكمات نورمبرغ لم تكن حدثًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية أدرك فيها أن الديمقراطية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية.

من هنا، لم تكن الديمقراطية بالنسبة له مجرد نظام حكم، بل أفقًا إنسانيًا، مشروعًا مفتوحًا يتطلب يقظة مستمرة. لقد أصبحت الديموقراطية "الكلمة السحرية" التي تنظّم فكره، والخيط الذي يربط بين كل أعماله.

لم يتعامل هابرماس مع الديمقراطية كحقيقة منجزة، بل كعملية مستمرة تتطلب النقد والمراجعة. فقد أدرك مبكرًا أن بناء مؤسسات ديمقراطية لا يعني بالضرورة تحقيق حياة ديمقراطية فعلية، وأن الخطر يكمن في الفجوة بين الشكل والمضمون.

كان يرى أن الديمقراطية تفقد معناها حين تتحول إلى واجهة شكلية، أو حين تُختزل في آليات انتخابية فارغة من روح المشاركة. لذلك، دعا إلى نموذج أعمق: ديمقراطية تشاركية تداولية، يكون فيها المواطن فاعلًا لا مجرد متلقٍ، وشريكًا في صنع القرار لا شاهدًا عليه.

من أكثر انتقاداته حدّة ذلك التداخل المتزايد بين السياسة ومنطق السوق. فقد حذّر من "ذوبان السياسة" في حسابات المصالح الاقتصادية، حيث تتحول القرارات إلى صفقات، وتُستبدل الشفافية بالتسويات الخفية.

في مواجهة ذلك، طرح رؤية تقوم على تمكين المواطنين من أدوات حقيقية للمساءلة والتأثير، وعلى إعادة الاعتبار للنقاش العمومي كفضاء للعقل، لا كساحة للصراع بين القوى. كان يؤمن بأن الحل لا يكمن في الانسحاب من السياسة، بل في تعميقها.

ما يميز هابرماس أنه لم يحصر نفسه في الأبراج الأكاديمية، بل انخرط في النقاشات العامة، واعتبر أن الفيلسوف لا يكتمل دوره إلا حين يشارك في الفضاء العمومي. لقد جمع بين صرامة المفكر والتزام المواطن، بين التحليل النظري والحضور العملي.

ساهم فكره في تشكيل اللغة السياسية الحديثة، ليس فقط في ألمانيا، بل في أوروبا عمومًا، حيث ترك بصمة واضحة على الخطاب الديمقراطي، وإن ظل تأثيره العملي أقل مما كان يُؤمل.

ولم يكن تكريمه بجائزة "أمير أستورياس" مجرد اعتراف بإنجازاته، بل إقرارًا بدوره في إبقاء التفكير النقدي حيًا في زمن يميل إلى التبسيط والاختزال. فقد ظل وفيًا لفكرة أن الفلسفة ليست تقديم إجابات جاهزة، بل فتح أسئلة ضرورية.

لقد ساهم في فهم تعقيدات مجتمعات الرأسمالية المتأخرة، وفي تحليل تحولات العالم المعولم، مقدمًا أدوات فكرية تساعدنا على التفكير في الحاضر دون أن نستسلم له.

وفي النهاية، لم يكن هابرماس مجرد منظّر للديمقراطية، بل كان تجسيدًا لها. في إيمانه بالحوار، في دفاعه عن العقل، وفي التزامه بالمجال العام. لقد أثبت أن الفكر يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المسؤولية، وأن الفلسفة يمكن أن تكون فعل مقاومة هادئة في عالم يميل إلى الضجيج.

رحل هابرماس، لكن الأسئلة التي طرحها ما تزال مفتوحة حول الديموقراطية والعدالة ومستقبل العالم، تلك هي الأسئلة التي تجعل حضوره مستمرًا، حتى في غيابه.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

في المثقف اليوم