قضايا
سامح مرقس: الجوهر العقلاني للانسان
يعتقد البعض أن الإنسان ظاهرة روحية وأخلاقية، دون تقدير كافٍ للجوهر العقلاني الذي ميز الإنسان العاقل (Homo sapiens) عن جميع الكائنات الحية الأخرى، والذي أوصله إلى قمة شجرة التطور ليصبح مهيمناً على كوكب الأرض، ناشراً تأثيراته الإيجابية والسلبية بنفس النشاط.
تطور الإنسان العاقل من الإنسان المنتصب مع زيادة في حجم المخ نتيجة لاكتشاف النار، واستهلاك كميات كبيرة من اللحوم المطبوخة التي كان مذاقها أفضل وأسهل في الهضم مقارنة باللحوم النيئة.
أصبح الإنسان قادراً على التفكير المجرد والابتكار وتخيّل سيناريوهات غير موجودة في الواقع. اكتشف القدرة على الكلام والتواصل من خلال اللغة، وتمكّن من بناء ثقافات وحضارات. بدأ يتأمل في معنى الحياة والأخلاق والمستقبل والموت، مما أدى إلى ظهور الفلسفة والدين والفن والعلم والبعد الروحي للإنسان، الذي أصبح جزءاً من بنيته المعرفية والثقافية.
تطور مفهوم الروح عند البشر مع تطورهم الفكري، بدءًا من المرحلة ”الشامانية“ في المجتمعات البدائية التي اعتبرت الروح طاقة تتحرك بين العالمين المرئي وغير المرئي، وكان السحر والشعوذة منتشرين في هذه التجمعات البشريه. ثم جاءت المرحلة الأسطورية، حيث مثّلت آلهة متعددة قوى الطبيعة. وبرز الإلهام الإلهي من خلال الأساطير، وبدأ البشر يربطون الروح بالنظام الكوني. تبع ذلك المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية، حيث أصبحت الروح نورًا إلهيًا أبديًا. وتطورت هذه المفاهيم أكثر مع ظهور الديانات التوحيدية، حيث أصبحت الروح نفخة إلهية، والوحي علاقة شخصية بين الإنسان والله.
اعتقد عالم النفس البريطاني ”سيريل بيرت“ أن التجربة الدينية جزء لا يتجزأ من النفس البشرية، وأن نشأة الدين هي نتاج تفاعل معقد بين القدرات العقلية والخيال والحاجة إلى المعنى، وتعبير عن الاحتياجات النفسية الإنسانية العميقة. كما قدم بيرت نظرية ”الأنيميزم“، التي تفترض أن الأرواح تسكن كل شيء - البشر والحيوانات والنباتات والصخور والأنهار - وأنه لا يوجد فصل جوهري بين العالمين الروحي والمادي. ناقش أيضاً العلاقة بين الدين والاضطرابات النفسية، وقارن بين الممارسات الدينية القهرية وأنماط الوسواس القهري، وأوضح أن التجربة الدينية تتخذ أشكالاً ثقافية متعددة، وأن الدين نتاج للعقل الواعي.
بالنسبه اللتجارب الروحية، فهي ظاهرة إنسانية حقيقية كاملة لصاحب التجربة، ولا يمكن انكارها لأنها حدثت داخل وعيه، وتمنحه إحساسًا بالمعنى، وشعورًا بالسلام، وتجاوزًا للأنا، وتواصلًا مع شيء أعظم.
وقد أظهرت الدراسات الحديثه على وظائف المخ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) ومراقبة النشاط الكهربائي بأجهزة عالية الدقة، أن التجارب الروحية التي تحدث مع التأمل، والصلاة العميقة، والاستماع إلى الموسيقى الهادئة، والرقص الطقسي، تسبب أنشطة في مخ الانسان، وحالات وعي متغيرة، مع زيادة في هرمونات السيروتونين والدوبامين اللذين ينظمان المزاج والمشاعر، (يرتبط نقص السيروتونين بالاكتئاب، ويؤدي نقص الدوبامين إلى الخمول).
يختلف تفسير التجربة الروحية في ثقافات وديانات مختلفه؛ ويعبر عنها الصوفي بانها “فناء في الله”، و البوذي والهندوسي بانه الوصول الى حالة ”النيرفانا“ التي هي السكينة التامة، والتحرر من المعاناة، وويقول عنها المسيحي بانها “نعمة الروح القدس”.
يناقش هذا المقال الجوهر العقلاني للانسان، وان العقل مركز ادراك التجارب الروحية، التي يفسرها الانسان وفقا لاحتياجاته النفسيه، واتساع معرفته، وتحيزاته الشخصيه، التي بناها العقل تحت تاثير الظروف المختلفة، والثقافة المجتمعية، والقيم السائدة.
ينظر العلم إلى الوعي البشري على أنه ظاهرة بيولوجية منظمة تنشأ من عمليات مادية محددة داخل المخ، وان الشكل الأساسي للوعي هو إحساس الشخص بذاته ووجوده، وان الفهم العلمي للوعي يُعمّق تقدير الإنسان لتجربته الخاصة. مع ذلك، يدرك التفكير العلمي ان التجربه الروحيه هي حقيقة مطلقة لصاحبها، وانها ليست فكرة، بل هي حالة وعي كاملة تشمل الإدراك، والشعور، والإحساس بالذات، وتُسجَّل في الذاكرة كشيء أعمق من الواقع. يفسر المنهج العلمي التدين بانه امتداد لحاجه الانسان إلى الطمأنينة وتفسير المجهول، والخوف من الفناء والرغبة في الخلود، وانه عنصر فاعل في بنية الوعي الإنساني وسعيه الدؤوب نحو المعنى والقداسة والرمزية والجوهر. ولكن اختزال التجربة الإنسانية إلى جوهر روحي محض ينكر التفسيرات الأخرى للوجود البشري وتجاربه المتنوعة، ويتجاهل أهمية العقل تحقيق الرفاهيه للانسان، وتوفير علاجات فعالة لمختلف الأمراض، والتغلب على الأوبئة، والتعامل الأمثل مع تقلبات الطبيعة، كالبراكين والزلازل والعواصف المدمرة.
في الختام، تُعدّ العلاقة بين الأخلاق والدين والتجارب الروحية من أعمق الأسئلة التي طرحها الإنسان منذ نشأته. وقد اوضحت دراسه تاريخ البشرية ان القيم الأخلاقية كانت موجوده قبل ظهور أي دين منظم، حيث مارست المجتمعات البدائية التعاون، ورعاية الضعفاء، وتقاسم الطعام، واحترام القواعد الجماعية. لعب الدين لاحقاً دوراً مهماً حيث قام بتنظيم الأخلاق، وتقديم الوصايا والقوانين والمحرمات والقيم العليا، ومنح الأخلاق سلطة رمزية لتصبح مرتبطة بالإرادة الإلهية والثواب والعقاب، وحولها من قواعد اجتماعية إلى واجبات مقدسة. برز المصدر الفلسفي للأخلاق مع التطور الفكري والتقدم المعرفي، ليحدد ماهية الخير، والعدل، والواجب، ومعنى أن يكون المرء إنسانًا، ومنحت الفلسفة الأخلاق أساسًا عقلانيًا مستقلًا عن الدين. تتجه الأخلاق في العصر الحديث نحو معالجة قضايا تطبيقية مثل البيوأخلاق، التي تدرس التحديات الاخلاقيه في مجال الطب والتكنولوجيا الحيويه، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين التقدم العلمي وكرامة الإنسان .كما تهتم بحقوق الإنسان، وأخلاقيات البيئة، وتقدم تأملات حول الحرية والسعادة والهويه، وتؤكد ان العقل لا سلطان علىه سوى العقل ذاته، وأنه لا حرية بدون عقلانية تحمي الحرية من الانزلاق إلى الفوضى.
وقد أوضحت المعرفة الحديثة أيضاً أن الضمير هو وعي ذاتي يقيم الأفعال في ضوء القيم التي يتبناها الفرد، وأن رضا الضمير يعبر عن انسجام الذات مع نفسها.
وأخيراً، من الضروري الإشارة إلى خطر جديد وهام انتجه العقل البشري وهو الذكاء الاصطناعي، الذي قد يتجاوز الذكاء البشري ويهدد، لأول مرة، المكانة المتميزة للإنسان على قمة شجرة التطور، والتي احتلها نتيجة لقدراته العقلية التي فاقت قدرات جميع الكائنات الحية الأخرى. وقد عبّر ”جيفري هينتون“، أحد أبرز علماء الذكاء الاصطناعي، عن هذا الخطر، مُبدياً مخاوفه علناً بشأن التطور السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واحتمال تفوقها علي ذكاءً البشر، وتصبح قادره على اتخاذ قرارات مستقلة لا تتوافق مع قيم ومصالح البشريه. هذا الاستقلال من سيطره الانسان يهدد مستقبل البشريه علي سطح كوكب الارض .
***
بقلم استاذ دكتور سامح مرقس






