قضايا

ابتهال عبد الوهاب: الوعي كخطيئة في حضرة الجهل المقدس

لقد تعلمنا منذ الصغر أن هناك أفكارا لا تمس، أسوارا لا تتخطى، أسئلة لا تطرح، وكتبا لا تفتح إلا بقداسة. كبرنا على الخوف من السؤال، وعلى التسليم لما نقل، حتى تحولت عقولنا إلى مخازن مغلقة وإلى مكتبات متربة وإلى غرف لم يدخلها النور منذ زمن. كانت النتيجة أن جيلا بعد جيل، تسللت الشيخوخة إلى العقل العربي، فلم يعد ينتج، بل يكرر، ولم يعد يبدع، بل يقلد، ولم يعد يتأمل، بل يردد كالببغاء.

في المجتمعات المغيبة، حيث يقدم الجهل في أثواب مذهبة على أنه علم منزه، وحيث تتحول الخرافة إلى دستور، والسكون إلى فضيلة، والفكر إلى لعنة، يصبح الوعي جريمة، والتفكير المستقل خيانة يعاقب عليها، لا بالرفض فقط، بل بالإقصاء وأحيانا بالمحو الكامل من ذاكرة الجماعة.

هناك، لا توزن العقول بمقدار ما تنير، بل بمقدار ما تطيع. العقل المتسائل المتشكك المفكر خارج أطر القطيع يعد خطرا يجب قمعه لا الإصغاء إليه، وينظر إليه كنغمة نشاز.

في مثل هذا المناخ، لا يعد الصمت فضيلة نابعة من الحكمة، بل مكرهة تفرضها شروط البقاء. يضطر الإنسان إلى أن يبتلع كلماته، لا لأنها خاطئة، بل لأنها صحيحة أكثر مما ينبغي، ولأنها توقظ النائمين في زمن لا يسامح من يوقظ أحدا.

لم يكن هذا التصور عن الوعي بوصفه عبئا في المجتمعات المغلقة غائبا عن الفلاسفة والمفكرين، بل كان حاضرا في قلب تجاربهم الفكرية. فقد ادرك سقراط ان السؤال ليس فعلا بريئا، وان التفكير النقدي يهدد التوازن الزائف الذي تقوم عليه الجماعة، ولذلك كان مصيره العقاب لا لان افكاره كانت خاطئة، بل لانها ايقظت ما لا يريد المجتمع ان يراه. وذهب سبينوزا الى ان اخطر اشكال القمع هو ذاك الذي يجعل الناس يخافون التفكير ذاته، فيدافعون عن الجهل بوصفه فضيلة، وعن الطاعة باعتبارها اخلاقا. وفي العصر الحديث، كشف ميشيل فوكو كيف تتحول المعرفة الى مجال صراع، وكيف يقصى الخطاب النقدي لا لضعفه، بل لقدرته على زعزعة انظمة السيطرة المستقرة. بينما رأى اريك فروم ان الانسان حين يثقل بعبء الحرية داخل مجتمع يخشاها، قد يهرب طوعا الى الامتثال، لان الجهل المنظم اقل قسوة من وعي بلا حماية. وهكذا يصبح الوعي في المجتمعات المغيبة خطيئة، لا لانه شر، بل لانه يكسر السكون، ويجبر الانسان على مواجهة مسؤوليته عن عقله، حتى حين يكون ثمن تلك المسؤولية العزلة او النفي.

يقول المتنبي، وهو من عرف جبروت الكلمة: "وأعظم ما تكلفني الليالي سكوت عندما يجب الكلام"

تلك العبارة ليست مجرد بيت من الشعر، بل هي صرخة مكتومة خرجت من عمق الوجع الإنساني، من قلب من عرف أن للكلمة ثمنا، وأن الثمن قد يكون روحك.

إن السكوت حين يجب الكلام، ليس راحة بل عبء، وليس سلاما بل تمزقا داخليا، صراعا بين ما تعرف أنه واجبك، وما تراه مستحيلا في واقعك. إنه البلاء الذي لا يُرى، والألم الذي لا يقال، والندبة التي لا تظهر في الجسد بل تتآكل في القلب.

الوعي في مجتمع مغيب ليس نعمة، بل نفي. أن تمتلك عقلا يفكر، يعني أن تحمل على ظهرك حملا من الأسئلة التي لا يريد أحد أن يسمعها. أن تفكر، يعني أن تعيش غريبا بين أهلك، متهما بالجنون أو الزندقة، فقط لأنك قلت لماذا.

أن تحوز عقلا حرا، في بيئة تخاف الحرية، يشبه أن تمشي حافيا فوق جمر متقد، كل خطوة تدفعك إما إلى الهروب، أو إلى الصمت، أو إلى الجنون. ولا أقسى من أن يطلب منك أن تكون جزءا من قطيع، وأنت لا تجيد الخنوع.

الوعي في هذه الأجواء ليس امتيازا، بل عبء. هو مثل مرآة لا يجرؤ أحد على النظر فيها، لأنها تكشف التشوهات، وتفضح العورات، وتكسر الصور المزيفة. وكل من يمشي بمرآته وسط هذا العالم، يصبح عدوا، حتى وإن كان صامتا، حتى وإن لم يقل سوى الحقيقة.

وفي هذه المعادلة الظالمة، يكون الصمت ضربا من النجاة المؤقتة، وبلع الكلام نوعا من الانتحار التدريجي. ففي كل مرة تصمت فيها عن قول ما تعرف أنه الحق، تخسر قطعة من ذاتك، تنطفئ شمعة صغيرة في داخلك، إلى أن تصبح الظلمة عادة، والخوف مألوفا، والاستسلام شكلا من أشكال العقلانية المريضة.

ومن ثقل هذا الإدراك، تجدنا نضطر أحيانا إلى بلع الكلام، لا جبنا، بل إحساسا بعدم جدواه، أو درءا لعاصفة لا نستطيع احتواءها. نمارس الرقابة الذاتية كمن يمارس طقسا دينيا مفروضا، نتفنن في ابتلاع الكلمات، نخنق أصواتنا في حناجرنا، وندفن أفكارنا وهي لا تزال تنبض

ولكن سرعان ما استفيق واكتب لأن السكوت ليس دائما فضيلة، وأحيانا يكون خيانة للذات وهدما بطيئا لما تبقى فينا من نور.

 كل صمت عند لحظة صدق، هو حجر جديد في جدار العتمة.

لكن صمتي أحيانا ليس موتا. بل يكون هدنة، وأحيانا يكون كمونا مؤقتا قبل الانفجار. فالفكرة الصامتة لا تموت، بل تختمر. والكلمة التي لم تقل، تتكاثر في الداخل، تنبت في العزلة، وتخرج حين يحين وقتها مثل برق لا يستأذن.

ومع كل ذلك، تظل مقاومتنا هذا الخراب ممكنة، لا بالشعارات، بل بالاستمرار في التفكير، في الرفض، في الحلم، في الكتابة، في الدفاع عن جوهر الإنسان.

 أن تحتفظ بصوتك، حتى لو لم يسمعك احد.  أن تقول "لا" حتى في أعمق لحظات الوحدة. تظل كلمتك المختنقة بذرة تنتظر التوقيت، وضميرك الموجوع دليلا على أنك لم تبع كل شيء، وأنك، وإن سكت، لا تزال تعرف كيف تصرخ في صمتك

وذلك، في زمن القطيع، مقاومة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم