قضايا

ثامر عباس: العواقب الاجتماعية لانشطار الذاكرة التاريخية

تجمع غالبية المصادر السوسيولوجية الانثروبولوجية على حقيقة مفادها؛ أن الإنسان ليس فقط (صانع للرموز) وإنما هو كائن مغمور بها ومتماهي معها، بحيث لا يمكن له أن يأتي بأي نشاط اجتماعي أو يبادر بأي فاعلية ثقافية دون أن تكون مشحونة بالرموز ومعززة بالتمثلات، التي عادة ما تكون رابضة في قيعان الذاكرة التاريخية وراكسة بين ثنايا المتخيل الجمعي . وعلى هذا الأساس لا تألوا نظم الحكم السياسي جهدا"في توظيف تلك الرموز واستثمار تلك التمثلات، كلما دعتها الحاجة لتبرير مواقفها وتسويغ سياساتها وشرعنة سلطتها، واضعة نصب عينيها حقيقة ان الإجماع الذي توفره تلك الرموز والتمثلات يصعب على أية جهة معارضة أو معادية اختراق شباكه وتفكيك عناصره، حتى وان كانت ترزح تحت وطأة مظاهر الطغيان السياسي والحرمان الاقتصادي والارتهان الإيديولوجي .

ولأجل توضيح العواقب الاجتماعية والتداعيات السياسية والتبعات الحضارية التي قد تنجم عن انشطار الذاكرة التاريخية، حري بنا الإشارة الى ضرورة التمييز ما بين مفهوم (الذاكرة الاجتماعية) وبين نظيرة مفهوم (الذاكرة التاريخية)، اللذان يتواتر ذكرهما بكثافة في أغلب البحوث والدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية، دون الاهتمام بما يشتملان عليه من فوارق واختلافات دلالية . ذلك لأن الفرق بين الذاكرة الأولى والذاكرة الثانية فرق كبير واختلاف نوعي، يستحسن بالباحث المعني ألاّ بجهل أو يهمل تلك الفوارق والاختلافات وإلاّ فإنه سيكون عرضة لارتكاب الكثير من الأخطاء والوقوع في العديد من المغالطات . ولعل ما يحدث في واقع معظم المجتمعات المتصدعة والمفككة من حساسيات نفسية وانقسامات اجتماعية وصراعات سياسية، قمين بإظهار تبعات ما قد ينجم عن ذلك الإهمال أو التجاهل، ليس فقط في مضمار الخطابات المتشنجة والتصورات المحتقنة فحسب، بل وكذلك في مجال العلاقات المجيشة والسلوكيات المستنفرة .

فعلى الرغم من واقعة التشابه بين كلا المفهومين على صعيد الاشتغال في مجالات (الذاكرة السردية)، إلاّ أنهما لا يلبثان أن يفترقا على صعيد الفعل والتأثير في (السياقات الواقعية) . ففيما تستمد الذاكرة (التاريخية) أهميتها من كونها مقترنة بالسيرورات التاريخية التي يفترض أن أحداثها وقعت في الماضي وتعاقبت على تناقلها الأجيال كموروث مثخن بالرموز، الأمر الذي أكسبها ميزتين أساسيتين؛ الأولى وتتمثل بطابع (الثبات) النسبي في مضامير الوعي الجمعي والمتخيل التاريخي، بحيث ان دلالاتها القيمية والرمزية لا تسقط أو تضمحل بالتقادم الزمني، وذلك لكونها تعتمد في سردها وتدوينها على مصادر (الدين) و(الأسطورة) بشكل أساسي . والميزة الثانية تتجلى عبر خلقها نوع من (التوافق) العرفي والقيمي بين مختلف المكونات التي يتشكل من نسيجها المجتمع . هذا في حين تمتح الذاكرة (الاجتماعية) نسغ ديمومتها ودينامياتها من معين جدليات وتناقضات الواقع المعيش، الذي تتقاطع في إطاره الارادات، وتتصارع ضمن نطاقه الجماعات، من منطلق ارتكازها على ما تستدعيه أهداف (السياسة) من نوازع ومصالح (الاقتصاد) من منافع . وهو ما يسبغ عليها طابع (التغيّر) الدائم في المضامين، و(التبدل) المستمر في الاهتمامات .

وعلى أساس ما تقدم، يمكن القول إنه - على عكس ما يتوقع من الذاكرة (الاجتماعية) - يفترض بالذاكرة (التاريخية) أنها (توحد) أكثر مما (تفرّق)، و(تجمع) أكثر مما (تقسّم) . من حيث كونها تشتمل على كل يجعل الإنسان فخورا"بماضيه وشديد الاعتزاز بتاريخه، بصرف النظر عن مقدار ما تمثله من أحداث واقعية ومعطيات معاشة، لاسيما وان مواريث كلا المجالين (الماضي) و(التاريخ) غالبا"ما تستوحي قيمتها من (الدين) قداسته ومن (الأسطورة) رمزيتها، بحيث يمنحاها هامشا"لا يستهان به من (الحصانة) الاعتبارية إزاء كل ما يعرضها للنقد الموضوعي ويسوقها للمساءلة المشروعة . ولذلك، فالويل للمجتمعات التي لا توحّد جماعاتها سردية تاريخية مشتركة، ولا تجمع مكوناتها منظومة دينية موحدة . إذ كلما حاولت الذاكرة (الاجتماعية) رأب الصدوع وترميم الشروخ الناجمة عن الاختلاف في الرؤى والتباين في المصالح، لتخطي الخلافات الجانبية وتجنب الصراعات البينية التي من شانها إهدار الكثير من الفرص وفقدان الكثير من الامتيازات، كلما تدخلت الذاكرة (التاريخية) لتأجيج تلك الخلافات وتسعير تلك الصراعات، بوازع من دعاوى (الأحقيات) الفئوية و(الأفضليات) العصبوية التي طالما كانت – ولا تزال – السبب الرئيسي بخراب ودمار تلك المجتمعات، ومن ثم إعاقة خروجها من دوامات العنف السياسي والتخلف الاجتماعي والفوات الحضاري .

***

ثامر عباس

في المثقف اليوم