عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

محمد خليفة: المغالطاتُ المنطقيةُ في مناظرةِ محمد عمارة ونصر حامد أبو زيد

في العام ١٩٩٦م، وعلى إثْر الضجةِ التي حدثتْ حول بعض كتاباتِ الدكتور نصر حامد أبو زيد -رحمه الله-، واتهامه بالرِّدَّة، والتفريق بينه وبين زوجه الدكتورة ابتهال يونس، حَدَثَتْ مناظرةٌ نظَّمتْها قناةُ الجزيرةِ بين الدكتور محمد عمارة، والدكتور نصر حامد أبو زيد، وذلك في برنامج «الاتجاه المعاكِس»، الذي يقدمه الإعلامي فيصل القاسم.

هذه المناظرة، على أهميتها، حَوَتْ مادةً فكريةً وجدليةً يجب التوقفُ عندها، وذلك للمآلات الخطيرة التي ترتبتْ، وتترتبُ، على مثل هذه المواجهات، وأثرها في عقلية الجماهير، بل والمثقفين، ولا ننسى المناظرةَ الشهيرةَ التي أُقِيمت في معرض القاهرة للكتاب، في العام ١٩٩٢م، والتي كانت بعنوان: «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية»، والتي كانت بين فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله من ناحية، والشيخ محمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي من ناحيةٍ أخرى، ونلاحظ أن محمد عمارة طرفٌ مشتركٌ في المناظرتيْن اللتيْن تسَبَّبَتا في إحداث جدلٍ عارِمٍ في الأوساط الثقافية، وهذه الملاحظة لها مدلولها، الذي سنأتي عليه فيما هو قادمٌ.

ونعود إلى الكلام عن مناظرة محمد عمارة ونصر أبو زيد، وستكون زاويةُ التناولِ مِن حيث تتبُّع المغالطاتِ المنطقية التي حدثت في هذه المناظرة.

وسنبدأ بمغالطة: «المصطلحات المفخخة أو المشحونة».

مغالطة «المصطلحات المفخخة» تعني أن يَعْمدَ الشخصُ إلى استخدام بعض الألفاظ التي لها مدلولات انفعالية عاطفية معينة عند المتلقي، وذلك مِن أجل التأثير عليه وجَعْله يتقبل ما يريد إيصاله إليه من أفكار ومعانٍ(١).

وإذا عرفنا معنى هذه المغالطة، فلنتتبَّع مدى وجودها في المناظرة التي نتحدث عنها.

عند سماع المناظرة، نجد أنه بعد تقديمها من الإعلامي فيصل القاسم، وبدء الكلام والتعليق العام من الدكتور نصر أبو زيد على الأحداث التي أثارت الجدل، بدأ محمد عمارة أول كلماته في هذه المناظرة، عندما سأله الإعلامي فيصل القاسم عن رأيه في هذه الأحداث وما وقع لنصر أبو زيد، ليرد قائلًا:

أنا أريد أن أدخل في صلب الموضوع، أنا أنظر إلى ما يُوجَّه إلى الإسلام مِن مطاعن في السنوات الأخيرة على أنه حملة ضد الإسلام... وأن ما كتبه الدكتور نصر نقضَ العقائد الأساسية للإسلام(٢).

نجد في النص السابق عددًا مِن المصطلحات المشحونة بدلالات خطيرة لدى المتلقي، على الرغم من أن الأسئلة الفكرية لم تُطرح بعدُ، ولم تُعرض بعض الإشكالات الفكرية التي يُهاجَم عليها نصر أبو زيد تمهيدًا لتفكيكها، ولكن لأن ألفاظ من قبيل: «ما يُوجَّه إلى الإسلام مِن مطاعن» و «ما كتبه الدكتور نصر نقضَ العقائد الأساسية للإسلام» لها تأثير انفعالي يشحن الجماهير؛ فلذلك بدأ بها محمد عمارة قبل أي حوار فكري؛ حتى يتكون انطباعٌ لدى المتلقي بأن نصر أبو زيد هذا الذي يجلس أمامكم يفعل هذه الأشياء التي تنقض أسسَ الدين؛ وبذلك يصبح المتلقي، غير المدرِك لهذه المغالطة، أسيرًا لهذه المصطلحات التي قدمها محمد عمارة، ويتعامل معها على أنها مُسلَّمٌ بها، وعلى هذا يصبح ذهن المتلقي والسامع -على أقل تقدير- متحفزًا ضد نصر أبو زيد ومرتابًا منه، وبهذا يكون محمد عمارة قد نجح، منذ البداية، في وضْع ضغط جماهيري وإدانة مُسبَقة لنصر أبو زيد في أذهان كثيرين، وذلك لِمَا لعباراته من شحنٍ عالٍ لنفسية الجماهير، بسبب مدلول هذه المصطلحات المصادمة للدين في نظرهم.

وإذا نظرنا في الألفاظ التي عرضناها في بداية كلام محمد عمارة، سنجدها أيضًا تحوي مغالطة أخرى بجانب مغالطة المصطلحات المفخخة، هذه المغالطة هي: «المصادرة على المطلوب»، وهذه المغالطة تعني أن صاحبها يلجأ إلى افتراض صحة القضية التي يتكلم عنها، ويجعلها في إحدى مقدمات الاستدلال، فبذلك تصبح النتيجة مقدِّمة، والدعوى دليلًا(٣).

وهذا لاحظناه بوضوح، عندما بدأ محمد عمارة كلامه بدعوى فحواها أن كلام نصر أبو زيد ينقض عقائد الإسلام، قبل أية مناقشة مُسبقة لنصوصه وتحليلها؛ فيكون بذلك قد صادر على المطلوب؛ وأعطانا نتيجةً سريعة قبل أي نقاش.

مغالطة «الاحتكام إلى عامة الناس»

وتشيرُ هذه المغالطةُ إلى أن الشخص الذي يستخدمها يقوم باللجوء إلى الجماهير، ومحاولة إثارة مشاعرهم وعواطفهم؛ لكي يتخذ منهم دليلًا على صحة رأيه، وذلك بدلًا من الاحتكام إلى العقل وتقديم حجج منطقية(٤)، وتجلَّتْ هذه المغالطة واضحة في مناظرة محمد عمارة ونصر أبو زيد، وذلك مِن قِبَلِ محمد عمارة، عندما قال: «أنا أحتكمُ للمشاهدين»(٥).

قال محمد عمارة هذه العبارة في سياق اختلافه مع نصر أبو زيد حول معنى كلامه في بعض المواضع، وهذه المغالطة من أوضح ما ارتكبه محمد عمارة من مغالطات في هذه المناظرة المثيرة، ونلاحظ تدرج محمد عمارة في استخدام المغالطات واحدة تلو الأخرى؛ حتى يحشد أكبر قدر من الجماهير، ويستقوي بهم في مواجهة نصر أبو زيد.

مغالطة «رجل القش».

ومعناها، ومِن صُوَرها، أن يأتي الشخصُ بحجةٍ هشَّةٍ، ثم ينسبها إلى خصمه، ويبدأ في مهاجمتها بدلًا من حجة الخصم وقضيته الحقيقية(٦)، وتحققت هذه المغالطة في المناظرة التي نتحدث عنها، وذلك عندما كان محمد عمارة يقرأ بعضَ النصوص التي في كتب نصر أبو زيد، فقال:

«إن نص القرآن تشكَّلَ من خلال ثقافة شفاهية، والوقائع هي التي أنتجتْ هذه النصوصَ، ففي مرحلة تشكل النص في الثقافة، تكون الثقافة فاعلًا والنص مفعولًا، والواقع الذي تشكَّلَ النص من خلاله يشمل الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويشمل المتلقي الأول للنص ومُبَلِّغه». إلى هنا كان كلام نصر أبو زيد يُقرأ من محمد عمارة، ثم أكمل محمد عمارة قائًلًا: «أي أن الرسول هو مخترِع هذا النص»(٧). بهذه الجملة يتحول محمد عمارة من قراءة كلام نصر أبو زيد، إلى مُفسِّرًا لكلامه بنسبة جملة «أي أن الرسول هو مخترِع هذا النص» إلى نصر أبو زيد، مع أنه لم يقلها أبدًا، ولم يلتزم بها، وقام بالاعتراض بشدة عليها، وهذه المغالطة استكمال لِما يسعى إليه محمد عمارة؛ حيث نجده يخترع «رجلًا من القش»، أي أنه يخترع حجةً لا وجود لها، ولم يقل بها خصمُه، وذلك لكي يصب عليها انتقاداته، وكأنها حجة خصمه الرئيسة، مع أن نصر أبو زيد كان يناقش أمرًا مختلفًا تمامًا في كتاباته التي يستشهد بها محمد عمارة، ولم يقل أبدًا عبارة: «إن الرسول هو مخترع نص القرآن» كما اتهمه محمد عمارة، بل أكد في غير مرة من كتاباته ولقاءاته على أن نص القرآن هو نص إلهي التنزيل بشري التأويل(٨)، وأن الوحي بالقرآن يتضمن طرفيْن: الله، عز وجل، مِن جانب، والنبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، مِن جانبٍ آخَر، فالقرآن إذًا موحَى به مِن الله إلى رسوله(٩).

وهذه نصوص وتصريحات صريحة مِن نصر أبو زيد، تكشف عن مغالطة رجل القش، الذي اتبعها محمد عمارة في ادعاء مقولة لم ينطق بها صاحبها، ثم بدأ في مهاجمتها، فيكون بذلك أعطانا مثالًا واضحًا تطبيقيًّا على مغالطة رجل القش.

وقد يتطرق إلى ذهن القارئ سؤال، وهو: هل محمد عمارة هو فقط الذي قام بارتكاب المغالطات دون الطرق الآخر: نصر أبو زيد؟ الإجابة بوضوح: نعم، كان محمد عمارة هو الطرف الأبرز في هذه المناظرة، الذي لجأ إلى مثل هذه المغالطات والألاعيب، ويبدو أن المناظرة كانت مُعدَّة باتفاق معين بين محمد عمارة وأصحاب برنامج «الاتجاه المعاكس» ومُقدِّمه، لكي يُظهروا الدكتور نصر -رحمه الله- بصورة المتهم، ويستجلبوا الدهماء ويحرضوهم ضده، بدليل أن نصر أبو زيد عندما وجد محمد عمارة يقرأ نصوصه ويضع أوراقًا أمامه، قال أنا لم أكن أعلمُ أن المناظرة ستكون عبارة عن قراءة نصوص، فقد ظننتها حوارًا به قدر من المشاركة والتبادل، ولو كنت أعلمُ ذلك لأحضرتُ نصوصي وكتاباتي التي رددتُ فيها على هذا الكلام.

وهذا يدل على أن المناظرة رُتِّبت من طرفٍ واحد، من حيث عدمُ إخبار الدكتور نصر بالمنهجية التي ستسير عليها، لوضعه في موقف المتهَم، ومِن الشواهد على ذلك أيضًا: أن الإعلامي فيصل القاسم، مقدِّم برنامج «الاتجاه المعاكس»، والذي أدار المناظرة بين محمد عمارة ونصر أبو زيد، قدَّمَ اعتذارًا رسميًّا للدكتور نصر في عام ٢٠١٤م، وذلك في الذكرى الحادية والسبعين لميلاده الدكتور نصر، حيث قال:

«بمناسبة الذكرى ال 71 لميلاد المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، أود أن أسجل الملاحظة الخاصة التالية: قبل حوالي 17 عامًا، أي في بدايات برنامج الاتجاه المعاكس، استضفتُ الراحل أبو زيد في حلقة من البرنامج مقابل الدكتور محمد عمارة، وأريد أن أعتذر للدكتور أبو زيد الآن، لأنني لم أفهم فكره في ذلك الوقت، فكم كان سابقنا، وكم كنا مسجونين في أقفاص فكرية صدئة، أتذكر وقتها أنني هاجمته بطريقة غبية سخيفة تافهة، فقط لأن الشارع كان ضده، وقد استوعبني الرجل بطريقة دمثة، عذرًا أبا زيد»(١٠).

وهذا الاعتذار يؤكد عدم الإنصاف وقتها تجاه الدكتور نصر، وكما أشرنا في بداية المقالة، أن محمد عمارة ارتبط اسمه بمناظرتيْن، هما: مناظرته مع فرج فودة، والتي تم اغتياله بعدها، والمناظر الثانية مع نصر حامد أبو زيد، والتي تسببت أيضًا في تصفية معنوية وتشويه له على يد محمد عمارة ومغالطاته التي ارتكبها، والتي عرضنا لها في هذه المقالة.

محمد عمارة والدكتاتورية الفكرية.

مِن أشدِّ ما يلفتُ نظري في كتابات محمد عمارة -وأسلوبه بوجهٍ عام، وقد عَرَضنا فيما سبقَ جزءٌ مِن هذا الأسلوب- هو التناقضُ بين الفكرِ والتطبيقِ؛ إذ لا يكادُ يَدَعُ كتابًا مِن كتبِهِ إلا وينوِّهُ على حريةِ الفكرِ وحقِّ الإنسانِ فيها.

ولكن عند النزولِ إلى ميدانِ محمد عمارة «التطبيقي»؛ نجده مِن أشدِّ الناسِ عنفًا مع مخالفِهِ، ويحملُ أيضًا قدرًا ليس بالقليلِ مِن «الإقصاءِ» لمخالفيه، فمِن أشدِّ الصفاتِ وضوحًا في شخصيته، أنه إذا أحبَّ أحدَ المفكرين؛ رَفَعَهُ إلى عنان السماءِ، ولو بـ «لَوْي» عنقِ كتاباتِه؛ لينسبَه إلى الاتجاهِ الذي يحبُّ أن يرى هذا المفكرَ فيه، وإذا أبغَضَ أحدَ المفكرين؛ حَشَدَ له كلَّ الاتهاماتِ والمغالطاتِ المنطقيَّةِ في مواجهتِهِ؛ مِن أجلِ تصفيتِهِ معنويًّا أمام الجمهور، وقد تتحول التصفيةُ المعنويةُ إلى تصفيةٍ جسديةٍ تَتْبَعُها.

محمد عمارة إذا عارضَ أحدَ المفكرين الكبار، وواجهه في مناظرةٍ، أو رد عليه في كتابٍ؛ فإنه -عمارة- يَدْفَعُ خصمَهُ دَفْعًا إلى التكفير، فمثلًا، يذكرُ في مواجهتِهِ للدكتور نصر، في هذه المناظرةِ التي نتحدثُ عنها في هذه المقالةِ، ويقول له: «أنا مع حريةِ الرأي إلى أبعد الحدود، بل أنا أقول إنني مع حرية الكفر، وليس فقط حرية الفكر»(١١)، ثم يقول محمد عمارة موجهًا كلامه لنصر أبو زيد: ولكن ما تقوله ضد «الإسلام»، فلْتَقُلْ كلامَك هذا مِن خارج النَّسَق الإسلامي ونَردُّ عليك ونحترم وجهة نظرك، ولن تكون حينها مُلْزَمًا بالثوابت الإسلامية(١٢).

هنا لا نجدُ في خطابِ عمارة إلا سَيْلًا مِن المغالطاتِ؛ إذ يقول كلامَه وكأن مَن أمامه سلَّمَ له بأن ما يقوله هو ضد الإسلام، ويقول عمارة كلامه هذا ويُصدِّرُه بجملة «شيك» برَّاقة خادعة، وهي: «أنا مع حرية الفكر بل مع حرية الكفر»؛ ليُحدِثَ تهيئةً لذهنِ المتلقي بأنه لا يمارسُ الدكتاتورية الفكرية، بينما كلامه مُلَغَّمٌ بالإقصاءِ والتكفير الضمني؛ إذ ماذا يعني تصدير كلامِه بأنه مع حرية الفكر بل مع حرية الكفر، ثم نجده يدفعُ خصمَه دفعًا إلى الخروج مِن الإسلام، وأنْ يقول آراءَه هذه وهو خارج الإسلام، لأنها -في نظر عمارة- تنقض (بالضاد) أصول الدين؟ إذًا فهذه ليست «حرية فكر»؛ ولكنها «فَرْض» لـ «رؤيتِه» للإسلامِ، وأن مَن خالفها فسيحترمُ فكرَه ولكن بشرط أن يقولَه وهو خارج الإسلام! فمحمد عمارة هنا «يساوي» بين «رؤيته/اجتهاده/فهمه» للإسلام، وبين «الإسلام» ذاته.

أعجِبَ محمد عمارة بالدكتور طه حسين؛ فحاولَ «تلفيق» كثير مِن الأدلةِ لكي يُقَدِّمَ طه حسين في نسخةٍ جديدة (يريدها محمد عمارة) قد لا يعرفها طه حسين نفسه في بعض نواحيها، ومثال ذلك: نقلَ محمد عمارة أن طه حسين ذهب في نهايات حياته في رحلة إلى الحج، وعندما سُئل -أي طه حسين- هناك عن انطباعاته الروحية عن هذه الرحلة الحجازية؟ قال: إن أول ما شعرتُ به، وما زلت أشعر به إلى الآن، هو هذا الذي يجده الغريبُ حين يؤوبُ بعد غيبة طويلة جدًّا إلى موطنِ عقله وقلبه وروحه بمعنى عام. وعندما سأل أحدُهم طه حسين: أي مؤلفاتك أحب إليك؟ قال -طه حسين-: لا أحِبُّ منها شيئًا(١٣). فهل أحَالنا محمد عمارة في هذه المعلومات المفصلية الجوهرية إلى مصدر لطه حسين؟ الإجابة: لا؛ وإنما أحالَ إلى مرجع لـ حسين محمد بافقيه، بعنوان: «طه حسين والمثقفون السعوديون»، فهل هذا احتجاج؟ إن مِن أول قواعد المنهجية العلمية أن تَنقل «مِن» لا «عن»(١٤)، بمعنى أنك إذا نسبتَ شيئًا لشخص ما؛ فلتأخذه مِن فَمِهِ ومِن كتاباته، لا مِن كتابات غيره، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا خطيرة محورية، يترتب عليها إبطال أكثر ما كان عليه الشخص مِن فكر قبل ذلك.

 وأنا هنا لا أتعرضُ بالنقد للدكتور طه حسين؛ بل لتهافت محمد عمارة في تقديمِ صورةٍ لا تمثلُ -في كثير مِن أجزائها- صاحبها، وفعلَ مثل هذا الأمر مع محمد عبده، ومع الطهطاوي، وعلي عبد الرازق، فهو هنا «يَجُرُّ» المفكرين جَرًّا إلى حيث «يتمنى» لا إلى حيث يُقدمون أنفسهم، وهذه اللمحة عن محمد عمارة وطريقته في التعامل الفكري، تؤكد أنه غير مستعد للاقتناع إلا بما يقول، مهما كانت أدلته يتخللها الوهن وعدم المنهجية.

محمد عمارة يجيدُ اللعبَ على وترِ «الجمهور» في كتاباتِهِ ومناظراتِه، فأغلبُ عباراتِه مشحونة باستدعاءِ الجمهور، كما عَرَضنا مثالًا لذلك فيما تقدَّمَ، وأن هذا الأمر يُسمى: «مغالطة الاحتكام إلى العامة»، ودغدغة عواطفهم الدينية بعباراتٍ ملتهبةٍ مطاطةٍ خاوية مِن الثِّقَلِ العلمي؛ تزيدُ مِن تحريضِ الدهماءِ على خصومِهِ، وهذا كله يعطينا درسًا قويًّا في أن الأمر ليس «بالكلام»، وإنما «بالتطبيق»، فلا نتعجل الحُكْم على شخص ما، أو اتجاه ما، بأنه يؤيد الحرية أو غيرها إلا عندما نرى مواقفَهُ في ميدان التطبيق، فكما قيل قديمًا:

وكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى

ولَيْلى لا تُقِرُّ لهم بِذَاكَا

*

إذا انْبَجَسَتْ دموعٌ مِن عيونٍ

 تَبَيَّنَ مَن بَكَا مِمَّن تَبَاكَا.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم.

......................

(١) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ٢٠١٩م)، ص ١٠٩.

(٢) مناظرة الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد عمارة، الدقيقة: ٦: ٩:

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(٣) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، ص ٢٥.

(٤) المصدر السابق، ص ٨٨.

(٥) مناظرة الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد عمارة، الدقيقة: ٤١.

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(٦) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، ص ١٤٤.

(٧) مناظرة الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد عمارة، الدقيقة: ١٤.

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(٨) الدكتور نصر حامد أبو زيد ضيف برنامج البيت بيتك، تقديم الإعلامي محمود سعد، الدقيقة ٢١:

https://youtu.be/ug7CH7i4b1k?si=0nZJ5sH50tP-9wYi

(٩) د. نصر حامد أبو زيد، «مفهوم النص»، (ط١، المركز الثقافي العربي، المغرب، ٢٠١٤م)، ص ٤٠.

(١٠)https://www.dotmsr.com/news/204/593694/%D9%81%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D9%8A%D8%B9%D8%AA%D8%B0%D8%B1-%D9%84%D9%80-%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%AD%D8%A7%D9%85%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%87

(١١) مناظرة الدكتور محمد عمارة والدكتور نصر حامد أبو زيد، الدقيقة: ٨:

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(١٢) مناظرة الدكتور محمد عمارة والدكتور نصر حامد أبو زيد، الدقيقة: ٤٨: ٤٩:

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(١٣) د. محمد عمارة، «طه حسين: مِن الانبهار بالغربِ إلى الانتصار للإسلام»، هدية مجلة الأزهر، عدد ذي القعدة ١٤٣٥ه‍ـ - ٢٠١٤م، ص ١٥١.

(١٤) هذه العبارة مِن أمالي الأستاذ الدكتور/ سيد ميهوب، أستاذ الفلسفة ورئيس القسم بكلية دار العلوم، وكان دائمًا ما يؤكد عليها، بحيث لا يصح، من الناحية المنهجية، أن نأخذ معلومة محورية عن شخص ما أو مذهب مِن فَمِ غيره مع توفر كتاباته وإمكانية الرجوع إليها.

في المثقف اليوم