عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

علي عمرون: الدروس الخصوصية في الفلسفة من حبّ الحكمة إلى تجارة المعرفة

فرش اشكالي: هناك بعد يُغفَل عنه الكثير من المشتغلين ببداغوجيا الدرس الفلسفي وهو ان نجاح الدرس الفلسفي في إثارة تفكير نقدي حقيقي لا يتوقف فقط على جودة صياغته، بل على الصورة التي يبنيها الاستاذ عن نفسه أثناء عمله. هذا ما تُسميه البلاغة منذ أرسطو، بـالإيتوس

وقد حدّد أرسطو ثلاث خصال ينبغي أن تتوفر في الخطيب كي يكسب ثقة جمهوره، الفطنة من حيث هي حكمة عملية قائمة على حسن التقدير والتدبير، والاستقامة التي لها علاقة بنية واخلاق المتحدث، واللطافة من حيث هي عاطفة ود وقوة جذب للمستمع دون تصنع. وهذه الخصال على الرغم من أنها صيغت أصلاً للخطيب أمام جمهوره، تنطبق تماماً على موقف الأستاذ حين يطرح سؤالاً فلسفياً او يبني مقالة مع تلامذته، فإن لم يشعر التلميذ أن أستاذه فطن يزن الإجابات بموضوعية لا انطلاقاً من حكم مسبق، ومستقيم يقبل فعلاً أن يساءل ويناقض، ولطيف يرحب بالإجابة الخاطئة قبل أن تصحح، فان مسافة الأمان تكون قد حسمت لدى الطرفين.

في غياب الايتوس يظهر الأستاذ السفسطائي الذي يشبّهه سقراط في محاورة بروتاغوراس بتاجر الجملة أو التجزئة الذي يبيع سلعاً، والسؤال الذي يطرح هنا يتجاوز البعد الاقتصادي، ويغدو وجودياً في جوهره : هل يمكن لمعرفة تباع أن تظل معرفة؟ وهل يبقى حب الحكمة حبا حين يتحول إلى صفقة؟

هذا التناقض الذي استعاد يوجي نيشياما جذوره في مقاله اليابان الفلسفة حرة، والعقول متساوية، ليس مجرد فصل من تاريخ الفلسفة اليونانية، إنه السؤال الذي يعيد إنتاج نفسه اليوم، بصيغة أكثر خفاءً وأكثر انتشاراً، تحت اسم الدروس الخصوصية في الفلسفة.

ففي حين كان سقراط يرفض أن يقبض أجراً لأنه يدرك جهله، ويرى أن العلاقة التربوية لا تقوم إلا على حرية الوصول إلى السؤال، أصبحت الفلسفة في كثير من الأنظمة التعليمية سلعة تقاس بالساعة، ويحدد ثمنها حسب قدرة الأهل على الدفع، وأصبحنا امام تلميذ يدخل قاعة الدرس الخصوصي لا يأتي باحثاً عن الحقيقة، بل زبونا يشتري طريقا أقصر نحو العلامة، والأستاذ الذي يفتح نافذة الزوم أو قاعة الدرس المدفوع ويتودد الى المقبلين على الامتحانات الرسمية عبر منشورات مدفوعة الثمن،لا يعود محاورا بالمعنى السقراطي، بل مقدم خدمة معرفية لها سعرها وشروطها.

بهذا المعنى، لم تعد الدروس الخصوصية في الفلسفة مجرد ظاهرة تربوية جانبية أو حلاً عملياً لضعف التعليم الرسمي، إنها التجسيد المعاصر للسفسطة التي حاربها سقراط، تحويل ما كان يفترض أن يكون ممارسة حرة للفكر إلى سلعة تتداول في سوق التعليم، والسؤال الذي يفرض نفسه، انطلاقاً من نيشياما ومن سقراط الى عصرنا هذا، ماذا يبقى من حب الحكمة حين يصبح الطريق إليها ممهورا بالثمن؟

كيف تحولت الفلسفة إلى سلعة خصوصية

لم تظهر الدروس الخصوصية في الفلسفة فجأة، ولا هي نتيجة اكراه مادي لدى بعض الأساتذة أو ضعفٍ فردي لدى التلميذ، إنها نتاج تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين المعرفة والمال، وهو التحول الذي رسم نيشياما ملامحه حين تحدث عن تسليع الجامعة وتحويلها إلى مؤسسة تجارية.

في المجتمع القائم على المعرفة، كما يسمّيه نيشياما، هناك تسارع في تقديم التعليم للطلاب كسلعة، ومن الواضح أن الجامعة نفسها أصبحت تعتبر سلعة. هذا التحول لم يقتصر على البحث العلمي والنشر عبر المجلات المدفوعة سعيا للترقية في المنصب او البحث عن براءات الاختراع، بل امتد إلى التدريس نفسه، فما دام النجاح يقاس بالعلامة المتحصل عليها، فإن الحاجة إلى تحسين علامات التلميذ تخلق سوقا موازيا. والدروس الخصوصية هي هذا السوق الموازي بامتياز.

الطالب لا يدفع ليفهم أفلاطون أو كانط أو ابن رشد، بل ليتقن طريقة الإجابة التي تضمن له العلامة، والأستاذ في كثير من الحالات، لا يدرس الفلسفة حبا او تعشقا لها بقدر ما يدرب على تقنية النجاح الفلسفي، هذا بالضبط ما وصفه سقراط حين شبه السفسطائي بالتاجر: «أليس السفسطائي تاجر جملة أو تاجر تجزئة يبيع سلعاً تغذي الروح؟». ومثل التاجر لا يحتاج إلى معرفة جوهر السلع التي يبيعها، بل يكفي أن يعرف كيف يبيعها بفعالية.

وهكذا تتحول الفلسفة من بحث عن الحقيقة إلى خدمة مدفوعة الأجر، ومن حوار مفتوح إلى علاقة ثنائية مغلقة موجّهة نحو نتيجة الامتحان. ويصبح شعار المعرفة للجميع الذي استحضره نيشياما من ديباجة اليونسكو، شعاراً فارغاً أمام واقع يبيع المعرفة حصرياً لمن يستطيع الدفع.

الأبعاد التربوية والاجتماعية والوجودية للدرس الخصوصي

أولاً البعد التربوي

من الناحية التربوية، تفرغ الدروس الخصوصية الفلسفة من أهم ما يميزها، الحوار المفتوح والشك المنهجي. في القسم داخل الثانوية مهما كان العدد محدوداً، يبقى هناك حدّ أدنى من التعدد أما في الدرس الخصوصي، فالعلاقة ثنائية ومغلقة وموجهة نحو هدف واحد هو النجاح، يختفي بذلك ما سمّاه سقراط إدراك الجهل، ويحل محله شعور زائف بالإتقان، وعندما يفكر يكتفي التلميذ في التفكير والتساؤل عن كيف يحفظ كيف يجيب، يتجلى الخطر التربوي الأعمق، انه خطر تحويل الفلسفة من ممارسة فكرية إلى تقنية إجابة.

نيشياما يذكّرنا بأنّ منهج سقراط يبدأ بإدراك المرء لجهله، الأمر الذي يشكك في مكانة المعلم ذاتها. لذلك لا يحق له المطالبة بأجر لأنه يدرك جهله. أما الدرس الخصوصي فيقوم على افتراض معاكس أن الأستاذ يعرف وأن الطالب يحتاج أن يلقن، وأن هذه المعرفة قابلة للقياس بالساعة.

ثانياً البعد الاجتماعي

اجتماعياً، تعيد الدروس الخصوصية إنتاج التفاوت الطبقي داخل المادة التي يفترض أن تكون الأكثر ديمقراطية. وهنا يرتبط تكافؤ الفرص بالوضع الاقتصادي، حيث دخل الأسرة يؤثر بشكل كبير على فرص الالتحاق بالتخصصات العليا والمتميزة في الجامعة، والدروس الخصوصية تجسيد حي لهذا الربط، فالأسرة القادرة على الدفع تمنح أبناءها أفضلية واضحة، بينما تبقى الأسر ذات الدخل المحدود خارج هذه الدائرة. والنتيجة أن التميز الفلسفي لم يعد نتيجة موهبة أو جهد أو فضول فكري فقط، بل نتيجة قدرة مالية أيضاً.

ثالثاً البعد الوجودي

وهنا يصل الإشكال إلى عمقه الحقيقي، الفلسفة في جوهرها السقراطي، ليست معرفة تلقن، بل أسلوب في الوجود، وأن تتفلسف يعني أن تعيش السؤال وتحتمل الحيرة، وأن ترفض الإجابات الجاهزة، اما حين تباع الفلسفة بالساعة، يتحول هذا الأسلوب في الوجود إلى خدمة مؤقتة، فالتلميذ لا يدخل في علاقة مع الحقيقة مع الفلسفة، بل في علاقة مع نتيجة الامتحان، والأستاذ نفسه يجد نفسه مضطرا في كثير من الأحيان إلى تكييف خطابه مع منطق السوق.

تهافت الدرس الخصوصي في الفلسفة

01-        من حيث المبدأ ينهار الدرس الخصوصي في الفلسفة لأنه يقوم على افتراض يناقض شرط الفلسفة نفسها، المتمثل في أن المعرفة قابلة للتسعير والتسليم، بينما جوهر التفلسف السقراطي هو إدراك الجهل، لا امتلاك اليقين.

02-        من حيث الممارسة ينهار حين يختبر بالواقع، فالتلميذ الذي حفظ "المقالة المضمونة" التي وعد بها يقف عاجزا أمام أول سؤال يخرج عن النمط المتوقع، لأنه لم يتعلم أن يفكر بل أن يستظهر.

03-        من حيث المبدأ الاخلاقي، الأستاذ الذي يدعي "البركة" و"العلم الرباني" لا يفعل شيئًا سوى استنساخ حكاية "سيدي حمران"، يقتات على أوهام يروج لها ويبيعها ليقتات منه.

بهذا المعنى، لا يتهافت الدرس الخصوصي لأنه مأجور، فالمؤسسة الرسمية أيضا مأجورة، وأرسطو نفسه أسس مدرسته برعاية فيليب المقدوني، بل يتهافت حين يستبدل حبّ الحكمة بـتجارة الوهم، يتهافت حين يبيع اليقين بدل أن يفتح السؤال، والطمأنينة الزائفة بدل الحيرة المنتجة، والوصفة الجاهزة بدل المساءلة الحرة.

ماذا يبقى من الفلسفة عندما تباع بالساعة؟

حين يستعيد نيشياما صورة سقراط، فإنه يضعنا أمام معيار حاسم، سقراط لم يكن يرفض الأجر لأسباب أخلاقية سطحية، بل لأن طبيعة الفلسفة نفسها تتنافى مع منطق البيع والشراء. يقول سقراط : «في الحقيقة، لم يكن لي تلميذ واحد قط... فلم أعد بتعليم أحد، ولم أعلم أحداً قط». فالله وحده يعلم كل شيء، أما سقراط فلا يسهم إلا في تهذيب النفس عبر إدراك الجهل.

هذا الإقرار بالجهل هو ما يجعل المطالبة بأجر أمراً مستحيلاً من الناحية الفلسفية. فمن يدرك أنه لا يعرف، كيف يبيع معرفة؟ في المقابل تقوم الدروس الخصوصية على افتراض أن المعرفة قابلة للتسعير والتسليم. وهنا ينهار الشرط السقراطي الأول للفلسفة.

ويستحضر نيشياما أيضاً الأصل اللغوي لكلمة مجانيgratuitus، التي تعني ما هو غير متحيز وبدون دافع. أي ان التعليم المجاني بهذا المعنى، ليس مجرد تعليم بلا مقابل مالي، بل تعليم يرفض أن يُسند قيمة اقتصادية للعلاقة بين التعليم والتعلم. والدروس الخصوصية تمثل النقيض الكامل لهذا المعنى.

من هنا نفهم لماذا يرى نيشياما أنّ إحدى مهام الفلسفة هي تسليط الضوء على مسألة المجانية، ليس فقط في المجال الاقتصادي بالمعنى الدقيق، بل أيضاً في مبادئ التبادل السياسي والأخلاقي والثقافي. فبيع الفلسفة بالساعة يعني في العمق، أنها لم تعد تمارس حريتها، بل أصبحت خاضعة لاقتصاد المعرفة الذي حاربه سقراط.

خاتمة

لا يمكن الادّعاء أن الدروس الخصوصية ستختفي غدا، فهي جزء من منظومة أوسع حولت التعليم إلى سوق لكن الفلسفة من سقراط إلى نيشياما، ومن قاعة الامتحان إلى حكاية مقام "سيدي حمران" قبر الحمار المسروق الذي تحول الى مزار لجلب البركة، حكاية رمزية تبقى قادرة على مساءلة هذه المنظومة من داخلها، لأن أدواتها الشك، والسؤال، وإدراك الجهل.

ليس الأهم هو إلغاء الدرس الخصوصي بقرار إداري، بل استعادة الوعي بأن الفلسفة، حين تمارس بحق تقاوم منطق السلعة أينما وجدت وتحارب في نفس الوقت الخرافة والغباء، وعلينا ان نتذر ان سقراط لم يعد أحدا بتعلم الفلسفة، ولم يبع معرفة جاهزة وثوقية ومع ذلك بقيت كلماته حية عبر القرون. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل ما زلنا قادرين على أن نجعل من الفلسفة ممارسة حرة، حتى داخل نظامٍ يحاول في كل لحظة أن يحوّلها إلى سلعة؟ لا شك ان الإجابة ليست معطاة مسبقا، لكنها تبدأ من رفض أن نتعامل مع الفكر كما نتعامل مع أي بضاعة أخرى ومن رفض أن نمول "ضريح سيدي حمران" جديدا في كل موسم بكالوريا.

***

عمرون علي

في المثقف اليوم