عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

محمد البطاط: المستشرق هاملتون جِب وتمازج الحيزين المعرفي والسياسي

لقد كان هاملتون جِب (1895-1971م) أحد أبرز المستشرقين البريطانيين المعاصرين، والذي ولد في مدينة الإسكندرية في مصر، إذ عمل أبوه آنذاك هناك كمسؤول للزراعة في شركة "أبو القير" لإستصلاح الأراضي، درس بجامعة إدنبرة في إسكتلندا وتخصص فيها باللغات السامية: العربية والعبرية والآرامية، ثم ألتحق خلال الحرب العالمية الأولى بالقوات العسكرية البريطانية كجندي في مدفعية الميدان الملكية.

كان جِب احد الكُتاب والمُشرفين على إصدار الطبعة الثانية من دائرة المعارف الإسلامية، وقدم الكثير من الإسهامات فيما يرتبط بالدراسات الإسلامية التي من أهمها (طريق الإسلام) و(الاتجاهات الحديثة في الإسلام)، و(المجتمع الإسلامي والغرب) المتكون من جزأين كتبه بالاشتراك مع هارولد براون، و(المحمدية- إستقصاء تاريخي) ، وقد سعى جِب في الكتاب الأخير إلى ان يقارب الديانة الإسلامية مقاربة تجعلها متطابقة مع الديانة المسيحية حتى في تجسيد التسميات ودور النبيين في كل منهما، الأمر الذي دفع ناقد الاستشراق الابرز إدوارد سعيد الى ان يرد عليه في كتابه (الاستشراق) بالقول "لن تجد مسلماً يدعو نفسه محمدياً"!،  إذ ان الدور الذي لعبه السيد المسيح (عليه السلام) في المخيال المسيحي لأتباع الديانة يختلف بطبيعة الحال عن الدور الذي قام به النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في عقيدة المسلمين، فقد إمتزجت المسيحية بشخص المسيح الذي إعتقدوا انه ابن الرب، وهذا ما لم يحصل في الإسلام، ولعل السبب الذي دفع جِب الى القيام بمقاربة كهذه هو لأنه كان ينظر الى الإسلام بمنظار سردية بعثات التبشير المسيحي.

ونتيجة لبروز الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر قوة دولية بعد  الحرب العالمية الثانية، وإستشعارها بأهمية تكثيف الدراسات الاستشراقية حول الميادين التي رأى صناع القرار فيها أنهم بحاجة الى تحصيل المعرفة اللازمة بخصوصها، تم في منتصف خمسينات القرن الماضي توجيه دعوة الى هاملتون جِب للعمل في أمريكا، ليستجيب جِب لها متولياً رئاسة مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة هارفرد، والذي لعب من خلاله دوراً مهماً في ترسيم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بمواقفها تجاه الشرق الأوسط عبر الدراسات والاستشارات التي قدمها حول العالم العربي والموقف من الصراع العربي- الإسرائيلي، ساعياً الى ان تقديم الآراء التي تخدم في محصلتها النهائية مصلحة إسرائيل وتأييدها.

لقد إنطلق جِب في دراساته، مثل كثير من المستشرقين، من إفتراض وجود "عقل عربي" او"عقل إسلامي" ثابت ومميز، وغير قادر على مواكبة "العقل الغربي" في التفكير والتخطيط والارتقاء، مما يبرز ان الاختلاف  ينبع من ذات العقلية التي تظهر التفاوت في التفكير المنطقي والعمليات الإدراكية التي تقوم بها، وبالتالي يتوصل جب الى عدم إمكانية التقارب بين العقلين الشرقي والغربي ما دام الفرق بينهما جينياً، ففي إحدى محاضراته في جامعة شيكاغو عام 1945م توصل جب الى ان الدارس الغربي يجد ظاهرة بالغة الصعوبة على الفهم، ألا وهي نفور المسلمين من التفكير العقلاني، وهي تعود الى ما تتسم به مخيلتهم من تقسيم وتفتيت، فالمخيلة الإسلامية مخيلة تميل الى الغيبيات، وكلما تفاقمت مساحة الميل نحو الأخيرة كلما قلت مساحة التعقل والنزوع نحو العقلانية، وهذه نتيجة لا تتسم بالمنطقية، إذ لا مرجح عقلي لوجود تباين عقلي بين سكان الشرق والغرب، إذ ربما تؤثر الظروف المحيطة وطبيعة أحوال المجتمع من حيث درجة التقدم او التأخر في طبيعة المنجز الذي يقدمه كل مجتمع، بيد ان هذا لا يعني ان العقل الذي يعيش في مجتمع متخلف هو اقل ادراكاً من العقل في المجتمع المتقدم.

إعتقد جِب ان  هناك حاجة ماسة الى الشرق في عالم الغرب، تتمثل في انه يشكل موضوعاً للدرس، في خضم حالة الصمت والإسكات التي تفرض على الذات المبحوثة في الاستشراق، ولا تتعدى قيمة الشرق عند جب هذا الحد، أما عن أية فائدة أخرى يمكن ان يقدمها الشرق للغرب  في المجال المعرفي فهو مما لا يعتقد بإمكانية وجوده الآني او المستقبلي، فالنتيجة النهائية التي وصل إليها هي الحكم بان الإسلام ظاهرة تشغل المرتبة الثانية في مجال الفن وعلم الجمال والفلسفة والفكر الديني مادامت هذه مستقاة من الغرب، وأما في مجال العلوم الطبيعية والتكنلوجيا فلم يكُ الإسلام في رأيه سوى قناة توصيل لعناصر لا يتفرد  بها الإسلام، هكذا يتم إيصاد الباب بوجه أية إمكانية لتشخيص علمي يعطي الإسلام والمسلمين حقهم في المنجز الذي قدموه عبر تاريخهم الطويل، كما يتم وبكل بساطة تسطيح ادوار أحد أهم تمظهرات الشرق بطريقة مغرقة في التبسيط والإهمال، لقد  سعى جِب في دراساته الى ان يؤطر الخطاب الاستشراقي بعين الثوابت الغربية حول الشرق، والتي تمركزت داخل الوعي الغربي منذ زمن ليس بالقريب، محاولاً إعادة تنميطها في القرن العشرين حتى تستمر في سهولة تقبلها ويُمتّن من أواصرها بما يجعلها غير قابلة للإزاحة والتغيير.

***

د. محمد هاشم البطاط