عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

أحمد بابانا العلوي: الحرب ومستقبل الشرق الأوسط.. بحث في الجذور والدوافع والمآلات

"إن للتاريخ الإنساني وجهة تدل عليها العقبات والعوائق، كما تدل عليها الدوافع والممهدات..".. (العقاد)

توطئة: إلى أين تسير أزمة الشرق الأوسط؟: السؤال مهم، وهو مفتاح لأسئلة أهم.. يمكن أن نستقرئ من خلالها المحتمل سياسياً، وذلك برصد العوامل المؤثرة في الأحداث الجارية.. ومتابعة حركتها المتجهة نحو المستقبل..[1].

إن التوصيف الدقيق لإبعاد الصراع على المستقبل الجيوسياسي للشرق الأوسط والوقوف عند جذوره وأصوله، ومراحل توسعه، يجدي لفهم هذه الأبعاد..، ولابد أيضاً من تحديد الأطراف الضالعة في صنع القرار المتصل بالأزمة الشرق أوسطية.. كما أن تحديد الأهداف القريبة أو البعيدة، التي تريد، أطراف الأزمة تحقيقها..، خلال إدارتها للأزمة.. انطلاقاً من موازين القوة بين الأطراف في المجالات السياسية والاقتصادية، والثقافية، وما تنتجه هذه الموازين في الحركة والمناورة، وفي المناخ المحيط بالمشكلة أو الأزمة، محلياً وإقليمياً ودولياً والأولوية التي تحظى بها..

إن الدور الأمريكي يعتبر الدور الرئيس في منطقة الشرق الأوسط.. وهو الذي أوجد موازين القوى العسكرية الطبيعية في المنطقة مما يطرح اختلالاً مخيفاً، أدى إلى إحساس إسرائيل بأن التحول التاريخي يشكل خطراً على وجودها، مما يدفع قادتها إلى النزوع إلى استعمال القوة العسكرية لوقف حركة التاريخ..[2].

ويمكن اعتماد على العوامل السالفة رسم صورة لمستقبل الشرق الأوسط.. وذلك برصد مسار الأزمة المتأرجحة بسن السلم والحرب.. ونظراً لأهمية المنطقة الاستراتيجية، علينا أن تقوم بتشخيص واقع الصراع العالمي وآفاقه المحتملة على المدى المتوسط أو البعيد.. بغية فهم التحولات العميقة على صعيد السياسة العالمية..

إن الطابع الأساسي في الصراع الدولي يتمثل في النزوع إلى استخدام القوة العسكرية على نطاق واسع، وتوحي جميع المؤشرات على أن اعتماد القوة كأسلوب لفرض التحكم على عالم مضطرب، وأوضاع تشكل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة في أرجاء العالم باعتبارها تمارس هيمنة عالمية في نظام "أحادي القطب" وهي القوة العظمى الوحيدة، والطرف الأقوى نفوذاً، بحيث تسعى إلى تحديد مصائر، وسياسات، أمم ودول أخرى..[3].

إن النزوع الأمريكي إلى ممارسة القوة العسكرية لتكريس الهيمنة الأحادية.. يواجه تحديات الأطراف الفاعلة في الساحة الدولية بهدف الخروج من نظام القطب الواحد الذي ساد العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي..

وبهذا الصدد يرى الفيلسوف "الكسندر دوغين" بأن روسيا سوف تعود لممارسة رسالتها القارية، التي تستخدم صيغة جديدة تأخذ بالحسبان جميع العوامل الجيوبولتيكية الجديدة.. ويمكن لإيران أن تساعد روسيا على حل مشاكلها الجيوبولتيكية، مع دول آسيا الوسطى.. كما يمكنها أن تقيم ذلك الشكل المتجانس استراتيجياً المرتبط بالإمبراطورية الأوراسية.. كما يمكن أن تلعب دورها في أراضي آسيا الوسطى..[4].

إن الصراع الجاري في العالم لم يعد حول المشكلة الاقتصادية بالدرجة الأولى، بل حول المشكلة الثقافية والحضارية، وبالتالي فإن عالم القرن الحادي والعشرين بتعدديته الثقافية والحضارية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية العسكرية الحديثة..، ترفض إمكانية التحكم الأحادي في النظام العالمي..، ومن ثم فإن الوعي بعالمية العالم يتطلب إعادة تشكيل النظام العالمي وتحقيق توازن استراتيجي... إن أزمة العالم تكمن في القطب الأمريكي وسيطرته على مصادر الاقتصاد والسياسة في العالم.. مما يهدد مصائر المجتمعات البشرية.. فلابد إذن من تغيير جيوسياسي واستراتيجي يخلص العالم من الهيمنة الأحادية البعد..

إن الحلم الأمريكي فقد جاذبيته، ولم يعد له من سند غير وهم الاعتقاد بإمكانية توظيف الابتكار التكنولوجي في سبيل قابلية التحكيم المحدودة أساساً بالحرب..

إن نزوع الولايات المتحدة إلى استخدام القوة العسكرية أداة من أدوات السياسة الخارجية يجب أن تكون وفقاً لمبادئ الحرب العادلة وقادرة على احتواء ذلك النزوع طبقاً لتلك المبادئ حتى تتجنَب الوقوع في وهم التحكم السياسي والعسكري..[5].

إن العمى الاستراتيجي والجهل بإبعاد الصراع الحضاري العالمي، يؤدي إلى الوقوع بأخطاء فادحة نتيجة عدم إلمام باستراتيجيات الصراع وأهدافه، من أجل تغيير وجه النظام العالمي..

إن الكثيرين في العالم العربي، والإسلامي، لا يفقهون شيئاً، عن طبيعة الصراع الجيوسياسي، والاستراتيجي وما سيترتب عنه على صعد سياسية واقتصادية.. وسوف نتناول في بحثنا محاولة سبر أبعاد الحرب على إيران، وذلك بالإلمام بجذور الصراع ودوافعه ومآلاته بقصد الفهم، ومحاولة الفهم من أصعب الأشياء في السياسة، وخاصة إبان التحولات الكبرى التي تتشابك فيها أزمة الحضارة الغربية، مع أزمة النظام العالمي..

1- الشخصية الإيرانية..

يقول المفكر علي شريعتي (1933/1977) في كتابه العودة إلى الذات بأن إيران القومية القديمة ذات جذور ضاربة في التاريخ جمع شتاتها الشاعر الفردوسي (329 هـ/ 416 هـ) في ملحمة (الشاهنامة) تصور شكل ثقافي قومي، مرتبط، بالمرحلة التي تكون فيها، التاريخ الإيراني التي شكلت القومية الإيرانية.. وهي مرتبطة بالمرحلة الأسطورية لأنها مجاورة لمرحلة ما قبل التاريخ..

القومية الإيرانية لا تحط من الاستقلال الثقافي، وهي مقرونة بالمجد والقدرة، والملامح القومية، والعرقية، لأنها في مرحلة كانت إيران السياسية التي تعتبر واحدة من الامبراطوريتين القوميتين في العالم المتحضر في ذلك الزمان، وكان امتداد امبراطوريتها يصل من ليبيا إلى السند، بل يمتد إلى الدانوب..

كانت الحضارة الإيرانية القديمة من أكثر الحضارات البشرية عالمية وتقدماً، فهي وريثة حضارات، ما بين النهرين (السومرية، والأكادية والبابلية، والأشورية..) وهي منافسة للحضارة اليونانية والرومانية.. كما أنها ساهمت في بناء الحضارتين الإسلامية والأوروبية..

وتحتوي الحضارة الإيرانية أربع حركات دينية كبرى (عبادة الشمس والزردتشية والمانوية والمزدكية) والتي تعد من أشهر الأديان والنحل في التاريخ.. المانوية وصلت حتى الصين شرقاً.. والمذهب الزردشتي فذو روح قومية، وتقليدية دينية، وأخلاقية، وتشريعية على قاعدة من النظام الطبقي والاقتصادي والزراعي.. (ص 414).

الثقافة القديمة لها عدة ملامح طبقية، وهناك أربع طبقات مغلقة (الإشراف والإقطاعين ورجال الدين والكتبة والحرفيين والمزارعين). لكل طبقة عالما مستقلاً مغلقاً على نفسه بتقاليده الاجتماعية وأشكال حياته وروابطه الفردية، وتبريراته المذهبية.. وطرز اللباس والزينة، والغذاء والمطبخ..

ولكل طبقة لغة خطاب، ولم تكن هناك لغة قومية واحدة.. (ص 415)، أي هذه العوامل ستشكل وحدة الأمة؟ (الأرض أم الدم أو الدين أو الحكومة..؟). إن أهم هذه العوامل وأقواها كان الرابط الديني الوثيق والقوي وهو الذي يكون آصرة روحية وتفاهماً فكرياً ومحفزاً لحفظ الحدود والثغور..

في عصر الساسانيين صارت الديانة الزرداشيية ديانة رسمية وقومية للدولة.. (ديانة الامبراطور الساساني والأمراء العسكرين..) ثم ظهر المذهبان القويان (المانوي والمزدكي) داخل إيران، بحيث ازدهرا بسرعة داخل المجتمع..

وجاءت المسيحية من الغرب فانتشرت واجتاحت المدائن عاصمة الساسانيين وفي الشرق انتشر مذهب بوذا في مدينة "بلخ" ومن بين سدنة المذهب أسرة البرامكة..

تجسدت وحدة الأمة في مبدأ "الشاهنشاهية"، أي عبادة الشاه وأصباغ صفة المحد الإلهي عليه..، وبهذه الطريقة خلقوا محوراً مشتركاً..، فبدلاً من "القومية" صنعوا "مركزية" أي بدلاً من الروح المشتركة، صنعوا ملكاً مشتركاً وهذا هو الفرق بين الأمة والامبراطورية.. وبالتالي فما يقوم اليوم باسم القومية، هو في الحقيقة مركزية أكثر من قومية.

إن حقيقة الثقافة الإيرانية القديمة المجملة في الأديان والآداب، والفنون، هي المجسدة للذوات الثقافية المعنوية. ذات الجذور الأصيلة في التاريخ (ص 417).

الإيرانيون تقبلوا الإسلام لأنه جاء بعقيدة وشريعة تستجيب لمتطلبات الجماعة البشرية في الصلاح والإصلاح والتقدم في الحضارة وأطوار الاجتماع.. والسمو بالروح إلى مدارج الكون في أوسع مداه..

وقف الإيرانيون في مواجهة سياسات حكم بني أمية التي أججت النزعة القومية الإيرانية كرد فعل على محاولة الطمس والتنقيص من الدور الثقافي والحضاري للأمة الإيرانية..

وهذه الحقيقة تدل على أن القومية منطقياً ليست مدرسة فكرية، بل ظاهرة جدلية تميزها في الظروف الحالية العالمية كأطروحة مضادة في مواجهة الأمبريالية الاستعمارية في شكلها السياسي والاقتصادي وبشكل خاص في شكلها الثقافي والفكري.. (ص 446).

الحرب القومية مضادة للإمبريالية.. والنضال القومي يطرح شعار المحافظة على الوحدة الوطنية.. والأخوة الدينية والأخوة الوطنية هي التي تضمن النصر في مواجهة الخطر الخارجي.. (ص 449)[6].

جملة القول أن محددات الشخصية الإيرانية في عالم متغير.. يمكن استخلاصها من الشعور بحقائق الجغرافيا، والتاريخ والدين.. وبمركزية الجغرافيا السياسية والسيادة القومية لإيران.. ومن هنا جاء التمسك بالحرية والسيادة والهوية.. واستثمار الموقع الاستراتيجي لتحقيق مصالحها وتعزيز موقعها الإقليمي وتأثيرها في المعابر المائية في الخليج..

وقد انبثق عن نموذج الشخصية الإيرانية في بعدها الديني والقومي تياران (إصلاحي ومحافظ) من خلالهما يتجلى التأثير السياسي في المجتمع والدولة..

في بداية الثورة غلبت الرؤية الإسلامية على توجه المجتمع والدولة، ثم بدأت أهمية النزعة القومية لإيران والتياران معاً يجمعون بين (إيران والإسلام)، أي أن ظهور إيران كقوة مؤثرة في الإقليم والعالم يخدم المصالح العليا للأمة الإسلامية..

والخلاصة أن الشخصية الواعية بدورها يجب أن تملك الأدوات، والقوة من أجل تحقيق الأهداف والمصالح والطموحات في الحاضر والمستقبل..

2- الصراع على إيران..

إن قوة إيران فرضتها الجغرافية السياسية والثروة البترولية.. مما أثار أطماع القوى النافذة على الساحة الدولية (الروسية والإنجليزية والأمريكية..) بغرض السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية..

تبقى الجغرافيا عاملاً أساسياً في تشكيل الحضارات الإنسانية والمجتمعات التي أسهمت في التراكم الحضاري، تأخذ في الاعتبار دور الجغرافيا كقوة مؤثرة في حركة التاريخ.. ويتجسد هذا في فهم المحيط الجغرافي..، فالجغرافيا هي حقيقة موضوعية تفسر الفعل الحضاري..

إن اهتمام الجيوسياسيين بأهمية الموقع الجغرافي لإيران يعود إلى أنه يمهد للسيطرة القارية، وذلك من خلال تقدمها من الشرق إلى الغرب..

إن الأساس الذي تقوم عليه خصوصية المنطقة في العصر الحديث هو نظام الدولة القومية..

كان القرن التاسع عشر قرناً أوربياً بدون منازع تجلى في الاستراتيجيات القومية والمشاريع الاستعمارية التي سيطرت على النصف الأول من القرن العشرين.. وقد ازدادت أهمية قارة آسيا الاستراتيجية نظراً لما شهدته الأوضاع الدولية من متغيرات كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.. كما أدت هذه التطورات إلى دخول القوى الإقليمية في منافسة لسد ساحات الفراغ الجيوسياسي، التي ظهرت في هذه المرحلة..[7].

ولا غرو أن الموقع الجيوسياسي ودخول إيران عصر النفط هما الدافع على الصراع في الشرق الأوسط.. وتعتبر مشكلة البترول من أهم المشاكل في بداية القرن العشرين، وقد تدخلت بريطانيا سنة 1906 لتحول دون وقوع البترول الإيراني في أيد غير بريطانية (إبان القرن التاسع عشر كانت إيران منطقة نفوذ يتقاسمها الانجليز والروس..).

سنة 1909 تكونت شركة البترول الانجليزية الفارسية لمباشرة الاستغلال..

وبدأت الحكومة البريطانية تهتم بآبار البترول في إيران.. لأن الشركة البترولية المرتبطة بالسياسة الاستعمارية البريطانية في جميع المجالات.. واهتمت الحكومة البريطانية بموارد البترول الإيراني لتموين الأسطول البريطاني العامل في المحيط الهادي وبحار الصين، والمحيط الهندي والبحر المتوسط بالقود اللازم..

سنة 1914 والحرب العالمية الأولى تلوح نذرها طلبت الحكومة البريطانية من الشركة أن تستعد لتلبية حاجيات الأمبراطورية، لقد حصلت الحكومة البريطانية على 52% من أسهم الشركة..

بعد نهاية الحرب أصبحت إيران الدولة الرابعة في إنتاج البترول، والثانية المصدرة للبترول في العالم.. وكانت تستحوذ على المصانع الأولى للتكرير في العالم.

وأهميته بترول إيران تعود إلى جودته ونوعه بالإضافة إلى المكانة الاستراتيجية لإيران على خطوط المواصلات بين الشرق والغرب..

في سنة 1921 دفع الانجليز رضا بهلوى قائد فيلق القوقاز إلى الحكم وقدم الرجل نفسه كمقلد لنموذج أتاتورك في تركيا (القومية والعلمانية والتحديث..)، في اطلاعه بتحقيق السيادة القومية عجز عن تخفيف القيود التي فرضتها الجغرافيا السياسية والثروة البترولية فخضع للهيمنة الانجليزية لدرء الخطر الروسي..[8].

طلب رضا بهلوي من الشركة البترولية البريطانية أن تعطيه بعض الامتيازات وحصة أكبر من البترول ونتجية لذلك نشب نزاع بين الشاه والشركة البترولية، وقد تمت تسوية الأزمة سنة 1933 بتوقيع اتفاق يرفع نصيب الحكومة الإيرانية إلى 20% ويمد العمل بامتياز الشركة ستين سنة..

استمر العمل بالاتفاق حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.. حيث عاد البترول الإيراني ليصبح الأداة الاستراتيجية الأولى للامبراطورية، وقد تضاعفت قيمته بدخول اليابان، ضياع موارد الشرق الأقصى، اعتمدت أساطيل الحلفاء وجيوشها في المنطقة على بترول إيران..

إن أهمية البترول وخطورته تعاظمت في الصراع الدولي الذي تبلور في كتلتين الحلفاء والمحور مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.. حيث أضحى من يملك منابعه، مالكاً لمفاتيح انتصاره في الحرب.. ومنذ ذلك الوقت والبترول يزداد أهمية على المسرح العالمي ليحتل المرتبة الأولى دون منافس في مجال الطاقة.. أصبح البترول شريان الاقتصاد الحديث وسلاح خطير في السياسة الدولية.. فالدولة المصدرة للبترول قادرة على استخدامه كسلاح ضغط في علاقاتها السياسية والإقليمية والعالمية..

هناك دراسات وبحوث كثيرة حول الدور الحيوي للبترول في المجالين الاقتصادي والسياسي.. لقد أصبح البترول عصب الحرب، بدون منازع.. وهو الذي أجّج لهيبها..

لقد كفل بترول إيران القوة للحلفاء وقواتهم المسلحة.. وكان لبترول إيران الفضل الأول في نصر الحلفاء.. ونتيجة لأهمية البترول اجتاحت بريطانيا وروسيا إيران واحتلاها.. وتم خلع رضا بهلوى من العرش سنة 1941.. وبعد انتهاء الحرب بلغ إنتاج البترول الإيراني (160 مليون برميل). وبدأ يقترب من الإنتاج الروسي (180 مليون برميل).

ثم توسعت معامل التكرار في عبدان لترفع من طاقتها.. وأصبحت للشركة أكبر أسطول مصانع تكرير في العالم.. وتحولت الشركة الانجليزية الإيرانية إلى دولة داخل الدولة.. وكانت المطامع والدسائس تتربص دائماً بترول إيران..

بدأت دوافع الصراع حول إيران تتوضح بعد الدعوة إلى تأميم البترول من طرف الزعيم الديني الكبير أية الله كشاني (1882/1962) ومحمد مصدق (1882/1967) رئيس الوزراء في الفترة (1952/1953).

كان الهدف من التأميم أن يحقق السيادة القومية على الثروة الوطنية..

أدت أزمة البترول في الخمسينات من القرن الماضي إلى مصرع رئيس الوزراء الإيراني المعين الجنرال (روم آراه) الذي حظي بدعم من الانجليز والأمريكان باعتباره الرجل القوي القادر على مواجهة الأزمة في إيران..

رفض مجلس النواب تعيينه، واعتبره صنيعة الانجليز والأمريكان، جاء لخدمة مصالحهم في إيران..

وكانت المشكلة الكبرى التي يراد من الجنرال القوي مواجهتها هي مشكلة تأميم البترول.. كان صوت آية الله كشاني هادراً يدوي في جميع الأرجاء ضد أي اتفاق مع الانجليز، ومطالباً بخروج الانجليز وتأميم الثروة البترولية..

كان آية الله شكاني (النائب في مجلس النواب) وراء إنشاء الكتلة الوطنية في مجلس النواب التي تتكون من عشرة نواب برئاسة محمد مصدق..

كان هدف آية الله الكشاني أن يصبح البترول ملك للشعب الإيراني، دون شريك.. كما كان يدعو إلى إخراج الانجليز من جميع البلدان الإسلامية.. لما وقع الجنرال (المعين رئيساً للوزارة في شهر مارس 1951) صريعاً في ساحة مسجد الشاه بقلب العاصمة طهران.. صرح كشاني بأن الهدف من الاغتيال كسب معركة تأميم البترول..

كانت عيون الانجليز والأمريكان والروس مفتوحة على ما يجري في إيران في هذه الفترة.. فالصراع بين هذه الدول الثلاث على إيران كان شاملاً.. فاهتمام الانجليز بإيران ينصب على البترول.. فشركة البترول البريطانية كانت كل شيء في إيران..

تعين الوزراء وتقيلهم، وتساهم في الترشيح لمجلس النواب.. وكانت تملك نفوذاً قوياً على رؤساء القبائل، خاصة في الجنوب... (قدمت لهم ثلاثة في المائة من أسهم الشركة هدية لهم لكي تضمن ولاءهم وحمايتهم لمصالح الشركة وأنابيبها الممتدة في الصحارى..).

إن اهتمام روسيا (الاتحاد السوفياتي) بدأ منذ زمن بعيد، ويرجع إلى وجود حدود مشتركة طويلة بين روسيا وإيران وشراكة في التجارة والبترول..

كما أن الموقع الاستراتيجي لإيران هو الذي كان يثير شهية اهتمام الروس بإيران، لهذا أوجدوا لهم أعوان وجواسيس للدفاع عن مصالحهم..

أما اهتمام الولايات المتحدة بإيران، فالأهداف الرئيسية لأمريكا تتلخص في الهيمنة على الشرق الأوسط وفي السيطرة على البترول.. ويريدون أن تكون إيران قاعدة للدفاع عن المصالح الأمريكية والغربية..

كان هناك صراع محتدم بين بريطانيا والولايات المتحدة حول موارد البترول في الشرق الأوسط.. وتسعى الشركات الأمريكية لمنافسة الشركات البريطانية في منطقة نفوذها، وكان بترول إيران موضع تنافس، وتطلع حاسم للولايات المتحدة لنيل حصتها من موارده.. وقد تم الاتفاق بين الشركات البريطانية والأمريكية على اقتسام الثروة البترولية لإيران[9].

وقد أوعزت المخابرات الأمريكية بانقلاب عسكري ضد حكومة مصدق قام به الجنرال فضل الله زاهدي أعادت الشاه إلى الحكم سنة 1954، وقد أبرمت الحكومة الانقلابية اتفاقية التزمت بموجبها منح امتيازات استخراج النفط للشركات الغربية لأجل مدته خمسة وعشرون عاماً..

بعد هذا الانقلاب استبدل الشاه الوجود الانجليزي بالسيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية الأمريكية..[10]. فالصدام مع الشركات الغربية إنما هو صدام مع حكومتها..

بعد حرب أكتوبر 1973 وأزمة البترول التي تمخضت عنها عادت لإيران أهميتها على الساحة الدولية..

استفادت من الزيادة في ارتفاع الأسعار بحيث بلغت ثروتها البترولية سنة 1975 (18,6 مليار دولار)، وبلغ حجم تصديرها للبترول الخام 9,6 مليار مكعب من الغاز.. وكانت تصدر سنويا 13,4 مليار متراً مكعباً للدول الأوروبية..

إيران إذن دولة من دول آسيا والمحيط الهندي تشعر بالقلق على أمنها.. خاصة بعد نجاح التجربة الذرية الهندية 1974. وأصبحت تتطلع امتلاك السلاح النووي.. تعاقدت مع فرنسا في أكتوبر سنة 1977 على مفاعلين نوويين، ومع الشركة ألمانية (كرفت وورك) على مفاعلين آخرين لإنتاج الطاقة.. وعقدت عدة اتفاقيات للتنقيب عن اليورانيوم..

وخصصت مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية مبلغ 340 مليون دولار سنوياً لإنفاقها في مجال التنقيب والأبحاث الذرية في إيران..

انزعجت الولايات المتحدة من هذا التوجه في السياسة الإيرانية.. بعد صعود الرئيس كارتر (1924/2024) للحكم وخلال رئاسته (1977/1981) لم يتحمس الأمريكيون لدعم سياسات الشاه من أجل أن يكون له دور مركزي في المنطقة..

اعتبرت الإدارة الجديدة أن الشاه استهلك وأدى الغرض المطلوب منه.. وبدأ مخططوا الاستراتيجية يفكرون في إعادة ترتيب الأوراق وتأكيد من ثبات أقدامهم في مناطق نفوذهم في العالم.. وللمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.. وكانت إيران في مقدمة اهتمامات الولايات المتحدة باعتبارها إحدى المناطق العازلة بين الشرق والغرب.

وتعتبر الحارس اليقظ لمعابر البترول.. بالإضافة إلى أنها الشرطي الموكول له، أمر الاستقرار في المنطقة والعالم..

كانت الولايات المتحدة، تريد أن تبقى نظام الحكم في إيران في قبضتها، مما يؤكد مخاوفها على مصالحها في إيران.. ويعمّق قناعتها بالبحث عن بديل يستجيب لمتطلبات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد حرب 1973 بين العرب وإسرائيل وما تلاها من معاهدة السلام..[11].

الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من الرؤية الاستراتيجية الأمريكية لإيران أنها يندرج ضمن سلم الأوليات للمصالح الحيوية الأمريكية وهما الشرق الأوسط، والنفط..

ومن تم، فإن هذه الرؤية تغفل أهمية إيران كدولة عريقة ابتكرت في فجر التاريخ نظام الدولة والإدارة وأمدت الحضارة العربية الإسلامية بالنظم في مجالات الحكم، كما أنها اشتقت من الإسلام مذهبا جعلت منه المرآة للضمير القومي..

ثم إن إيران رابع دولة منتجة للنفط في العالم وثاني دولة مصدرة، كما أنها أحد الأعضاء المؤثرين في سياسة الطاقة. إن كل دولة لها دور في منطقة تعتبر مركز الصراع العالمي، ولها ثروة يمكن أن تكون مطمعاً للطامعين، لابد لها من قوة..

إن إيران لديها ثروة تحرص على حمايتها ولديها دور تؤديه.. وسياسة تمارسها.. وليس هناك ثروة ولا دور أو سياسة بغير أمان القوة العسكرية[12].

وتأسيساً على ذلك، فإن الصراع على إيران، إنما يستهدف، ثروتها، وموقعها الاستراتيجي ودورها في الشرق الأوسط..

ومن نافل القول أنه لن يكون هناك استقرار وسلام مع تهديد أمة كاملة، في استقلالها ومصالحها ومعالم وجودها..

3- الصراع الجيوسياسي ومستقبل الشرق الأوسط..

لا يمكن فصل إيران عن جوارها، لا من حيث التراكم التاريخي، ولا من حيث الموقع الجغرافي.. فهي تحافظ على وحدتها وتجذرها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط. إن مفهومي "الشرق الأوسط" و"الشرق الأدنى" يحيلان إلى تمايز جيو ثقافي، من وجهة نظر أوروبية، أكثر من كونهما مصطلحين جغرافيين موضوعيين، ولذلك تغيرت خصائص الساحات، التي يحتويها مصطلحا الشرق الأوسط والشرق الأدنى..

فمصطلح الشرق الأوسط لا يحمل صفات موضوعية من ناحية التحديد المكاني، كما هو الحال ب"آسيا الوسطى" و"غرب أوروبا" و"شمال إفريقيا" التي تعتبر معياراً جغرافياً، عاماً..، بل يحمل خصائص مرحلية مرتبطة بعوامل تتغير، حسب الأطر الثقافية والسياسية، والاستراتيجية، والاقتصادية..، لهذا فإن تعريف هذا المصطلح، في إطار كامل يتطلب وضع المقاربات، ووجهات النظر الجيوثقافية والجيوسياسية والجيواقتصادية والجيواستراتيجية المختلفة في عين الاعتبار..

فمصطلح "الشرق الأوسط" إنما يتبع لتعريفات تختلف من زوايا النظر والأوضاع المختلفة..

إن تحديد هذه المنطقة بجهة الشرق أو باعتبارها من المناطق المتوسطة القريبة.. وفقاً للجهة التي تقوم هذا التحديد..

فمصطلح غرب آسيا يعتبر تحديداً جغرافياً موضوعياً، في حين أن مصطلح الشرق الأوسط أو الأدنى، لا يحمل معنى موضوعياً بالنسبة للأشخاص في الصين أو الهند، لأن المنطقة في اتجاه الغرب بالنسبة إليهم..

قام منظرو السياسة الغربية باشتقاق المصطلحان بشكل ذاتي، ويتضح ذلك من كيفية استخدامهم لها.. بداية استخدم مصطلح الشرق الأدنى كمصطلح سياسي أو جغرافي ويحمل هوية ثقافية أكثر من كونه ناتج عن الخصائص الجغرافية لهذه المنطقة..

وقد استخدم الجيوسياسي (ماهان) مصطلح الشرق الأوسط لأول مرة  يصف المنطقة التي تقع بين الجزيرة العربية والهند والتي تحمل أهمية كبيرة بالنسبة للاستراتيجية البحرية، وتحديد المنطقة التي تتخذ الخليج العربي مركزاً لها.. ويستند إلى خصائص استراتيجية..

اكتسب المصطلح انتشاراً واسعاً بعدما استخدم في عبارة قيادة الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى.. كصفة استراتيجية..[13].

الشرق الأوسط من الناحية الثقافية مهّد الحضارات وبؤرة تقاطع الحضارات وتلاقحها.. وأهمية المنطقة على الصعيد العالمي تتمثل في انتقال البضائع التجارية بين الشرق والغرب، وكذلك في نقل الثقافات والعقائد.. وتبادل المهارات والصناعات.

ونظراً لأهمية المنطقة من جميع الصعد، أصبحت السيطرة على الشرق الأوسط هدفاً لكل من يريد السيطرة على العالم..

وقد ظهرت العلاقة الوثيقة بين البنية الجيوسياسية والجيواقتصادية للشرق الأوسط بشكل واضح، خلال عملية تغيير معادلة التوازن التي شرعها التوسع الاستعماري الأوروبي..

وقعت منطقة الشرق الأوسط في مرحلة التوسع الاستعماري في ظل منافسة قوية بين الدول الاستعمارية للسيطرة عليها، وقد شارك في الصراع على الشرق الأوسط روسيا في سعيها للوصول إلى البحار الساخنة، وبريطانيا التي كانت تسعى للسيطرة على الموارد الاقتصادية والطرق المائية التي تؤدي إلى مستعمراتها وفرنسا التي كانت تسعى لتوسيع مجال مستعمراتها في صراع الهيمنة بينها وبين بريطانيا العظمى وألمانيا التي سعت ليكون لها حضور وتأثير سياسي في منطقة تعتبر المركز الرابط بين القارات..

لقد تحققت أهداف القوى الاستعمارية باقتسام أراضي المنطقة والاستلاء على مواردها الخام..

وقد أثرت البنية الاستعمارية والجغرافية السياسية التي أسندت إليها في مرحلة الحرب الباردة، والمرحلة التي تلتها.. وشهدت منطقة الشرق الأوسط أزمات وصراعات وحروب وتصدعات عميقة.. نتيجة الصراع بين الاتحاد السوفياتي الذي يسعى للتواجد السياسي والإيديولوجي في المنطقة، والولايات المتحدة التي سعت لاحتواء المنطقة كلها وضمها تحت سيطرتها ونفوذها ضمن حزام جيوسياسي يحمي مصالحها في مواجهة الخطر الجيوسياسي السوفياتي الذي يطوق الخليج العربي من خلال الضغط على التوازنات السياسية الداخلية في تركيا وإيران والعراق، وضمن هذه القطبية الجيوسياسية سيظهر بشكل متوازن توتر جيوثقافي وجيوسياسي في المنطقة..[14].

ويمكن أن نلخص الخصائص التي برزت للشرق الأوسط خلال مرحلة الحرب الباردة في النقط التالية:

1- وجود قطبية جيوثقافية ذات طابع إيديولوجي

2- البنية الجيواقتصادية المرتكزة على النفط..

3- وجود خط فصل جيوسياسي يعكس المنافسة الاستراتيجية الدولية..

4- ظهور ساحة مواجهة ثقافية – سياسية متصاعدة في المنطقة مع إنشاء إسرائيل..

وابتداء من عقد الثمانينات، بدأت الخصائص الأساسية للشرق الأوسط المرتبطة بالظروف الخاصة للحرب الباردة بالتغيير.. كما أنها اكتسبت سمات جديدة من خلال تحولها بشكل كامل بعد الحرب الباردة..

وتحول المنطقة من القطبية الجيوثقافية الإيديولوجية إلى قطبية ترتكز على محور ديني وحضاري، تهدف إلى تشكيل أرضية لقطبية دينية وثقافية في المنطقة..، من خلال المقاربات التي تتبناها منظروا وصانعوا السياسة الغربية وذلك بعد قيام الثورة الإيرانية.. بلغت دورتها في بحث "صراع الحضارات" ورؤية "نهاية التاريخ"، وكلها طروحات تركز على أن العالم الإسلامي كقطب مضاد يهدد المصالح الأمريكية والقيم الغربية..[15].

إن توكيد المرجعية الحضارية في الصراع على الشرق الأوسط ستكون له أهمية في القرن الواحد والعشرين.. ولابد أن يؤثر على البنية الجيوثقافية والجيوسياسية في المنطقة كلها..

لقد حدث تغير هام في مرحلة ما بعد الحرب الباردة جعل المنطقة مركزاً جيواقتصادي (المتمثلة في النفط) مع الموقع الجيوسياسي والتي وجهتها التوازنات الجيواستراتيجية المرتبطة بالنفط في عالم متغير..

إن المشكلات في عالم متغير تلقى بظلالها على جملة الصراعات الدولية التقليدية.. وفي غياب الاستقرار الجيوسياسي من شأن أي جهد أن يتعثر.. في عالم ينزاح فيه مركز الثقل من الغرب إلى الشرق لابد من اعتماد رؤية جيواستراتيجية شاملة، قادرة على التصدي لجملة التحديات المتمثلة في حدة الصراع الجيوسياسي على المنطقة بين القوى السائدة والقوى الصاعدة من أجل الاضطلاع بدور الشريك لشرق صاعد متزايد الحضور والنفوذ..

إن أزمة القوة التي يعاني منها العالم، ليست إلا نتيجة الانتقال الديناميكي لمركز نقل العالم من الغرب إلى الشرق، ولأفول نجم أمريكا وانحطاطها على المستويين الداخلي والدولي..، وقصور أدائها بوصفها القوة العظمى في العالم..

لقد أصبح العالم يحتاج إلى رؤية استراتيجية جديد للقرن الواحد والعشرين تتناول الواقع الاستراتيجي الجديد الذي تمخض عن التحول الحاصل في مركز ثقل القوة العالمية والدينامية الاقتصادية من الأطلسي باتجاه الهادي (من الغرب إلى الشرق) فلابد من النظر في أهلية القوة الأمريكية لقيادة العالم..[16].

إن تسليط الضوء على تعدد القوى الجيوسياسية سيؤدي إلى فرز القوى الأساسية الفاعلة سياسياً واقتصادياً على الصعيد الدولي.. إن عملية التحول الجارية على صعيد توزع القوة العالمية تجسدت في ارتقاء ثلاث قوى آسيوية سدة هرم السلطة العالمية وهي اليابان والصين والهند..

إن الولايات المتحدة رغم أنها ما زالت متفوقة ولكن قيادتها من مشروعيتها وفعالية بات موضع تساؤل متزايد على المستوى الدولي بسبب التحديات الداخلية والخارجية التي توجهها..

ثم إن هذا التفوق قد لا يدوم طويلاً..[17].

إن تدهور القوة الأمريكية، سوف تنتج عنه (انزياحات تكتونية بركانية..) ناسفة للاستقرار السياسي في الشرق الأوسط كله.. فسائر دول المنطقة، تبقى هشّة في مواجهة الضغوطات الداخلية، والاضطرابات الاجتماعية. إن إخفاق الحل للمشكلة الفلسطينية (بسبب السياسة الأمريكية في المنطقة) سيؤدي إلى تفاقم العداء في المنطقة لإسرائيل، وسيتطور النزاع إلى مجابهة العسكرية أوسع تشنها إسرائيل على إيران وتنجرّ إليها الولايات المتحدة..

ومن شأن الحرب على إيران أن تشحن النزعة القومية بعداء دائم ضد أمريكا، كما أن تضامن التيارات الإسلامية مع إيران من شأنه أن يفضي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي..[18].

إن تركز العداء في المنطقة على الولايات المتحدة يسمح لروسيا والصين بتوسيع دائرة مصالحهما في المنطقة.. كما سيتأثر أمن إسرائيل مما سيعرض بقاء إسرائيل على المدى الطويل للخطر..

كما أن موقف أمريكا ودعمها اللامشروط لإسرائيل لن يبقى مستنداً إلى التطابق الاستراتيجي.. وسوف يدفع هذا التدهور الأمريكي إلى النزوع إلى فك الارتباط مع المنطقة.. بسبب تحميل أمريكا مسؤولية الاضطرابات الإقليمية..

إن هشاشة دول الخليج العربي المدعومة أمريكياً، هي الأخرى مرشحة للتفاقم..، فمع تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، وزيادة نفوذ إيران في العراق بعد الغزو الأمريكي للعراق (2003) من شأن ذلك أن يحدث قلقاً لدى دول الخليج، مما يتعين عليها أن تبحث عن حماة جدد.. أكثر فعالية لأمنها..

كانت الولايات المتحدة لها حزمة من علاقات متينة، مع البلدان الأربعة الأهم، في الشرق الأوسط (إيران والسعودية وتركيا ومصر..) فكانت مصالح أمريكا آمنة... أما اليوم فإن نفوذ أمريكا مع هذه الدول متضائل إلى حد كبير.

- أمريكا وإيران في حالة عداء..

- السعودية بالغة الحساسية بالنسبة لسياسة أمريكا الإقليمية المتطورة..

- تركيا مستاءة من عدم التفهم الأمريكي لطموحاتها الإقليمية.

- الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل يجعل الموقف المصري مطبوع بالتوجس من أمريكا..

وإجمالاً فإن مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، متدهورة..، ومن شأن انحطاط الدور الأمريكي أن يجهز على مكانتها في المنطقة..[19].

إن دينامية العالم في القرن الواحد والعشرين قد تقود الإمبراطورية الأمريكية إلى مصير الامبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، وإن التحدي المركزي لأمريكا، ورسالتها الاستراتيجية خلال العقود المقبلة هو استعادة النشاط والفعالية والدفع بتوازن جيوسياسي في أوراسيا..

إن عالم القرن الواحد والعشرين أقل قابلية بقوة منفردة مهما كان جبروتها العسكري وعظمة نفوذها السياسي..[20].

إن غياب رؤية جيواستراتيجية سيُفضي إلى انحطاط الحلف الغربي وإلى تقهقر الحضارة الغربية نحو عصر جديد من الشمولية..

وإذا ما كانت الولايات المتحدة بلغت الذروة العظمى من القوة العالمية.. إلا أن التفوق في القوة يقترن كذلك بمسؤولية توحي بالرهبة بالنسبة للمستقبل..[21].

إن الخلاصة التي تُستخلص من دروس التاريخ أن الامبراطوريات إذا بلغت أوْجَهَا وتمامها، فإنها تبدأ في النقصان والانحطاط..

كما أن اختلال الرؤية الاستراتيجية وغياب رؤية جيو سياسية متوازنة هي التي أدت إلى فوضى في النظام العالمي نتيجة انفراد القوة الأمريكية بالهيمنة على العالم..

إن الحرب على إيران حرب حضارية تندرج ضمن استراتيجية الصراع على الشرق الأوسط بهدف إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة تمهيداً لقيام نظام عالمي جديد..

ومن المحتمل أن تتمخض الحرب على إيران عن حِلف ثلاثي بين الصين وروسيا وإيران مناهض للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط ويهدّد مكانتها العالمية..، ويستشرف آفاق عالم ما بعد الامبراطورية الأمريكية..

***

أحمد بابانا العلوي

.........................

[1]- محمد حسنين هيكل، (الحل أو الحرب/1977)، ص  12.

[2]- نفس المصدر، ص 19.

[3]- وهم التحكم القوة والسياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين، تأليف سيوم بزون تعريب فاضل حتكر، دار الحوار الثقافي، ط/1/12004، ص 18/19.

[4]- ألكسندر دوغين، أسس الجيوبولنيكا ومستقبل روسيا الجيولولتيكية/ دار الكتاب الجديد/ ط 1/ 2004/ ص 15/16.

[5]- وهم التحكم، مصدر سابق، ص 187.

[6]- اعتمدنا في صياغة أفكار هذا الفصل على كتاب المفكر علي شريعتي، العودة إلى الذات، ترجمة ابراهيم دسوقي شتا، ط 1، 2006.

[7]- أحمد داود أغلو، العمق الاستراتيجي (موقع تركيا ودورها في السياسة الدولية). ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل، نشر مركز الجزيرة، ص 228.

[8]- ميشيل فوكو، المقالات الإيرانية، ترجمة عبد الرحمن اوذكرى، دار تنوير، ط 1، 2020، ص 36/37.

[9]- اعتمدت فيما أوردته في هذا الفصل على كتاب محمد حسنين، هيكل إيران فوق بركان.

[10]- المقالات الإيرانية، ص 37.

[11]- اعتمدنا فيما عرضناه على كتاب إيران بين التاج والعمامة تأليف أحمد مهابة كتاب الحرية، ط 1، 1989.

[12]- محمد حسنين، هيكل زيارة جديدة في التاريخ، دارالشروق، ط 1، 2003، ص 326/237.

[13]- العمق الاستراتيجي، ص 156.

[14]- نفس المصدر، ص 161.

[15]- نفس المصدر، ص 162. بالنسبة للكتابات التي نظرت لهذه الطروحات يمكن الرجوع إلى كتب بريجنسكي وهنتغتون وفوكو ياما ورشارد فولك.. وغيرهم..

[16]- زبيغيو بريجنسكي رؤية استراتيجية (أمريكا وأزمة السلطة العالمية) ترجمة فاضل جنكر، دار الكتاب الغربي، ط 1، 2012،

ص 23.

[17]- نفس المصدر، ص 31.

[18]- نفس المصدر، ص 117.

[19]- نفس المصدر، ص 118.

[20]- نفس المصدر، ص 210.

[21]- رتشارد نكسون، نصر بلا حرب ، ط 2، 1989، ص 235.