آراء
ابتهال عبد الوهاب: تحالف الجهل والسلطة خراب للمعنى
المثقف بين الصمت والمقاومة
حين يتحالف الجهل مع القوة لا يعود الظلم حادثة عابرة بل يتحول الى نظام مستقر والى منطق يفرض نفسه بوصفه قدرا لا يسال. فالقوة في ذاتها ليست شرا ولا خيرا انها طاقة محايدة لا تكتسب معناها الا بما يسكنها من وعي او بما يفرغها منه الجهل. وحين تمنح هذه الطاقة لمن لا يرى ابعد من حدود مصلحته الضيقة تصبح سيفا اعمى يضرب في كل اتجاه بلا بوصلة اخلاقية ولا حس بالمسؤولية
اخطر اشكال الجهل ليس ذلك الذي يجهل فحسب بل ذاك الذي يرفض ان يتعلم ويخاصم المعرفة ويستبدل السؤال باليقين الزائف. انه جهل نشيط عدواني يتسلح بالقوة ليحمي اوهامه ويستخدم النفوذ ليسكت العقل ويستعين بالضجيج ليخفي خواءه وحين يمتلك هذا الجهل سلطة سياسية او نفوذا تقنيا او منبرا جماهيريا فانه لا يكتفي بتشويه الحقيقة بل يعيد تشكيل الواقع نفسه على صورة الوهم.
في هذا السياق تنهار العدالة لا لان الاقوياء ظلموا فقط بل لان العارفين صمتوا. فالصمت حين يطول يتحول من حياد مفترض الى تواطؤ غير معلن. وعندما ينسحب المثقف من المجال العام يترك فراغا لا تملؤه الحكمة بل تملؤه الاصوات الاعلى والاكثر تبسيطا والاشد تطرفا
هكذا لا تهزم العدالة بضربة واحدة بل تتآكل تدريجيا تحت وطأة القوة العمياء والجهل الواثق من نفسه
القوة بلا وعي اخلاقي لا تعرف الرحمة لانها لا تعرف الانسان انها ترى الافراد ارقاما والاختلاف تهديدا والسؤال جريمة اما المعرفة فهي النقيض العميق لهذا العمى ليست ترفا ذهنيا ولا زخرفة ثقافية بل فعل مقاومة انها القادرة على نزع الشرعية عن الوهم وكشف زيف الادعاء واعادة الاعتبار للحق والانصاف
ان مواجهة تحالف الجهل والقوة لا تكون بالعنف بل باصرار العقل على الحضور وبشجاعة السؤال وبمسؤولية الكلمة. فالمعرفة حين تقترن بالوعي الاخلاقي تصبح قوة مضادة لا تهدم بل تصلح ولا تقصي بل تنقذ وفي عالم يتكاثر فيه النفوذ اسرع من الحكمة يبقى الرهان الحقيقي على ان يستعيد العقل مكانه وان يرفض المثقف الصمت لان العدالة لا تحمى الا حين تجد من يدافع عنها باسم الانسان لا باسم القوة
وفي النهاية يبقى الخطر الحقيقي ليس في ان يمتلك الجاهل قوة بل في ان تترك هذه القوة بلا مساءلة وبلا عقل يواجهها فالتاريخ لا يصنع فقط بايدي الطغاة بل ايضا بتخاذل من كانوا قادرين على الفهم ولم يفعلوا وعلى الكلام فاثروا الصمت ان العدالة لا تموت فجاة بل تختنق ببطء حين يسلم مصيرها للقوة العمياء ويقصى عنها الوعي
لهذا فان الدفاع عن المعرفة ليس ترفا فكريا بل واجبا اخلاقيا وموقفا وجوديا في وجه الفوضى فحين يتقدم العقل تتراجع الوحشية وحين يرفع السؤال يسقط الوهم وحين يتكلم المثقف تفقد القوة الجاهلة قدرتها على الادعاء
ان انقاذ العدالة يبدا من هنا.. من كسر الصمت ومن تحويل المعرفة الى فعل والوعي الى مقاومة حتى لا يظل الجهل سيدا ولا تبقى القوة بلا روح
وفي قلب هذا الصراع بين الجهل والقوة ينهض دور المثقف الحقيقي بوصفه ضمير المجتمع لا زينته ولا صوته الدعائي. فالمثقف ليس شاهدا محايدا على الخراب ولا مراقبا باردا لتاريخ يصنعه غيره بل هو فاعل اخلاقي يحمل مسؤولية الكلمة حين تصبح الكلمة فعلا وموقفا. انه من يرفض ترويض عقله او تأجيره للسلطة او تدجينه بالشهرة ويصر على ان يبقى وفيا للحقيقة حتى حين تكون مكلفة.
المثقف الحقيقي هو من يقف في المسافة الصعبة بين القوة والجماهير لا ليغازل هذه ولا ليخضع لتلك بل ليكشف الاوهام ويفضح التبسيط ويدافع عن حق السؤال في عالم يقدس الاجوبة الجاهزة. انه من يحول المعرفة الى وعي عام ومن يجعل التفكير حقا مشاعا لا امتيازا نخبويا ومن يدرك ان اخطر اشكال الخيانة ليست في الخطا بل في الصمت.
وحين يقوم المثقف بدوره لا تعود القوة مطلقة ولا الجهل مسيطرا فالكلمة الواعية تضع حدودا للبطش وتكسر هيبة الزيف وتعيد للعدالة معناها الانساني. هكذا لا يكون المثقف مكملا للمشهد بل شرطا لاصلاحه ولا يصبح وجوده ترفا ثقافيا بل ضرورة تاريخية لان المجتمعات لا تنقذها القوة وحدها ولا تحميها النوايا بل يحررها عقل شجاع يرفض ان يصمت حين يجب ان يتكلم.
***
ابتهال عبد الوهاب







