آراء
ابتهال عبد الوهاب: منابر الظلام وخرائط الوعي
تحليل فلسفي لسقوط الإخوان واعتراف أمريكا بأنها جماعه ارهابيه
وكأن مشروع قرار حظر جماعة الاخوان في امريكا ليس حدثا سياسيا عابرا، بل لحظة انكشاف كبرى، لحظة ترفع فيها الحقيقة غطاءها عن صفحة طويلة من الخداع، وتقول لنا: لقد تأخر وعيكم لكنه جاء.
كأن العالم وهو يتابع هذا القرار يفتح صفحة جديدة من كتاب قديم امتلأ بالحبر المسفوك والوعود المبتورة. ارتباك التنظيم اليوم ليس سوى رجع صدى لارتباك اعمق؛ ذلك الارتباك الذي اصاب وعينا الجمعي حين اكتشفنا متاخرين ان الخطابات التي قدمت لنا على انها نور وهداية لم تكن سوى اقنعة محكمة تخفي خلفها اطماعا سردية وجوعا للهيمنة.
لقد عرفنا الاخوان بعد ان خدعونا، ثم عرفنا في لحظة كشف مؤلمة ان السلفيين لا يختلفون عنهم الا في زاوية اللفظ وطريقة الاداء، وان الجميع يمكن ان يتحولوا الى دواعش تحت الطلب متى نادى المنبر او صرخ الراعي بسوط الفتوى. كان الطريق طويلا وشاقا، محفوفا بالالغام الفكرية؛ طريقا قادنا في النهاية الى تراث فقهي مفخخ بني في سياقات لم تراجع وترك ليتحول مع الزمن الى مخزن كبير للعنف الروحي والذهني.
الخطر الحقيقي لم يكن في التنظيمات وحدها، بل في النصوص المعطوبة التي غذت خيالها، والقراءات التي جعلت من الدين عباءة ومن الايمان جسرا للوصول الى السلطة. واعتماد الاخوان وغيرهم على الكذب والتدليس وتزوير وقائع التاريخ لا يكشف فقط عن خلل اخلاقي، بل عن هشاشة خطاب لا يستطيع الصمود الا اذا اطفأ نور الحقيقة. وكتم صوت العقل. واغلق ابواب النقد.
هذه الجماعات لا تعيش الا في الفراغات التي يتركها غياب الوعي، ولا تنمو الا في الظلال التي يصنعها الجهل. هي كائن يتغذى على الاسطورة ويخاف من الضوء ويختنق اذا حوصر بالسؤال.
ولهذا يصبح التوثيق فعلا فلسفيا قبل ان يكون فعلا سياسيا؛ مقاومة ضد النسيان وضد قابلية الخداع التي تتكرر في كل جيل.. كتابة الحقيقة ليست ردا على جماعة بعينها، بل مواجهة لفكرة كاملة عن العالم حاولت ان تتحول الى قدر.
نحن لا نوثق الاخوان وحدهم، بل نوثق مسار عقل عربي جرد من ادوات النقد، فانتج بعده كل هذه التشوهات التي لبست ثوب الدين. ولهذا يصبح التوثيق ضرورة، لا مجرد فعل بحثي او تاريخي؛ توثيق الافعال والاقوال والممارسات ولحظات السقوط التي سقطت فيها القداسات المصطنعة. ليس التوثيق انتقاما، بل وصية معرفية للاجيال القادمة، حتى لا تتكرر السقطة، وحتى يعرفوا ان الظلام لا يولد دفعة واحدة بل يتسلل قطرة قطرة من ثغرات لم نسدها ومن نصوص لم نسائلها ومن اصوات صدقناها لاننا احببنا الوهم اكثر مما احببنا الحقيقة.
في زمن تتبدل فيه الخرائط ويتهشم فيه كل شيء الا الذاكرة، يبقى فعل الكتابة في مثل هذا الموضوع مقاومة فلسفية وشهادة على عصر اختلطت فيه الحقيقة بالوهم. هو دعوة لوعي يقظ لا يخاف من مواجهة تراثه ولا من كشف عيوبه، لان امة لا تعترف بجراحها محكوم عليها ان تنزف الى الابد.
وما نكتبه اليوم ليس مرثية، بل دعوة الى معرفة لا تخضع، والى وعي لا يستدرج، والى امة تنظر في مرآتها بلا خوف. فالتاريخ لا يرحم من يتهربون من مواجهة ظلالهم ولا الامم التي تركت الخرافة ترسم حدود عقلها. وحده من يمتلك شجاعة النظر في الجرح يستطيع ان يكتب المستقبل بلا قيد ولا قناع.
***
ابتهال عبد الوهاب






