آراء
خليل الحمداني: العراق ومحنة الدولة المسروقة

تشريح بنيوي لتاريخ من الاغتصاب المنظم
المقدمة: من الفشل إلى السرقة – إعادة تعريف المحنة العراقية
كثيرًا ما يوصف العراق في أدبيات العلوم السياسية الغربية بـ"الدولة الفاشلة"، وهو توصيف يجانب الحقيقة ويختزل تعقيدها. الفشل يعني العجز عن القيام بوظائف الدولة الأساسية، لكن العراق لم يعجز فحسب، بل تم تفريغه من مضمونه وتوجيه جميع موارده ووظائفه لخدمة مشروع نخبوي مغلق. العراق ليس دولة فاشلة، بل هو دولة مسروقة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى مادي ملموس ورمزي عميق. لقد تمت مصادرة فكرة الوطن ذاتها وتحويلها إلى غنيمة.
لقد سرقت النخب الحاكمة، بمختلف تشكيلاتها التاريخية، أكثر من النفط والمال؛ لقد سرقت الذاكرة الجمعية للشعب، وصادرت حقه في التاريخ، واحتكرت مؤسسات الدولة لتحولها من فضاء عام يجب أن يجمع المواطنين على أساس المواطنة المتساوية، إلى كيان مغلق أشبه بحلقة مسلحة تُدار بعقلية الغنيمة والاستحواذ. لم تُسرق الأرض وحدها، بل سُرقت الحقوق، الهوية، الكرامة، وحتى المستقبل. لقد تحول المواطن من غاية للدولة إلى مجرد أداة قابلة للاستهلاك في آلة السلطة وقودًا للحروب ومصدرًا للريع.
محنة العراق، إذن، ليست مجرد سلسلة من الأزمات العابرة أو سوء إدارة عارض، بل هي نتاج مسار تاريخي طويل ومتراكم. مسار تشكّل من لحظة تأسيس الدولة الحديثة في عشرينيات القرن الماضي على أنقاض ولايات عثمانية، مرورًا بالأنظمة الشمولية والعسكرية، وصولًا إلى نظام ما بعد 2003 الذي جعل من المحاصصة الطائفية والإثنية دستورًا غير مكتوب، ومن الفساد البنيوي نظامًا للحكم. هذه الورقة تسعى إلى تشريح هذا المسار، وفك شيفرة "السرقة" كمفهوم مركزي لفهم المأزق العراقي، وصولًا إلى إمكانيات الاستعادة والخلاص.
المحور الأول: الدولة كاختراع استعماري – البذرة الأولى للسرقة المنظمة
لم تكن ولادة الدولة العراقية الحديثة عام 1921 لحظة تلقائية أو تعبيرًا عن إرادة جمعية، بل كانت مشروعًا مصممًا لخدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية في حقبة ما بعد سايكس-بيكو. لقد رأت بريطانيا في "الدولة" الوسيلة المثلى لإدارة المنطقة بأقل التكاليف، فأنشأت كيانًا إداريًا-أمنيًا يضمن حماية طرق المواصلات، ويحفظ التوازنات الإقليمية، ويصدر النفط، ويقمع أي تمرد محتمل. لم يكن الهدف بناء عقد اجتماعي أو صياغة هوية وطنية جامعة.
كما يحلل المؤرخ حنّا بطاطو بدقة في عمله المرجعي، تشكلت الدولة العراقية كـ"مركّب فوقي" مفصول تمامًا عن قاعدته الاجتماعية. لقد بُنيت من الأعلى، بوساطة نخب حضرية – ملكية – إقطاعية مرتبطة عضوياً بالمشروع الاستعماري، واعتمدت في بقائها على جهازين رئيسيين: الجيش والبيروقراطية. لم تكن هذه الأجهزة لخدمة الشعب، بل كانت أدوات للسيطرة وإخضاع المجتمع، خاصة الفلاحين في الأرياف والقبائل، الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة من السكان (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية العراقية، ج1، ص 41).
هذه البداية "المغشوشة" جعلت الدولة أشبه بـ"شركة أجنبية" مسيطرة على أرض محتلة، أكثر منها تجسيدًا لإرادة وطنية. المجتمع، بكل تنوعه، لم يكن شريكًا في صياغة هذا الكيان، بل كان متلقيًا سلبيًا لأوامره وإكراهاته. لقد جرى تجنيده في الحروب، وفرضت عليه الضرائب، واستُخرجت ثرواته، دون أن يُمنح حق المشاركة في القرار أو المحاسبة. من هنا، يمكن الجزم بأن أول وأكبر سرقة في تاريخ العراق الحديث كانت سرقة حق المجتمع في الدولة. لقد سُلب الشعب حقه في أن يكون صاحب السيادة، في أن يكون مصدر السلطات، وتحول إلى رعية في مملكة نخبوية مغلقة.
لم يكن النظام الملكي نظامًا ديمقراطيًا بالمعنى الحقيقي، رغم وجود برلمان وشكل من أشكال التعددية. لقد كان ديمقراطية النخب، حيث تداولت العائلات السياسية نفسها السلطة تحت رعاية البريطانيين. لقد كانت "الدولة" هي الإطار الذي تمت فيه شرعنة عملية النهب هذه، حيث تحولت الأراضي الزراعية الشاسعة إلى أملاك لإقطاعيين موالين، بينما ظل الفلاحون يعيشون في حالة من العبودية شبه الإقطاعية. لقد سرقت الدولة المستقبل منذ لحظة ولادتها.
المحور الثاني: الجمهوريات والانقلابات – تطور آلة السرقة وتركيزها
مع سقوط الملكية في انقلاب 14 تموز 1958، بقيادة عبد الكريم قاسم، بدا للكثيرين أن العراق مقبل على ولادة جديدة، على ثورة حقيقية تعيد الدولة إلى أصحابها. حاول قاسم، ولو جزئيًا، كسر احتكار النخب القديمة للسلطة، من خلال سياسات إصلاح زراعي وتأميم جزئي ومحاولة بناء قاعدة اجتماعية جديدة تعتمد على الفلاحين والعمال والطبقات الوسطى الصاعدة. لكن هذه التجربة، رغم أهميتها الرمزية، كانت قصيرة وهشة.
الانقلابات المتعاقبة (انقلاب 1963 الدموي، وانقلاب البعث في 1968) أعادت الأمور إلى نصابها، بل وطورت من آليات السرقة ومركزتها. تحولت الدولة من أداة في يد طبقة إقطاعية-تجارية إلى أداة في يد حزب واحد، شمولي، يسيطر على كل مفاصل الحياة. لقد تم تفريغ مفهوم الجمهورية من مضمونه وتحويله إلى غطاء أيديولوجي لاستبداد أفظع.
في عهد حزب البعث، وخصوصًا في فترة صدام حسين (1979-2003)، بلغت عملية "تخصيص الدولة" أو "سرقتها" ذروتها الكاملة. لم يعد الفساد مجرد انحرافات فردية، بل أصبح نظامًا للحكم. لقد تحولت الدولة بأكملها إلى ملكية خاصة لعائلة حاكمة وحاشية ضيقة. الجيش تحول من مؤسسة وطنية إلى حرس خاص للسلطة. الأجهزة الأمنية المتعددة (المخابرات، الأمن الخاص، الاستخبارات العسكرية) أصبحت أدوات للقمع الداخلي وترويع المجتمع، وضمان استمرار عملية النهب دون معارضة.
الثروة النفطية، التي شهدت طفرة كبيرة في السبعينيات، لم تكن نعمة، بل لعنة في ظل هذا النظام. كما يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بوضوح، فإن "موارد النفط الضخمة لم تُستثمر في التنمية المستدامة أو بناء اقتصاد منتج، بل تم توجيهها نحو تمويل الحروب والتسلح وبناء جهاز أمني ضخم، ما أدى إلى تدهور غير مسبوق في مؤشرات الرفاه الاجتماعي والتعليم والصحة" (التنمية البشرية في العراق، 2002، ص 22).
لقد استخدمت السلطة النفط لتمويل حرب مدمرة ضد إيران (1980-1988) استمرت ثماني سنوات، ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الشباب العراقي، وأدت إلى تدمير البنية التحتية وتراكم ديون هائلة. ثم لتمويل غزو الكويت (1990) وما تلاه من حرب وحصار. النفط، الذي كان يمكن أن يكون أداة لتحرير العراق ورفاهيته، تحول إلى أداة لاستعباده وتدميره. بهذا المعنى، لم يكن المواطن شريكًا في الدولة، بل أصبح رهينة عندها. سُرقت حياته، طاقاته، مستقبله، وطموحاته لصالح مشروع سلطوي شمولي مجنون.
المحور الثالث: الحروب والعقوبات – تفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل السرقة إلى ثقافة جماعية
إذا كانت المرحلة البعثية قد حولت السرقة إلى سياسة دولة منظمة، فإن الحروب والعقوبات الدولية التي أعقبت غزو الكويت عملت على إدخال السرقة إلى شرايين المجتمع نفسه، لتصبح جزءًا من ثقافته وآليات بقائه. لقد مثلت هذه الفترة تحولاً جذريًا من "دولة المسروق" إلى "مجتمع المسروق".
الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) لم تسرق فقط أرواح جيل كامل من الشباب، بل سرقت إمكانات التنمية لعقدين كاملين. لقد استنزفت الاقتصاد والمجتمع وأدخلت العراق في دوامة من العنف والعسكرة. لكن الكارثة الحقيقية جاءت مع حرب الخليج الثانية (1991) والعقوبات الدولية الشاملة التي فرضها مجلس الأمن عليها. هذه العقوبات، التي استمرت 13 عامًا، كانت أداة عقاب جماعي لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث.
كما وثقت منظمات دولية عديدة، كان الأطفال والضعفاء هم الضحايا الرئيسيون لهذه السياسة. يصف تقرير صادر عن اليونيسف الوضع بالمأساوي: "العقوبات الاقتصادية ألحقت ضررًا شاملاً بالنسيج الاجتماعي العراقي وأدت إلى انهيار كامل تقريبًا في الخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه النظيفة والتعليم" (UNICEF, Iraq Child and Maternal Mortality Survey, 1999, p. 6). تشير التقديرات إلى وفاة أكثر من نصف مليون طفل نتيجة سوء التغذية ونقص الأدوية والرعاية الصحية.
هذا الانهيار المنظم خلق تحولاً جذريًا في البنية الاجتماعية. الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل عماد الدولة الحديثة وضامن استقرارها، تآكلت تمامًا. انهارت قيمة العمل والوظيفة والكفاءة، لتحل محلها قيم جديدة قائمة على النجاة الفردية. انتشرت ظواهر التهريب، الرشوة، المحسوبية، والتجارة السوداء كآليات وحيدة للبقاء. لم يعد الفساد جريمة، بل أصبح مهارة. لم تعد السرقة حكرًا على الدولة، بل انتشرت كوباء في جسد المجتمع.
لقد انتقل العراق من كونه "مجتمع التضامن القسري" تحت حكم شمولي، إلى "مجتمع البقاء بأي ثمن". لقد سرقت العقوبات من العراقيين إنسانيتهم وقيمهم الاجتماعية، وحولتهم إلى كائنات فردانية نفعية، تتصارع على الفتات. هذه السوسنة الاجتماعية هي أخطر ما خلفته تلك الحقبة، لأنها خلقت التربة الخصبة لاستمرار نهب الدولة حتى بعد سقوط النظام الذي أوجد هذه الظروف.
المحور الرابع: 2003 وما بعدها – ولادة الدولة المسروقة الحديثة: المحاصصة كمنهجية للنهب
جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تحت شعارات ديمقراطية براقة، لكنه في حقيقته كان استكمالاً لمأساة السرقة، وإن بأدوات وأيديولوجيات جديدة. بدلاً من أن يكون لحظة تحرير حقيقية، كان لحظة تفكيك كامل للدولة والمجتمع. لقد حل الاحتلال محل الدكتاتورية، لكنه لم يؤسس لدولة القانون، بل أسس لنظام طائفي-إثني مغلق، جعل من السرقة منهجية حكم مؤسسية.
القراران الأكثر جرمًا اللذان اتخذهما الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر كانا: أولاً، قرار حل الجيش والمؤسسات الأمنية، الذي لم يفكك فقط مؤسسات الدولة السيادية، بل خلق فراغًا أمنيًا هائلاً وجيشًا من العاطلين المسلحين الغاضبين، مما فتح الباب على مصراعيه للحرب الأهلية والميليشيات. ثانيًا، قرار "اجتثاث البعث"، الذي لم يستهدف مجرمي النظام السابق فحسب، بل طال عشرات الآلاف من الكفاءات الإدارية والأكاديمية والعلمية التي كانت تدير الدولة، حتى من غير المنتمين للحزب. لقد كان هذا القرار عملية "إعدام ممنهج للدولة العراقية".
على أنقاض الدولة المفككة، تم تأسيس "مجلس الحكم" الذي رعاه الاحتلال، والذي قام على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية الصريحة. لم يتم توزيع المناصب على أساس الكفاءة أو البرنامج السياسي، بل على أساس الانتماء الطائفي أو القومي. هذه الآفة، التي أصبحت الدستور غير المكتوب للعراق الجديد، حولت الدولة من كيان يجب أن يخدم جميع مواطنيه إلى كعكة يجب تقاسمها بين الأحزاب والجماعات المتنفذة.
كما يصف تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بدقة، فإن النظام السياسي بعد 2003 هو "نظام قائم على المحاصصة الطائفية يقوّض بشكل منهجي بناء المؤسسات المستقلة ويضعف سيادة القانون ويعيق أي إصلاح حقيقي" (يونامي، التقرير السنوي 2019، ص 14).
في هذا النظام، لم تعد الوزارات مؤسسات حكومية تقدم خدمات للمواطنين، بل أصبحت "إقطاعيات" سياسية ومالية للأحزاب المكونة لها. كل حزب يسيطر على وزارة أو أكثر، ويستخدم موازنتها ووظائفها ومشاريعها لتمويل نفسه وتوظيف أتباعه وبناء شبكات زبائنية. النفط، الذي يشكل أكثر من 92% من إيرادات الدولة (البنك الدولي، التقرير الاقتصادي للعراق، 2020، ص 7)، لم يعد أداة للتنمية، بل أصبح أداة لإعادة توزيع الثروة عبر آلية المحاصصة والفساد. لقد تحول إلى ريع مالي يوزع على النخب الحاكمة لشراء الولاءات وإسكات المعارضة وإدامة النظام الفاسد.
الأحزاب الحاكمة لم تكتف بالسيطرة على الدولة، بل أنشأت لها أذرعًا عسكرية (ميليشيات) وأذرعًا اقتصادية (شركات ومقاولات وهمية) وأذرعًا إعلامية (قنوات فضائية ومواقع إلكترونية). لقد أصبحت هذه الكيانات دولة داخل الدولة، تسيطر على الأرض والاقتصاد والإعلام، وتتنافس على النهب بشكل يذكرنا بعصابات المافيا. المواطن في هذا النظام لم يعد مواطنًا، بل أصبح "زبونًا" في سوق الولاءات، أو ضحية يتم استنزافها يوميًا.
المحور الخامس: السلطة بوصفها جهاز قمع لا جهاز تنظيم – السرقة بالقوة
عندما يخرج المواطنون ليحتجوا على السرقة، على غياب الخدمات، على البطالة، على الفساد، تكون الآلة القمعية للدولة المسروقة جاهزة لسحقهم. هذا هو التجلي الأوضح لمعنى السرقة: حين يُسرق منك حتى حقك في الصراخ بأنك تُسرق.
كانت انتفاضة تشرين/أكتوبر 2019 هي الصرخة المدوية لجيل لم يعد يطيق أكثر من ذلك. جيل ولد ونشأ في ظل نظام المحاصصة والفساد، ولم يعرف سوى الدولة المسروقة. خرج مئات الآلاف من الشباب إلى ساحات بغداد والمحافظات مطالبين بوطن حقيقي، بوظائف، بخدمات، بإنهاء الهيمنة الإيرانية، وبمحاسبة الفاسدين. كانت لحظة تاريخية حاول فيها المجتمع استعادة دولته المسلوبة.
لكن رد الدولة المسروقة كان وحشيًا. كما وثقت بعثة الأمم المتحدة (يونامي) بتقارير مفصلة، استخدمت القوات الحكومية والميليشيات التابعة للأحزاب "القوة المفرطة والمميتة والاعتقالات التعسفية والتعذيب وحتى الاغتيالات المستهدفة" ضد المتظاهرين السلميين (يونامي، تقرير حقوق الإنسان -- تشرين الثاني/نوفمبر 2019، ص 9). أسفرت هذه الحملة عن مقتل أكثر من 700 متظاهر وإصابة الآلاف خلال أشهر قليلة، فضلاً عن اختطاف ونزوح العديد من النشطاء.
هذه الأحداث لم تكن أعمال شغب، بل كانت عملية قمع ممنهج لأي محاولة لتغيير نظام المحاصصة القائم على السرقة. لقد أرسلت النخب الحاكمة رسالة واضحة: لن نتنازل عن غنيمتنا. السيادة ليست للشعب، بل لأولئك الذين يسيطرون على البنوك والميليشيات وموارد النفط. لقد تحولت الدولة من مفهوم "احتكار الشرعية في استخدام القوة" (كما عند فيبر) إلى "احتكار استخدام القوة لحماية عملية السرقة".
المحور السادس: العقل المصادَر والثقافة المُدجَّنة – سرقة المستقبل
أخطر ما في عملية السرقة الشاملة هذه هو أنها لم تستهدف المال والسلطة فقط، بل استهدفت العقل نفسه. لقد عملت الأنظمة المتعاقبة، وخصوصًا نظام ما بعد 2003، على تدمير النظام التعليمي والثقافي، وتدجين النخب المثقفة، أو تهجيرها، أو قتلها، لضمان عدم وجود أي صوت حر قادر على تحدي نظام السرقة.
الجامعات العراقية، التي كانت يومًا منارة للعلم في المنطقة، تعيش اليوم حالة انهيار بنيوي مروعة. كما يشير تقرير لليونسكو، فإن "العراق فقد أكثر من نصف كفاءاته الأكاديمية والعلمية منذ عام 2003 نتيجة للعنف الطائفي والتهجير والاستهداف الممنهج والهجرة الجماعية للعقول" (UNESCO, التعليم في العراق: التحديات والفرص، 2018، ص 17). لقد تم استبدال أساتذة الجامعات بالكفاءة والخبرة، بآخرين على أساس الانتماء الحزبي أو الطائفي. تحولت الجامعات من مراكز لإنتاج المعرفة إلى ساحات للصراع السياسي والمحاصصة.
النخب الثقافية والإعلامية، بدلاً من أن تكون صوتًا للضمير الجمعي ورقابة على السلطة، تحول جزء كبير منها إلى أبواق لتبرير الفساد وتمجيد الزعماء الطائفيين. إما خوفًا، أو طمعًا في منصب أو ريع. لقد تم اختطاف الخطاب الثقافي وتحويله إلى خطاب طائفي مقيت، يكرس الانقسام ويبرر السرقة تحت شعارات مزيفة عن "المظلومية التاريخية" و"الحقوق الطائفية".
بهذا المعنى، لم تُسرق الدولة الحالية فقط، بل سُرق مستقبل العراق. لقد سُرقت العقول التي كان من المفترض أن تعيد البناء، سُرق الإبداع، سُرق الأمل. لقد حولت آلة السرقة العراق إلى دولة بدون مشروع وطني، بدون رؤية للمستقبل، تعيش على إرث الماضي وتأكل نفسها في حرب الجميع ضد الجميع.
المحور السابع: الأمل المؤجَّل – انتفاضة الشباب كمحاولة لاستعادة الوطن
ورغم كل هذا الظلام، يبقى جيل انتفاضة تشرين 2019 شمعة أمل متقدة. هؤلاء الشباب والفتيات، الذين لم يعرفوا سوى دولة الفساد والمحاصصة، خرجوا إلى الساحات وهم يرفعون شعارًا بسيطًا في شكله، وجوديًا في مضمونه: "نريد وطن".
هذا الشعار لم يكن مجرد هتاف عابر، بل كان إعلانًا وجوديًا، بيانًا سياسيًا كاملاً موجزًا. كان رفضًا صريحًا لكل معادلات النظام القائم: رفض للطائفية، رفض للمحاصصة، رفض للفساد، رفض للتبعية، رفض لثقافة "الزبونية" و"الرعية". لقد قالوا بوضوح: نحن لسوا رعايا لأمراء الحرب، ولسنا زبائن في سوق الولاءات الطائفية، نحن مواطنون نريد دولة.
لقد أعاد هذا الجيل تعريف المقاومة: ليست مقاومة المحتل بالسلاح فقط، بل مقاومة النظام الفاسد بالكلمة والسلمية والتضحية بالدم. لقد قدموا نموذجًا للعراق الذي يحلمون به: عراق المواطنة، حيث يتساوى الجميع أمام القانون، حيث الهوية الجامعة هي الانتماء للوطن لا للطائفة، حيث الثروة توزع بعدل، حيث السيادة للشعب.
رغم أن الانتفاضة أخمدت بعنف، ورغم استمرار النظام القديم، إلا أن هذه الصحوة الشبابية أحدثت شرخًا في جدار الخوف، وزرعت بذرة التغيير. لقد أصبحت "ساحات التحرير" رمزًا لاستعادة الفضاء العام، واستعادة الحق في الحلم. إنهم يمتلكون السلطة الأخلاقية، وهم ورثة الشرعية الحقيقية للدولة التي يجب أن تكون.
الخاتمة: نحو استعادة الدولة – معركة الوجود والهوية
محنة العراق ليست قدرًا محتومًا، ليست لعنة تاريخية لا فكاك منها. إنها نتاج مسار سياسي واجتماعي خاطئ يمكن تصحيحه. استعادة الدولة المسروقة ليست مهمة مستحيلة، لكنها معركة وجودية طويلة الأمد، تحتاج إلى إرادة سياسية وشعبية وجهد منظّم. إنها تبدأ من إعادة تعريف الدولة نفسها: من كونها غنيمةً تُقتسم، إلى كونها عقدًا اجتماعيًا بين مواطنين أحرار، يوظفون سلطتها لخدمتهم.
هذه الاستعادة تتطلب، على أقل تقدير، العمل على أربعة مسارات متوازية وجذرية:
1. إصلاح سياسي جذري: يبدأ بإلغاء دستور المحاصصة الطائفية وكتابة عقد اجتماعي جديد يقوم على مبادئ المواطنة الكاملة والفصل الحقيقي بين السلطات وتداول سلمي للسلطة. إصلاح النظام الانتخابي ليكافح الزبائنية ويمنع وصول الفاسدين. تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها وإخضاع الجميع لسلطة الدولة القانونية.
2. إصلاح اقتصادي هيكلي: كسر التبعية الشاملة للريع النفطي الذي يمول الفساد ويشوه الاقتصاد. تنويع الاقتصاد، ودعم القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، السياحة)، ومحاربة اقتصاد الريع والفساد. إعادة توجيه ثروة النفط لبناء بنية تحتية حديثة وتطوير التعليم والصحة، وليس لتمويل شبكات المحاصصة.
3. إعادة الاعتبار للمواطنة: نزع الطابع الطائفي والإثني من هوية العراق الرسمية والشعبية. بناء هوية وطنية جامعة تعلي من شأن الانتماء للعراق فوق كل انتماء آخر. إصلاح النظام التعليمي ومناهجه لتعزيز قيم التسامح والمواطنة والتعددية. محاربة خطاب الكراهية والتمييز بكل أشكاله.
4. تمكين المجتمع المدني: دعم منظمات المجتمع المدني المستقلة، والنقابات، والإعلام الحر، كقوى رقابية مضادة للفساد والاستبداد. خلق فضاء عام حر يكون فيه الحوار والنقد ممكنًا. حماية الحريات الأساسية، خاصة حرية التعبير والتجمع السلمي.
كما تؤكد الأمم المتحدة نفسها، فإن "تحقيق أهداف التنمية المستدامة في العراق، وضمان مستقبل مستقر له، مشروط تمامًا بالإصلاح السياسي الجذري وإنهاء الفساد البنيوي ونظام المحاصصة" (UNDP, Sustainable Development Goals in Iraq, 2021, p. 12).
استعادة الدولة العراقية ليست مشروعًا سياسيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل هي معركة وجودية من أجل أن يمتلك العراقيون وطنهم من جديد. هي معركة من أجل أن تتحول الدولة من أداة للسرقة إلى أداة للتحرير، من أداة للقمع إلى أداة للخدمة، من أداة للتفكيك إلى أداة للبناء. إنها المعركة التي ستحدد مصير العراق لأجيال قادمة، وهي معركة لا بد أن تنتصر فيها إرادة الحياة.
***
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
باحث في مجال حقوق الإنسان
.....................
المصادر:
1. حنّا بطاطو، الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية العراقية، ج1، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1992.
2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، التنمية البشرية في العراق، 2002.
3. UNICEF, Iraq Child and Maternal Mortality Survey, 1999.
4. بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، التقرير السنوي 2019.
5. البنك الدولي، التقرير الاقتصادي للعراق، 2020.
6. بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، تقرير حقوق الإنسان -- تشرين الثاني/نوفمبر 2019.
7. UNESCO, التعليم في العراق: التحديات والفرص، 2018.
8. Transparency International, Corruption Perceptions Index 2022.
9. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP), Sustainable Development Goals in Iraq, 2021.
10. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، عدة أجزاء.
11. فالح عبد الجبار، العراق: الدولة الطائفية والمجتمع الديمقراطي.
12. عزيز الحاج، العراق دولة الميليشيات: من الاحتلال إلى داعش.
13. تقرير منظمة العفو الدولية، العراق: انتهاكات النظام القضائي وحقوق الإنسان، 2020.
14. تقرير البنك الدولي، فجوة التمويل والفساد في إعادة إعمار العراق، 2021.