هنا، ما زلتُ أرى مكانًا...
مكانًا شاغرًا تركته الشمسُ خلفها،
كأنها، قبل أن ترحل،
أرادت أن تترك لنا شيئًا من غيابها.
هذا الظلُّ مباحٌ للجميع،
ليس ملكًا لأحد،
ولا يُعرض للبيع.
لا أبواب له،
ولا حراس،
ولا أسوار تفصل بين عابرٍ وآخر.
حتى البحر،
ربما يلقي بظلّه ذات مساء،
كي يستريح الضوء قليلًا
من فرط انكشافه.
هنا،
لا ظلّ يحجب الضوء عن ظلّ،
ولا أحد يطالب الآخر
بمساحةٍ أكبر من العتمة.
فالذي تعلّم العيش في الظلّ
يصعب قتله؛
لقد اعتاد أن ينمو
بعيدًا عن عيون الذين يطاردون الضوء،
وأن ينجو
من دون أن يرفع صوته.
والذي يريد أن يرى الضوء
على حقيقته،
عليه أن يتراجع قليلًا...
أن يبتعد عن وهجه،
وأن ينظر إليه من جهة الظلّ؛
فليس كل ما يلمع حقيقة،
وليس كل ما ينكشف
جديرًا بالرؤية.
هناك،
في الظلال الوارفة،
تتنفّس الحرية بلا ضجيج،
وتخلع الأشياء أسماءها،
وتستعيد الكائنات
حقّها في أن تكون.
لا أحد يسأل العابرين
من أين جاؤوا،
ولا إلى أي جهة ينتمون.
يكفي أن يكون لهم ظلّ،
وأن يتّسع المكان لخطواتهم.
أمّا أنا،
فكلما اقتربتُ من الظلّ
ابتعدتُ عن صورتي،
وكلما توغّلتُ في عتمته
خفّ وزني على الأرض.
حتى إذا صرتُ تمامًا في الظلّ،
التفتُّ خلفي...
لم أجد ظلّي.
ربما كان قد سبقني
إلى جهةٍ أخرى من الحرية،
أو ربما،
حين اختفى الضوء عنّي،
لم أعد بحاجةٍ
إلى ظلٍّ يدلّ عليّ.
***
عارف عبد الرحمن








