عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

عبد القادر بوطالب: الكلب الأجرب

مند وقت ليس بالقريب، اعتدت أن أتوقف أثناء سفري من تطوان نحو فاس، في إحدى الغابات، لأتناول فطوري هناك، وتحول ذلك إلى طقس روتيني؛ لازم كل سفرياتي، لا أحيد عنه، أو أستغني عنه، غير أنه في إحدى المرات، وكنت رفقة زوجتي، توقفنا في نفس الغابة، فإذا بكلب أجرب يلوح لنا بين الأشجار، تكاد تظهر أمعاؤه من شدة الهزال، وقد تساقط شعره بفعل الجرب، تألمنا لحاله؛ وحزنا كثيرا، فاقتسمنا معه ما كان لدينا من طعام.

كنا نضع له الأكل في مكان بعيد عنا، فيقترب منه، ويأكل ثم يبتعد، وعندما كنا نشعر أنه مازال بحاجة للأكل، نتقدم نحوه لنزيده بعضا من الطعام، فكان يفر مبتعدا، استغربنا لحاله، كيف أنه رغم حالته الصحية المزرية، كلما اقتربنا منه فر هاربا وكلما ابتعدنا عاد مسرعا؟  وكرر ذلك مرات ومرات.

انصرفنا بعد أن اقتسمنا معه ما كان عندنا من طعام، وحين ابتعدنا قليلا عن الغابة، قالت زوجتي وفي صوتها الكثير من الحزن والألم على حال ذلك الكلب: " في المرة القادمة لن نجده هنا، حتما سيموت بعد أيام قليلة". لم أعلق على قولها، بقيت صامتا خلال الطريق، كان وضعه يثير الأسى، وينكسر له القلب.

مضت ستة أشهر بالتمام والكمال، وسفرنا كما اعتدنا، وعندما اقتربنا من الغابة، ولم يكن في نيتنا التوقف كما في كل مرة، إذ لم نكن نشعر لا بالتعب ولا بالحاجة إلى الأكل، غير أن زوجتي طلبت مني عدم الإسراع، كانت تريد أن تتأكد إذا ما ذلك الكلب الأجرب لا يزال على قيد الحياة، وأقسمت أغلظ الأيمان أنه إن كان حيا، نعطيه كل ما لدينا من طعام، نظرت إليها، وعلقت على قولها: «سبقت أن قلت في المرة السابقة إنه لن يعيش أكثر من يومين على أبعد تقدير، فماذا تقولين الآن؟ وقبل أن أكمل كلامي، صاحت: توقف... إنه هناك، قرب تلك الشجرة التي احترق جذعها".

كان الكلب الأجرب ما يزال على قيد الحياة، هو نفسه، لكنه ازداد هزالا وضعفا، أوقفت السيارة بعدما أن انحرفت عن الطريق قليلا، وجمعت كل ما كان لدينا من طعام، وحين توجهت نحوه، بدأ الكلب يسير في الاتجاه المعاكس، مشيت خلفه، لكنه لم ينتبه إلي، كان علي أن أتأكد أنه سيأكل هذا الطعام الذي أقسمت زوجتي أن يكون من نصيبه إن كان حيا، غير أن الكلب اتجه وجهة أخرى معاكسة، فأسرعت خلفه، وكلما التف وضعت الأكل على الأرض، وابتعدت لعله يعود إليه، لكنه كان يستمر في المشي في نفس الاتجاه، واستمر الأمر على هذا الحال وقتا طويلا.

  ابتعدت كثيرا عن سيارتي، فكرت في العودة، وأن أترك الأكل في أي مكان، ولكن القسم الذي أخدته زوجتي كان يشعرني بالذنب وعدم الوفاء، فواصلت السير خلفه، وقلت مع نفسي: " لن أتوقف، حتما سيشعر الكلب بالتعب، ويتوقف". ركضت خلفه، وأنا ألوح له، وأردد أسماء كل الكلاب التي أحفظها لعله يتوقف، واقتربت منه كثيرا، ورميت له قطعة من الأكل، ثم تراجعت إلى الخلف، تقدم نحوها وأكلها. فتركت كل الأكل الذي كان معي وتراجعت كثيرا، وبقيت أنتظر أن يتقدم نحوه، وحين فعل ذلك، حمدت الله، وتأكدت أنه صار من نصيبه، وأن قسم زوجتي لن يذهب سدى. شعرت بالراحة والاطمئنان، وأحسست أن ثقلا كبيرا كان على صدري قد أزحته.

حكيت لصديقي حين عدت من سفري قصة الكلب الأجرب بكل التفاصيل، فقال لي إنه كان له فيما مضى صديق، كان ينعت صديقا مشتركا بالكلب الأجرب، وأضاف أن علاقته بهما انقطعت مند فترة طويلة، لكنه تأكد فيما بعد أن صديقه السابق لم يقل صدقا في حياته إلا حين كان يصف صديقهما المشترك أنه كلب أجرب، وأن الكلب الأجرب وإن لم يمت، فذلك لأنه الموت والحياة لا تعنيان بالنسبة له أي شيء، أما صديقهما المشترك فقد مات منذ مدة، وهو يموت كل يوم، ويعرف ذلك.  فالجرب قد لا يسكن الجسد، ولكنه قد يسكن الروح.

***

قصة قصيرة:

د. عبد القادر بوطالب

في نصوص اليوم