مساء الرحيل:
قلق يهمس في سري
يهد بصمت قلاعي..
فيترك خطا رهيفا
كأن رياحا تشد شراعي..
وتحجم، منذ ان حط المساء على بابه،
يشد بأنيابه
بثقل يزيد هموم النواعي..
وكان المسافر يحتمي بالذكريات الطواعي..
وصار ابتعادي ثقيل
وظلي غدى يستطيل..
وتاهت عيون
وغابت قلوب في دروب الرحيل..!!
**
ودمائي لا تصبح ماء..
كانت عيناها بحرا
جفناها، يرتجفان
كجناحي عصفور خائف،
يرتعش الصبح الغارق في الديجور..
يخرج مذعورا من جوف الماخور..
في اللحظة ما بين دمي وقميصي،
ارسم عشر علامات للحب وللترحال،
وتصيرين امام الرعب امرأة
وتجيئين الى قلقي السري
عارية الأزرار،
ترتعدين،
وتنمو الشهقة في قلبي،
تنمو سريعا كالأزهار..
دشنت أكاليل الشوك،
وجربت ثمار الصحراء
ودمائي لا تصبح ماء..
وأنا رجل متهم ببرودة أعصابي،
وبأني أمشي في النوم وحيدا الى هدف مجهول،
وبأني أرسلت الى نفسي عشر رسائل
كي أتثبت من عنواني..!!
أغمضت عيوني ورحلت وفغرت فمي
وأملت على كتفي عنقي،
وكانت عينا البحر تراقبني
وساعة ذاب الشمع،
وجدتني مقتولا قدام الظل،
ساعة ذاب الشمع حول الجسد العسلي
كانت لا زالت تحمل معنى للأشياء..
ودمائي لا تصبح ماء..
فإلى أين تسافر يا منفي..؟!
أعددت حقائب للتطواف
و كويت قميصي للهجرة
كان القلق السري يداهمني..
والخجل الأعمى يهاجمني..
ومئالي الأخير عزاء
خذوني الى بلد لا تكون الضرورة فيه
عذابا مفزعا يقتفيني..
أو متاعا يشتريني..
أما تسمعون صمت الدموع
تهاجر من تحت اقدامكم
فتغوص بها عجلات الهجرة
وترسم منها خرائط للمنفى ؟!
***
الهروب في الذاكرة:
أقاوم هذا القلق الضارب حولي كالسور
أترك جلدي منفيا،
اركض خلف الشبح الشاخص بين الأشجار..
ودمائي من نار..
وعيوني ما عادت تعرف غير الأشجار..
ما عادت اقداري أقدار..
كانت تضع الشعر البني على كتفي
وأصابع باردة،
وشفاه تقرب مني
وعيون أقرأ فيها أشعار..
أصرخ.. أوهام، فتجيب الريح المذعورة، أوهام..
أهرب في ذاكرتي.. وخلفي يعدو صوت الريح
في الغابة ذاكرتي تبحث عني،
وأصابع باردة
وشفاه تقرب مني،
قالت، خذني.. فتجيب الريح المذعورة، خذني،
وصرخت.. لكن، شفاها كانت تمطرني كالنار..!!
***
د. جودت صالح
1/ تشرين أول 1975
قصائد لم تنشر منذ عقود..








