كانت هدية نجاحه الباهر من الصف الثالث المتوسط بأن منحه الوالد الفخور بإنجاز نجله مبلغاً محترماً يكون زوادته في السفر مع ابن عمه القادم من مدينة من وسط العراق للزيارة والتي مكث فيها في "بغديدا" شهراً كاملاً أمضيا فيه أجمل نصف صيف، فتضاعف سروره بالنجاح، وبعد أسبوع كان في بيت عمه بعد أن اجتازا زمناً قدره ثماني ساعات وأجساد الركاب تختض بفعل ارتجاج مفاصل الباص الأصفر العتيق، وحالما استقر به المقام في بيت عمه لاحظ أن زوجة عمه تمعن النظر ليس في وجهه قط بل في جانبي وجهه، وفي بؤبؤي عينيها توهج بسمة مشرقة وفي الشفتين مشروع كلام، ابتسم بوجهها القروي السمح والذي يعلن عن شمائله حالما تنظر إليه وتتمعن النظر في عينيها السوداوين وخمّن بأنها تفكر في شيء تسّقطته ذاكرته حالما اقتنص كنه النظرة، وتوارد في خاطره ما حكته والدته عن الفعل العجائبي لولادته، فراودته فكرة أن تتعدد الحكاية بكل تفاصيلها ومن زاويتين متناظرتين حاضرتين للحدث، فسألها وهو يمضغ كبة كروية صغيرة جداً مما تبتكره أصابعها المعجونة بالبركة، والتي تستيقظ فيها منذ الفجر صحبة عمه وابن عمه البكر ويهيئون العربة بالقدر الكبير الذي يعج بالكبب ويخرج ابن عمه منذ طرة الشفق يرتزق عيشة الأهل من بيع بضاعته في السوق أمام المقهى الشعبي العاج بأجساد العمال والجنود المبكرين لوحداتهم العسكرية وعابري السبيل الذاهبين إلى غاياتهم وهم يغذون أحشائهم بطعم كبة (أبو حنا) التي يعرفها القاصي قبل الداني في المدينة...، واستيقظ من صفنته جراء لكزة من كف ابن عمه الأثير على كوعه وهو يهمس.
- أين سرحت...؟
وبصوت معجون بجفلة بائنة همس.
- إنني هنا.
فسأله ابن عمه.
- لم لا تلبي رغبة أمي..؟
ومن خجله سأل زوجة عمه.
- عفواً... سرحت.... بم سألتيني؟.
من خلال ابتسامة مشرقة أجابت.
- اقترب مني.
نهض من المائدة العامرة واتجه صوبها وبرك أمامها، قربت عينيها من أذنه اليمنى وهزت رأسها هزات خفيفة متتابعة، ثم أمسكت هامته بشعرها المنسرح وأدارته نصف دورة وأنشأت تتأمل أذنه اليسرى، وبعد حين أفلتت رأسه وهمست.
- صحيح أنهما مسدودان ولكن آثارهما ظاهرة لمن يتعمق النظر فيهما...
يبدو أن عمه استلم الجملة الأخيرة وهو يدخل الطوار فسألها.
- آثار ماذا...؟!
أجابته بصوت أقرب إلى الهمس.
- ثقبا أذنيه.
هتف ابن عمه.
- هل ثقبوا أذنيه مثل البنات؟.
أجابه الوالد بصوت جهير أقرب إلى التوبيخ.
- بل إنها نعمة إلهية..
وغب رشفة من دخان سيكارته الأزلية ونفثها بتلذذ في فضاء الطوار قال كمن يتلو بياناً عسكرياً.
- إبن عمك ولد بأذنين مثقوبتين.
قفز ابن عمه من مقعده وهرول صوبه، تقرفص وصار جسده كله عينين تتقصيان وتبحلقان بدهشة من وجد كنزاً، فرك عينيه أكثر من مرة وحين تيقن أن الأمر صحيح هتف مستنكراً.
- أن يكون ولدِ وهو مثقوب الأذنين فهذا شبه محال...
زجره والده الذي يتصف بسرعة الغضب صارخاً.
- هل تشك بمصداقية كلامي يا ولد؟.
نهض ابن عمه من مكانه وهو يتوقع كالعادة صفعة أبيه الثاوية، ولكن هدوء عمه العجيب وهو يقول.
- من حقك أن تشك في الأمر، وهذا الأمر حصل لي عندما أبلغتني أمك التي كانت في الغرفة مع القابلة المأذونة ساعة الولادة، ولم أصدق إلاّ حين وضعوه في حضني ملفوفاً بملاءة بيضاء وعاينت الأعجوبة.
ثم نظر صوبه بحنان بالغ.
- مهما كتبت يا ابن أخي عن كينونة الفرح فلن تستطيع قط أن تصف الفرح الذي كان يشع من وجه أبيك.
استطردت زوجة عمه مكملة.
- حتى شهيقه الأول لم يكن صرخة، بل كان كلاماً غير مفهوم ولكنه منمّق وكأنه صلاة أو ترتيلة.
ثم أكملت بعد صمت قصير وكأنها تبتهل.
- والأكثر من هذا أنه وُلِد دون ألم مما جعل القابلة تقول... إن هذا الطفل سيكون ذا شأن في المستقبل.
***
هيثم بهنام بردى – أستراليا / ملبورن
صيف عام 1970
.................
* فصل من كتاب السيرة








