عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

فرات المحسن: النزهة الأخيرة

كان الوحيد من بين أقرانه الذي لم يستطع قبول العزلة جراء أحداث الاقتتال الطائفي. ففي النصف الأخير من شهر حزيران في العام السادس من بعد الألفين، ومثلما اعتاد عليه سابقاً، اصطحب جهاز التسجيل وصفيحة ماء بارد، وقطعة صغيرة من البطيخ وعنقود عنب، وضعها في صندوق فليني مع قطع من الثلج بجوار قنينة الكحول. كان القارب عريضاً ثقيلاً. تقدم ووضع مقتنياته في جوفه ودفعه بعيداً عن ضفة النهر. هبت نسائم خفيفة باردة بعض الشيء، ولاحت في البعيد غبرة غطت السماء. تلألأ من الجانب الآخر ضوء خافت عكسته أشعة الشمس الساقطة فوق منارة الجامع. جدف مبتعداً بقاربه نحو عمق النهر، ثم عاف القارب ينزلق الهوينا مع انحدار الماء، مد يده والتقط جهاز التسجيل الذي وضعه فوق الحافة الخلفية العريضة للقارب، ضغط زر التشغيل فانطلق صوت أم كلثوم يصدح:

إسأل روحك.. إسأل قلبك

قبل ما تسأل أنا غيرني إيه....

كل شيء من حوله قد تغير. ذاك ما شعر به الآن، حتى جرف النهر بدا وكأنه يزحف نحو العمق باتجاه الضفة الأخرى، وبان له المنظر مشوهاً كسيحاً. طالع الشاطئ الآخر فانتابته لحظة كدر شعر معها بكربة وألم يجتاح كيانه. فكّر بتلك الأيام حين كان يلهث ويقع مجهداً جراء عبوره النهر سباحة. ولكنه يعتقد الآن أن خمس دقائق ستكون كافية للوصول إلى الضفة الأخرى، لقد أجدب النهر.

يلامس بيديه الماء، فيشعر ببرودة لذيذة تتسلل نحو جسده، أحس معها بشيء من نشوة تغمر كيانه. فتح قنينة الكحول وارتشف كأساً حادة الطعم، ودس في فمه بعجالة حبتي عنب.

يتلذذ بفرادته وينتشي بأصوات الطيور وهي تهرب نحو أعشاشها تاركة وراءها يوماً مليئاً بالضجيج والحركة. يشعر بالغبطة والاسترخاء. يدع القارب يأخذ طريقه منساباً مع مياه النهر ويروح يطالع السماء منتشياً.

سابقاً في هذه الوحدة والسكون كان يحسم خياراته ومشاغله، يحاور روحه بصفاء ورضاً، ينتشي بعدها أيما انتشاء. تستمر ممارسته لطقسه اليومي الأثير أكثر من ساعتين، خط النهاية ذلك الجسر الحديدي، بعدها يستدير ليعود بعد أن تغيب الشمس وتختفي بعيداً. فيتجه حيث المكان الذي انطلق منه، قرب المقهى الصيفي الصغير. يوقف القارب ويركنه عند جذع شجرة صفصاف صغيرة متيبسة غُرزت جذورها عميقاً في الطين، بعدها يقذف جسده المتعب من التجديف والنازّ عرقاً وسط الماء، ويندفع ليتهادى في غمره حتى شاطئ الجانب الآخر للنهر، يعود بعدها والسكينة تملأ قلبه وكيانه.

الساعة، كل تلك الوجوه وملامح البنايات المجاورة يراها قد اختفت أو تشوهت. خلا الشاطئ من البشر ومثله الشوارع المجاورة، وانطفأت مصابيح الطرق والبيوت ما عدا ضوء الشمس الكسيحة التي تميل باحمرارها المختنق بالغبار نحو المغيب. شعر بالوحشة والغربة وكأنه دخل عالماً مسكوناً بالأرواح الشريرة. تلفت حوله محاولاً أن يتلمس في الجوار بعض حياة، ولكنه لم يجد غير طيور النوارس التي راحت تتعارك حول جيفة يجرفها الماء، وثمة أشواك تأتي لترتطم باللسان الرملي الذي امتد ليكون شبه جزيرة تخترق النهر وتضيّق مجراه. لم يكن هناك أثر لريح، وكانت الشمس تهبط رويداً فوق طرف السماء من جهة الغروب، والأماكن على جانبي النهر كتل صمّاء جامدة. انساب القارب نحو عمق النهر، فتركه يتهادى دون أن يبذل جهداً لتصحيح مسيره. تلفت حوله بحذر وأحس بالرهبة من الفراغ المفزع الذي يحيط بالمكان، شعر بالندم يسحق روحه، فكر بالعودة وترك نزهته المعتادة ليوم آخر، هذا السكون المجوف ربما يخفي مفاجأة غير سارة، فقد أحس بمئات العيون تترصده من ثقوب البيوت المطلة على النهر، حتى طيور النهر عافت طعامها وراحت تحوم حوله. لم يشعر بطعم الفاكهة وهو يلوكها. لا شيء هناك في الأفق غير السماء الرصاصية المصفرة وهي تهوي مقتربة من سطح الماء الرجراج. تمالك أعصابه ووجه لنفسه تقريعاً ولوماً حادين.

طالع هيكل الجسر الحديدي الذي اقترب منه. بدا الجسر وكأنه شبكة حديدية وضع الزمن بصماته عليها ببقع صدئة داكنة ونافرة. تذكر أن الجسر كان دائماً هو خط النهاية لنزهته، وعليه أن يعود أدراجه. ارتشف كأساً أخرى ونظر في الأفق البعيد. فجأة سمع صوت إطلاقة تخترق السكون وترتطم بقاعدة الجسر القريبة، فزع إثرها سرب عصافير. نهض واقفاً يبحث عن مصدر الإطلاق ولكنه بوغت برشقة رصاص من المكان ذاته. أطلق صرخة تردد صداها في المكان. انتفض جسده وانحنى شيئاً فشيئاً إلى أن هوى في قعر القارب، وكانت عيناه الفزعتان مفتوحتين على سعتهما تطالعان المنحنى المتشابك للجسر الذي كان ينزلق بصمت فوقه بالضبط.

***

فرات المحسن

 

في نصوص اليوم