في أول الحرب، كنت أعدّ القلوب كما نعدّ الذخيرة. وفي آخرها، لم يبقَ في صدري سوى طلقة واحدة، وأمنية خائفة تشبه ابتسامتكِ. كل شيءٍ كان قابلاً للانفجار: السماء، الأرض، صدغي، وصوتكِ العالق كالرصاصة بين ضلعين.
**
كنا نحفر الخنادق بأصابعنا، وفي الليل، نحشو الفقد بالضحكات القديمة. نمضغ البرد، نشرب وجعنا من قِربَةٍ مثقوبة بالأسئلة: هل الحب خيانة في ساحة الحرب؟ أم أن الحبيبة هي الوطن حين يتيه الوطن؟
**
في اليوم الذي صمتت فيه المدافع، تكلّمت عيونكِ. ذلك اليوم الذي خرسَت فيه البنادق، ترنّمت شفاهكِ على ناي الرؤية، وصار وجهكِ القصيدة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
**
حين التقينا، كنتُ خارجًا من معركة، يداي ترتجفان من فرط الحياة. لكنّكِ لم تنظري إلى ندبي، بل تأملتِ انحناءة ظهري كما لو كانت صلاة، وقلتِ: "الذين ينجون من الموت، يولدون من جديد في العيون."
**
كلما احتضنتكِ، كنت أسمع أصوات الرفاق: ضحكاتهم، صرخاتهم، خطواتهم على تراب غادر. وكنتِ تحتضنين كلّ تلك الأشباح، تسقينها من عينيكِ، حتى بردت الحرب في أعصابي.
**
الحبّ ليس هدنة. هو جبهة أخرى، لكنّ فيها القُبَل بدل الطلقات، والقلب هو الخندق، والصدر ساحة لا تُنتهك. أنتِ السلاح الوحيد الذي لم أتعلمه في معسكر التدريب، ولا احتجتُ لتفريغه من مشاعره.
**
كلما اشتقتُ إليكِ، قمتُ بانبطاحٍ تكتيكيّ في ذاكرة الليل، وأطلقتُ رشقات الحنين على جدران الغياب. لكنّكِ كنتِ دائمًا ترفعين راية قلبكِ، تسعفينني بنظرة، وتعيدين ترتيب وجعي كما تُرتب الجيوش بعد الكارثة.
**
يا أنشودةً هجرتها الحرب، يا صلاةً نزلت مع المطر على خوذتنا الصدئة، إن كنتِ حبيبتي، فأنا الجندي الأبديّ في خنادقكِ، أقاتل حتى آخر تنهيدة، وأسلّم نفسي لأسرٍ اسمه: حضنكِ.
***
بقلم: كريم عبدالله
بغداد - العراق








