في زاوية الغرفة المظلمة، كانت الشمعة النحيلة تقاوم بريقًا أزرق انطفأ للتو، تاركةً وراءها مراهقًا يرتمي في أحضان والده كعصفور بلله المطر، يغسل بدموعه الحارة غبار تمردٍ أعمى سكنتْ بعده حركتُه المضطربة؛ تلك كانت اللحظة التي تكسرت فيها القشرةُ الزائفة، حين انقطع التيار الكهربائي في ليلة خريفية عاصفة، فغرق الفتى في صمت مرعب واجه فيه لأول مرة وجهَه الشاحب وعينيه الغائرتين في المرآة، مستمعًا لأنين أمه المخنوق بالدعاء خلف الباب وصوت أبيه المنكسر وهو يبحث له عن طوق نجاة.
قبل هذا السكون بنبضات، وتحديدًا عند الغسق المشحون بالخيبة، كان آدم يقف مطرودًا خلف أسوار ثانوية تتلاشى أصواتها، يمسك بهاتفٍ تلفظ بطاريته أنفاسها الأخيرة، ونفسٍ أشرفت على الهلاك التام؛ كان ذلك الحطام ثمنًا باهظًا لتحدٍّ متهور قاده داخل الفصل، حيث تحول فيه إلى إعصار من الحركة الزائدة والفوضى، يقاطع الأساتذةَ ويهزأ بالنظام ليغذي حساباتِه الافتراضية.
عاد إلى الوراء عبر ممرات الذاكرة القريبة، ليتكشفَ عُقدةَ هذا التيه الوجودي، وهذا الانفصام الحاد بين واقع يراه متخلفًا وفضاء رقمي يُتوِّجُ فيه "أفاتارَ" لا يقهر؛ إذ لم تكن تلك الفوضى المدرسيّة إلا صدى لضجيجٍ أكبر يسكن رأسه، صدى لمعارك افتراضية وعوالم بديلة تخوضها أصابعُه المرتجفة على الشاشة لساعات طوال، ممزوجةً بصرخات مؤثري الثقافة الهجينة الذين يطلّون بقصات شعرهم الغريبة ليزينوا له الانفلات من طاعة الوالدين ويسخروا من كل ما هو أصيل، فاستحالت طاقتُه الحركية الزائدة بركانًا من العقوق الصامت، يرى في وقار أبيه وتجاعيد أمه قيودًا بالية تكبل حريته الموهومة.
في البدء، قبل أن تستبدَ به الشاشةُ وتسرقَ بوصلتَه، كان آدم مجردَ فتى تضيق بنيتُه الغضة بطاقة متفجرة، كزئبق لا يستقر على حال، يقف عند مفترق الطرق على مائدة العشاء؛ حيث كانت كلماتُ والدِه المنسوجةُ من الصبر والاحترام تترسب كحصى في بئر عميق، بينما كانت الأضواء الزرقاء الخافتة تتسلل من شاشته الصغيرة لتغويه بالرحيل نحو عالم الأفاتار، معلنةً بداية حكايته المقلوبة التي انطلقت من بريق الوهم لتنتهي، بعد انطفاء الشاشة، بيقظة الروح على عتبات الأصول.
***
قصة قصيرة
د. سعيد السوقايلي - المغرب








