عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

قصي الشيخ عسكر: جسد الآلهة

سيرة ذاتيّة لمعدن نفيس يدعى الذهب

على الرغم من أنّه لا يؤمن بتناسخ الأرواح لكنه وجد نفسه، هذه المرة، في حالة تجبره على أن يعتنق كلّ فكرة تجعله يعيش في تجليات مختلفة، وإن كانت غير متصالحة مع بعضها أغلب الأحيان.

اقتنع تماما وإلا سيضطر إلى الانتحار أو الجنون.

لا يؤمن بالأطباء النفسيين ولا يشعر أنّه ذو ثقافة واحدة.

مرة يصبح أمّيا عاجزا عن القراءة والكتابة..

وفي حالة أخرى متعلما أكمل الابتدائيّة يقرأ قراءة سطحيّة..

وتجتاحه لحظة غريبة فيرى نفسه ذا ثقافة عالية يعرف عدة لغات.

هو التناسخ.

والتقمص

وشيء مشابه لهما.

فهل يحتاج إلى طبيب.

لا يظنّ.

كما لا يرى بأسا في أن يخفي اسمه. لأنه وجد نفسه ذات يوم في أكثر من موضع وفي أزمنة متباعدة. وقد واجه قبل الذهب بل معدنا آخر سخّره لخدمته.

هو والحديد

في ذلك الزمان البعيد اعتنق المسيحية. كان ذكرا هو He تقول الخرافة إنّه قبل أن يحوّل الحديد إلى قفل سمع عن فارس أسود اللون في بلاد العرب التي سيذهب إليها محاربا. وقتها كان حاقدا على العرب والمسلمين ولم يصل من تاريخهم إليه سوى ملحمة عن فارس أسود البشرة كبّلوه بالحديد وعندما سمع صراخ حبيبته قطع السلسة، وانطلق لينتقم.

انفعل

ثار

اشتعل بالنخوة كالنار فذاب منه الحديد

طاوعه

الفارس الأسطورةُ

الخرافةُ

الحقيقةُ

مات منذ زمن.. قيل إنَّه اختلى بموضع فيه الأمان فجلس يبول، ومن سوء حظّ فارس الحديد الأسود أنّه لم يكن يعلم برجل ضرير اختبأ في حفرة. كان يطلبه بثأر، وحالما كشف صاحبنا الفارس الأسود عن عورته وأخذ بول. تحركت يد الموتور الأعمى.

لقوة الفارس الأسود كان يسمع خرير بوله.

ولقوة سمع الأعمى تحقق الثأر:

كانت يده تمسك بحجر قذفه بكلّ حقده وعزمه وقوته نحو خصيتي الفارس الأسود الذي سقط صريعا من غير حراك.

إنّها العورة.

العورة المكشوفة التي لم يسترها الحديد مثلما يستر صدر الفارس في الحرب.

الخوذة

الدرع

السيف.

في سالف الأيام كان الذهب يخصّ النساء وحدن.

المرأة

She

يزين النحور والصدور، والأصابع، وإذا تجاوز حدوده مع الرجال، فإنّه يمكن أن يتسلل إلى الفم. يدلف في سنّ منخور أو يزين فما قبيحا.

ولم يدخل سباقا مع الحديد. نعم دخل عند ال هو في سباق مع الفضة في أحد قصور الملوك بعد أن أخفق في أن يحمي عورة الفارس الاسود.

الملك هذه المرة أكل بملاعق من فضة وذهب.

فإلى هنا وقف الذهب عند حدّه وتخلى للحديد الذي سيرافق صاحبنا ال هو في رحلته الجديدة.

العودة الأولى

كان عليه أن يستفيد من خرافة الفارس الأسود الذي كسر الحديد فكشف عورته.. يستخلص عبرة تنفعه في كلّ تقمص يرتقيه فكّر في أن الأمر لا يحتمل التأجيل لاسيما حين كشفته روح لاحقة ورافقه حماس مفرط.. فكان أكثر جرأة وتصميما.. يعرف رموز الكيمياء ومعادلاتها ويتحلّى بفهم واسع يدفعه لأن يتعالى على الآخرين. سأل نفسه أيهما يحميك الذهب أم الحديد وأيهما يصون عرضك؟ لا عليك مما يقال.. خاطب نفسه لاعليك.. فقد رآى بعينيه كيف اختبأ الشيخ الأعمى الموتور في مكان ما قد يكون أجمة.. حفرة.. تلّا.. شجره وحالما كشف الفارس الأسود عن عورته واهتزت البولة من فرط قوته رماه بحجر..

عليه أن يفكّر الآن بثلاثة عناصر: الحجر، والحديد والذهب:

المعادلة الأولى:

الفارس الأسود قطع الحديد على وفق الخرافة ثمّ احتمى به.. فكان درعه ورمحه وسيفه.

المعادلة الثانية:

الفارس الأسود ذهب في مغامرة بعيدة يقال في بلاد الرافدين: جلب ذهبا كثيرا هدية من ملك العراق

أسورة

قلائد

خواتم..

أقراطا..

تزيّنت به حبيبته البيضاء ناصعة البياض.. جعلت مغانمه من ملك العراق على صدرها.. وفي يديها.. وحول عنقها.. وحين افتض الفارس بكارتها لم يترك أثرا آخر، فعلى هامش المعادلة لا تظهر أية شوائب تتعلق بأعضاء أخرى غير اليدين والصدر والأذنين والعنق. وهناك على الوجه الآخر للورقة التي كُتِبتْ عليها المعادلة، عبارة تقول يمكن للأم أن تبتاع من الصائغ لوليدها الذكر قطعة ذهب صغيرة تزيّن بها عضوه التناسلي، أما إذا كان المولود أنثى ففي هذه الحالة ننصحها أن تشتري لؤلؤا تعلقه في كتفها وترقصها وهي تغنّي:

ليلو ودندش له

بالعين أفرش له

هيله على النسوان جابن حسن مثله

التقمّص لا يشمل الذهب

الهو مازال فيه.. He قد يكون هو نفسه الفارس الأسود.. وربّما هو نفسه شخص آخر، فالتحولات شاهد عليه في أيّ زمان.. كان وقتها إلى حدٍّ ما ساذجا يلوذ بالحديد.. والآن عليه أن يغيّر الذهب.. مثلما تتقمص الأرواح أجسادا ليست لها فيعيش الإنسان في كلِّ عصر يمكن أن يتحول المعدن الخسيس إلى ذهب. سيقيم تجاربه على أخس المعادن..

هذا الملك الخليفة الشرير الذي يأكل بملعقة من ذهب لا غبار على نفاسته.. سوف يجعله يأكل بملعقة من ذهب أصلها نجاسة. يقدمها له هدية. ينقش عليها صورته.

سيدي جئتك بهذا المعدن البراق.. هدية لجلالتك.. ياصاحب الجلالة.. صاحب الجلالة هو من صنع يدي.. تحديت به أمهر الصاغة من صابئة مندائيين، ويهود محترفين، فلم يفلحوا في صنع مثله.

تحفة

لو اجتمعوا كلهم لعجزوا

أيها الناس، ياسادة.. كسرت احتكار هؤلاء.. أضحى على يدي الخسيس نفيسا فلن يتحكّم بعدئذ بالسوق أيّ تاجر.. ولا مرابٍ، فإذا مانجحت في تجاربي فلاتقدر أيّة دولة أن تحاصر أيّة دولة.. سوف سصبح لكلّ شئ قدر عال فلادنئ ولا وضيع، انتهى عصر الحجر مع مصرع الفارس الأسود.. وانتهى عصر الحديد مع تجربتي الآتية سألتقيكم في عصر آخر يسود فيه الحديد ولا ينفع إلا في حفظ العورات.

كان.. يلتقط كل ما يعثر عليه في طريقه ليجرب ما ذهب إليه ذهنه من حلم بعيد. أحضر مختبره.. وبدأ تجربته بالنحاس.. يحاكمه قبل أن يمسخه إلى معدن نفيس.. لست عدوك .. سأحاكمك فإذا مانطقت بالصدق حولتك إلى معدن آخر.. مادمت تصدأ فقد اقترفت جرما كبيرا.. الجنود الرومان الذين تناولوا طعامهم وشرابهم في أوعيتك سرى سمّ صدئك في أجسامهم.. قتلتهم وهم لا يدرون أنّك الفاعل.. والسيدات.. سيدات المجتمع.. النسوة الفقيرات.. النسوة المستورات. اقتحمت مطابخن بصدئك.. كنت تبدو أليفا رقيقا.. رشيقا.. لكنك قاتل محترف.. مجرم عتيد.. تأتي خلسة.. وقد جرى القضاء بحقك.. لن نعاقبك بمثل فعلك.. سوف نرفعك حسب التناسخ إلى معدن.. آخر.

كان يخرج من معادلة إلى أخرى بخيبة أمل ونتائج تستهلك زمانه.. يناقش المحترفين من علماء الكيمياء والحساب.. يلتقط المعادن.. ويعود إلى مختبره.. فتجمعت لديه عشرات المعادلات حتى كادت تلتف حول عنقه

تخنقه

خلط معدنين

وجمع ثلاثة

أذاب أكثر من معدن

الحديد= ذهبا

النحاس = زئبقا

والزئبق= ذهبا

إذن النحاس = ذهبا(نرفعه من قاتل خفيّ إلى جوهر أسمى)

وأخيرا مادامت تساوت خلطها جميعا.. حسبما ما أراده هو غير أنّ الجميع امتنعوا عليه.

وعندما يئس من أن يرفعها إلى الذهب.. حطم مختبره، ونظر إلى قطعة ذهب صغيرة صنعها صائغ ماهر لتزين عضو مولود جديد، وقال: زمانك بل في قرن آخر.. قرن ليس الآتي.. فالقرن الآتي يجعلني أعود إلى الحديد من جديد رغما عن أنفي.

الخيانة

وها هو يدخل بعد تجربته في تحويل المعادن الخسيسة أإلى نفيسة في عصر آخر. وجد نفسه الهو He في مأزق حرج. حين عاد إلى الماضي، بشخصه الأول وحين لم يطاوعه المعدن في التناسخ فيصبح مثله ومثل سائر المخلوقات، رآى بسمعه أنّ امرأة ما قد تخصّه أو لا تخصّه انطلق معها في عهد العبيد إلى سيِّدٍ وافر النعمة فصنع لها بخبرة الحدّاد الماهر قفلا من حديد أغلق به فرجها وترك فتحة ضيقة يسري منها البول، ومثلما أبصر عورة الفارس الأسود وحصاة اقتنصتها عن بعد شاهد بعينيه وأذنيه داهية من دهاة العرب يذيب الشَّحم فيأتي الجارية السوداء. فتساءل وهو يبصر الحكاية كلها:

-هل يكون السود ضحيّة إلى الأبد.

الرجل الداهية عدوه الذي رام أن ينتهك عِرضه في أحد العصور الغابرة، أذاب الشحم. من لِيَّةِ خروف سمين وشيئا فشيئا سكبه على اللباس الحديد ذي القفل.

يُقال:

شيئا فشيئا أخذ الحديد يلين تحت نعومة الشحم..

تراخى بالسمنة الساخنة..

تراخى أكثر وأكثر

فخلعه عنها

وأخذ يضاجعها

وحين انتهى وهو مطمئن ألبسها القفل.

ولأنّه He يعيش في كلّ عصر ويتداخل في العوالم المتباينة فلم يقدر أن يفعل شيئا إذحين تعيش في عصر غير عصرك عليك ألا تتدخل.. لاتنصر المظلوم ولا تعاقب المجرم أو تنقذ أحدا فإذا ما فعلت تحولت وقائع وأحداث تراها وتلمسها إلى حلم.. شرطُ التناسخِ الذي قَبِلَهُ بحالتيه مرغما وعن طيب خاطر.. عجز عن أن يمنع العربيّ الداهية وخارت قواه إذ أراد أن يقتله.. حدّث نفسه أن ليس له الحقّ في أن يخرق القوانين لئلا يعيش حلما لا يأسف عليه حالما يستفيق وظلّت قناعته بالحديد راسخة إل عصره هو قبل أن يطغى معدن الذهب وتظهر قارات جديدة نسيها عبر العصور القديمة، وقبل أن يهبط هو أوغيره على سطح القمر.

بعد سلسلة من السنين عادت إليه الثقة بنفسه. رجع في عصر آخر ومكان ثان. هذه المرة سكن مدينة من مدن الشمال، وراودته نفسه أن يقتنص الذهب من الشرق.

يكره هؤلاء الشرقيين.

فليغزهم مع من يغزون

وليسرق الذهب من هناك

وتلامس يداه المقدَّس..

عادت إليه ثقته بالحديد. مرة الفارس الأسود ترك عورته في الهواء الطلق، ومرة لم يحسب من صنع القفل للخيانة والغدر.. مادامت الرحلة إلى الشرق بلد الخير والحديد والمقدّس تستغرق أشهر.. وأكثر من عام فليعمل بكلّ احتراف قفلا من رفيقه القديم الحديد وليذهب إلى البلد المقدّس يطهّر يديه ويعود بالذهب.

انتهى من صنع القفل، وابتسم بوجه الفاتنة الشقراء، وقال:

-ربما تطول رحلتي سنة وأكثر سأقفله عليك وآخذ القفل معي لأعود إليك بالذهب أزيّن به معصميك وصدرك وأذنيك.

ففهمت قصده، وقالت:

-سواء قفللت عليه أم لم تقفل فلتكن مطمئنا لن أخونك.

فقال وهو يهزّ رأسه وإن كان غير مقتنع بكلامها:

الحديد عليّ وعليك شاهد.

وخرج حالماً بالذهب والمقدّس لكن عام ولم يعد.

ومرّ عام آخر

وأكثر

حتى تلاشى ولم يعرف مصيره أحد.

الفرهود

هؤلاء الذين بدوا في هذه الأيام بائسين خائفين، على الرغم من تفننه في الأوقات السالفة وحكايات العصور، يدرك أنّه التقاهم ولا فرق عنده في مادام الزمن مثله يعيد نفسه. العام 500 هونفسه 300 وهو ذاته 900 أو هو عام 1941 لقد ترك شمال الأرض يوم أقفل على فرج صاحبته الشقراء بقفل حديد وثق به، فوضع المفتاح في جيبه واتجه نحو الشرق لكنه لم يعد.

هل ضاع أم قُتل؟ لا يدري.

الآن هو في الجنوب. أقرب إلى الإله تموز. يشارك في الفرهود.. فتصبره إلهة تدعى عشتار تضع تاجا من ذهب مرصّع بالألماس على رأسها.. تراه.. وترى الناس يركضون في شوارع البصرة ينهبون بيوت اليهود.. لاتهمّه النقود.. ولا يهمه الأثاث..

هرج ومرج

صخب وانتقام

هذا يحمل كرسيا

وآخر مذياعا

وثالث حزمة ملابس

ليس متدينا لينتقم.. مسيحي في وقت وزمن الفرعون وثني حدّ النخاع، وفي قصور ملك الصين بوذي بحت سوى أنّه يفهم الفوضى بشكل دقيق.. حكومة بغداد سقطت، والناس الطيبون الهادئون في المدينة الجميلة الهادئة المطلة على الخليج اهتاجوا مثل ثور طعنه تروبادور بسهم في متنه، فاهتاجت المخلوقات اللطيفة الوادعة. تحوّلت إلى وحوش، ذئاب.. ضباع.. وقف أحدهم أمام محل ذهب لصائغ يهوديّ وأطلق رصاصة على القفل.

مرة أخرى يخون الحديد أمانته

فإلى أيَّة ثقة تلجأ المخلوقات؟

كان مع الذين اقتحموا المحلات.. ونسي البيوت لا يعنيه أمرها.. هناك يجد أثاثا ونقودا وغنائم كبيرة من الخشب والنحاس لا يطيق حملها.. مناوي باشا سقطت أمام سيل الفوضى

التحسينية

السيمر

سوق البصرة القديم

والصبخة

وقف متأملا العابثين محملا بالذهب

قلائد

تمثال

نخله تلمع

أقراط

حجول..

لو كان الامر بيده لجعل عقرب الساعة لا يدور.. يقف الزمن عند هذا الحد من أجل الذهب سقطت بين يديه محلات وشوارع، وقامت ناطحة سحاب شاهقة تبتزّ الغيوم في أمريكا، هناك حيث يرقد ذهب العالم كلّه.. ميزان يعادل الأرض كلها لا تحيا أمّة إلا أن تعلن أنّها ترغب في أن تدلف في تلك البناية.. ياسيدي تحكمت بك.. ايتها الكرة الأرضة أنا قدرك.. بالذهب هؤلاء الذين يبدون يثيرون الشفقة.. اضطهدوا في محارق أوروبا وبأيديهم الذهب.. دعني آخذ بعضا منه.. شيئا ما لا يصل إلى ناطحة السحاب.. منذ عهد قارون والملوك ديدنهم المعدن النفيس الأرقى.. أما أنت فقد أخفقت حين حاولت في تجليك الأول أن ترفع المعان الوضيعة إليه حتى عرفنا العالم الجديد فتخلى ملاعبو الذهب عن طرقهم القديمة ووضعوا الذهب في بناية شاهقة عالية.. لا نقدر أن نعيش إلا أن يمرّ طعامنا وشرابنا منها..

فيا للسخرية..

وفي نفسه رغبة أن هذا لا يكفي، فها هو ينتظر تجليه التالي.

الشرطيّ

حدث هذا معه في عامٍ غير مبهم حين استدعاه ضابط مركز شرطة البصرة وقال له بكلّ حزم:

-أيها المفوّض خذ معك ثلاثة شرطة بسيارة المركز سترى بعد دقائق في الساحة التي قرب بيت المشنوق اليهودي عدس ستُرفع جثته أمام الناس مهمتك حفظ النظام عمل روتيني فالجيش هو المسؤول. راقب من بعيد..

-نعم سيدي

هو He لم يتعامل قط مع الجثث من عهد قارون، ومن قبل سومر، والخليفة الذي باع وعاءً من الذهب واكتشاف الأمريكيتين حيث تابع سيرة الذهب فحفظها عن ظهر قلب. عمل جنديا في جيش الرومان وأدرك أن النحاس خائن خبيث، وأصبح نبيا زمن الفرعون فسال الذهب بين يديه، وحارب مقاتلا يكره الإسلام في الحروب الصليبية، وكيمياويا جرّب أن يحول المعدن الخسيس إلى معدن نفيس فيكسر سوق اليهود والمندائيين.

كان يحاول يائسا تارة وواثقا من نفسه تارة أخرى أن يهدم، قبل اكتشاف العالم الجديد، صرح مانهاتن فيطلق سراح الذهب الحبيس هناك.

أما الآن فالأمر أكبر من قدراته وإن كانت نتائجه من مصلحته فيما بعد، كم يملك المشنوق من ذهب تبتلعه حكومة بغداد؟

إذن عليه أن يراقب ويفخر بنفسه وبدلة الشرطة وينتظر. لقد نسي كلّ شئ أمام رهبة الموت. الرجل الذي لم يتبين ملامحه.. من حسن حظّه أنّ الجيش تولى قضية الموت وقد وقف هو والشرطة بين المشنقة والجنود المحيطين بالجثّة، والناس. الحق استطلع في وجوههم شماتة ما.. كرها.. حقدا.. ثورة عجيبة. كانوا قبل عقد ينهبون.. وكان معهم يتابع محلات الذهب.. إيه إنه لزمن متداخل لاتتذكر منه إلا الأحداث التي تجرفك معها أما بقية الأيام فتبدو كأنّها بنسق واحد:

تولد

تترعرع

تدرس أو لا تدرس

تعمل

تجتاحك السنين حتى تنتظر حدثا ينتشلك من رتابة الأيام والسنين فتعيشه وحده إلى أن يبقى وحده في ذاكرتك.

سوى أنّه هذه المرة لم ينتظر طويلا.. فمشهد الشنق قضى على نفسه بنفسه إذ كان كان خاليا من الذهب. يختلف عن مشهد الفرهود. ، وعن تجارب تحول المعادن، وعن عورة عنترة الكمشوفه، مايذكره أنّه اشترى من الخليفة وعاء من ذهب وملاعق، ولمس في قصر الفرعون مع النبي يوسف أواني من ذهب راعه أن يسرق بعضها لئلا يُصلب بأمر من الفرعون، ولعله مثلما توقّع فبعد فترة جاءه ووجد نفسه تارة في البصرة وأخرى في بغداد، ولعله مثلما توقّع فبعد فترة استدعاه الضّابط من جديد:

-أيّها المفوّض سوف يغادر 120 ألف يهودي البلاد ستذهب إلى بيوتهم لاتدعهم يأخذون معهم أمولا إلا رزم الطعام والماء!

-نعم سيدى

-تذكّر أنّك سترافقهم إلى الطائرة. الدولة وضعت ثقتها فيك يجب ألا يخرجوا بشيء.

-نعم سيدي

وحالما أدّى التحية واستدار لمعت في ذهنه خاطرة ماكرة.

أفعى

ثعبان

نظرة ساحرة

راح يدخل البيوت يترك مرافقيه الشرطة عند الأبواب.. يبلّغ عن موعد الرحيل.. يفتش.. ويغمز بعينيه، ويساوم.. إذا أردت ألا تفقد مالك فاعطني نصف.. نصف الذهب.. الدينار والذهب.. سأصعد معك إلى الطائرة أهينك وأعاملك بقسوة.. لاتحزن.. تمثيل..

ومن داء التمثيل ربح ربحا وفيرا. عشرات الرزم صعدت مع المطرودين.. كان الذهب يهرب خائفا وقد ترك نصفه في بلد وسيستقر نصفه الآخر في بلد ثان..

وقد عاد وجيبه ملآن.. و أقسم ألا يجري تجربة على أي معدن ليجعله في مقام الذّهب، مادامت المعادن استعصت فلتبق وضيعة أبد الدهر، وقد استقال من مهنة الشرطة، وفتح مكتب مقاولات في الجنوب بنى عمارة واقترن بفتاة بيضاء تشبه حبيبة الفارس الأسود أو شقراء كامرأته أيّام حرب الشمال والجنوب، وكان ذلك تقمّصه ماقبل الأخير.

الخضرة والذهب

رائحة غريبة استافها

لكن خسارته الحقيقيّة تحققت بعدئذ.

هذا المغامر الكبير الذي غامر منذ عهد عنترة، وجرب الكيمياء من أجل الذهب، وعاش الحروب الصليبية كان طوال تلك المآسي يهادن الحديد ويثق به من أجل الذهب، يصبح غبيا في عصر، وذكيا في عصر تال، مثقفا وأميّا، حكم التطوّر والتناسخ، لايخرج قيد أنملة عن الدرب الممتدّ بين قدميه، فبعد كلّ ذلك التوازن، استاف لونا آخر..

رائحة غريبة

الحديد لم يخن الذهب، فهو السيد الأوّل الذي حمى الصدور والرؤوس والعورات، فكانت منه الدروع والسيوف والرماح والخوذ وأقفال الفروج.. لقد انحسر كئيبا أمام خيانة النحاس، فانطوى، ليوازي المعدن النفيس.

هاهو البترول ذو الرائحة المثيرة للغثيان

العدو الجديد يتجلّى أمامه فيشكّ فيه ثمّ يتحوّل الشكّ إلى يقين.

إذ بعد صراع ٍ طويلٍ مريرٍ استدعاه السيد الرئيس..

دولة الرئيس

هذه المرّة

فخامته

قال له بكلّ:

-أيها الملازم النظيف خذ مجموعة من الدبابات واقتحم البقعة الخضراء. ليكن معك مصورون ووسائل ميديا.. إقتحم بيوت سارقات الذهب وعد إلينا بما تجده هناك.

-أمرك مطاع ياسيدي.

وتساقطت معه حقائق جديدة.. المرأة والذهب.. في كلّ العصور أل هو يعني He الذكور جميعهم.. تعامل مع المعدن النفيس باحتراف عال وحاول أن يرفع من شأن الوضاعة إلى مستوى النفاسة. اشترى.. تعامل.. جرّب.. أفلس واستغنى حتى برزت القارة الجديدة، ووضعت جميع ذهب العالم في إحدى بناياتها، فاضطر أن يسرق.. ينهب.. يفرهد.. يأخذ نصف المعدن الجميل البراق ويترك النصف الآخر يتسرب إلى حيث يشاء:

الحجر الذي قتل الفارس

النحاس الذي سمم الأمم

الحديد الذي رافق طفولته

الذهب الذي أدمنه حين تجلت له القارة المجهولة

لم يجد أحدا من رفاقه الأصلاء يدافع معه، البتروك وحده يسيّر حياته، ولا يعرف ماذا يأتي في المستقبل، ولكي لا يسرقه الزمن تحرّك بمدرّعاته إلى البقعة الخضراء.

سخر من نفسه كثيرا.. في الفرهود الثاني يوم هُجِّرَ اليهود وقدر على أن يدخل البيوت.. يساوم أهلها على النصف فتخفى الذهب بلفائف طعام كما ادعى.. والآن رائحة البترول التي تعبق من مدرعاته والميديا ومن معه من صحفيين ومصورين يحولون بينه وبين الدخول منفردا في البيوت.

ثمّ إنّهن نساء:

كان ال هو Heيساوم رجالا مثله..

تحت الذلّة والخوف وبين الأمل في النّجاة والطموح يرضخون لشروطه: النصف!

أمّا الآن -مع خيانة المعدن ذي الرائحة الكريهة الذي جعل العالم عبدا له-فإنّه يقابل عنصرا آخر أل هي She، إلهات قديمات جديدات.. اللات والعزّى ومناة.. سوف يجد أطنانا من النقود لاتهمه قط.. مهما تكن فهي ورق يمكن أن يحترق بشرارة ضعيفة، وتقع عيناه بلا شك على صاحبه الذهب الذي بقي سجينا في مصرف بالعالم الجديد..

الميديا التي ترافقه تدعي في كلّ أدواتها بمنسبة ومن دونها أنّ هناك أطنانا من الذهب في بيوت هؤلاء الإلهات لكن حلمه يتجلى في أشكال تثير البهجة في نفسه والحلم:

سبائك

أقراط

أساور

قلائد

بعض التماثيل

تحف

ربما تفاجؤه أشكال جديدة وأنماط يمكن أن يتصوّرها

كلّ مايجده يذهب بعيدا عنه.. سيندم.. يغلي داخله فليس هناك من منفذ.. ثقب يدلف منه وحده.. ويعترف بعجزه أنّه لا يقدر أن يساوم الذين معه من صحفيين وجنود ومصورين وكتاب تقارير.

لكنه

مع خيبة أمله وصل إلى المكان بوقت قصير..

دخل يتقدم الحشد، وواجهن بكل حزم وصرامة

إلهات منكسرات كأنهن قطع غيوم سوداء في عزّ النهار لاتبين منهن إلا وجوه ارتسم عليها غضب مكتوم وقتام.

فتساقطت تحت قدميه رزم من جبال الدولارات

وتُحَفٌ من مخلفات البرّ والبحر

آلات التصوير والتسجيل التقطت المشهد الغريب:

محطة التلفاز الوطنية

محطات العالم

المراسلون

أطنان الدورات

الجنيهات الاسترلينية

يورو

ثمّ مثلما توقع بدت له أشكال الذهب تتجلى بشكل خجول في البدء!

والسيدة النائبة الإلهة أخذت تصرخ.. السيدات يصرخن مع كل ومضة تصوير وتسجيل.. وعلا صراخن حين لم يكتف بما أبصره من مال وذهب تحت قدميه.

ياترى لو لم كان وحده.. يظنّ أنّه سيبقى على النصف سيأخذ نصف مايراه من ذهب ولايترك الورق غير أنّه الحظ يعاكسه. لم يطق صبرا على مارآه فاشار بشراسة وغضب إلى جنوده:

-ادخلوا غرف النوم

تبعهم بكل هو

لابدّ أن يظهر منتصرا وإن لحقته هزيمة لم يتوقعها.. كسروا خزائن الملابس وقلبوا أسرّة النوم.. فانكشف أمام عينيه المستور الظاهر.. القفل القديم والحديد والصدأ..

ماتركه حين خاض الحروب الصليبية يخدع عينيه. إنّه لا يصدأ أبدا

بريق على مرّ الزمان..

ملابس داخلية من ذهب

حمالات صدور..

مفاجأة

غرابة

سوريالية القرن الحادي والعشري

صرخ في الميديا: صوّروا.. صوّروا

لقد انقلبت تجربته السابقة رأسا على عقب.. ذات يوم أغراه العلم وحفّزه التحدي أن يتطاول على خازني الذهب فجرب أن يحوّل المعادن الخسيسة إلى معدن نفيس، والآن يُفاجأ بنتائج تناقضه هو.. تستهدفه.. إنّهنّ السيدات الآلهات.. أل She قضين على حلمه.. وضعه في موضع مقرف حين تآمرن يسندهن المعدن ذو الرائحة الكريهة فأعدن التجربة بالمقلوب.

جعلن المعدن النفيس يصبح معدنا خسيسا

ونجحن

ينام مع البول

ويسكر بالحيض

ويستنشق النجاسة

الخراء..

جثّة الذهب ملقاة أمامه.. قبل أن يُقتل برائحة البترول أصبح قوادا.. في هذه اللحظة الحرجة المقيتة المميتة يبصر مرافقوه الجنود والأعلاميون ألبسة الذهب النسويّة البرّاقة فتتشكل في أذهانهم المكبوتة الحبيسة اللباس الداخليّ لكلّ واحدة من هؤلاء الإلهات. الذهب نفسه دلّهم ودلّه أيضا عليه.

اللات مالون لبسها. لونها المفضل. القماش الذي يلامس عانتها؟

العزى؟أخضر أم بنفسجي؟هل هناك شعرات بيضاء ظهرت في عانتها ؟

مناة.. ؟إلهة الموت؟أصفر

لقد جعلن من الذهب قوادا قبل أن يقتلنه..

عندئذ لم يستطع المساومة والا الهرب..

لا عصر يقبله

ولا مصر

لقد قبل التحدّي قرونا طويلة ولم يفقد نفسه، فمن حيث لا يدري زار أرواح الكبيرات اللائي تعاملن مع الذهب.. راودهن في المقابر، وحضّر أرواحهنّ، جثا أمام ملكة سبأ بتاجها الذهبي، وأرسلته الملكة حتشبسوت أعظم ملكات مصر إلى بلاد بولت كي يجلب الذهب والأبنوس، وعندما ماتت الملكة تي وضع في قبرها عند رأسها حليها الذهبيّة، ورافق سيدته كيلوباترا التي كانت تحب التباهي بالذهب أمام ساادة العالم، وخدم في جيش الملكة بو آبي فلم يرها تخلع تاج الذهب عن رأسها، ألم تقدم ملكة سبأ أمامه ذهبا إلى الملك سليمان، وربما توارثه عنه بعضا ممن سرقهم في الفرهود.

هو وحده يرى كل شئ من عهد سومر إلى هذه اللحظة ولا يرى شيئا.. لا يرى أيّ شيء سوى غيمة سوداء تسقط من السماء على عينيه، فتصغر وتصغر، وفي لحظة جديدة يجد نفسه أمام الفارس الأسود مباشرة:

كان عاريا مجردا من أيّ سلاح

يرقص فيتمايل عضوه التناسلي وخصيتاه يمينا وشمالا وهو يرتجز ويقول بكلّ سذاجة ورقة مثل المخنثين:

قد يعشق المرء من لا مال في يده ويكره القلب من في كفه الذهب

تلفت يمنة ويسرة يبحث عن قطعة ذهب صغيرة صاغها محترف لتعلق بعضو مولود جديد، فلم يقع بصره إلا على الملابس الداخلية المنسوجة من الذهب. كان الجنود يدخلون الغرف يفتشون يقلبون كلّ شيء، فتتكدّس أمامه جبال الدولارات، واشكال الذهب.

كاميرات الميديا التي تلعق الملابس الداخلية البراقة المثيرة، ودهاليز البيوت، وتتوقف عند وجوه ظهرت للعيان بتجاعيدها من غير مكياج!

ومازال الفارس الأسود يلقي بين يديه الشعر.. لكنه بدا مشلولا.. لا تمتد يداه إلى أيّ شيء.. الدولات والذهب.. أمامه تتحداه، وسعر الدولار يتركه ليتمرغ بالنفط.

في تلك اللحظة المثيرة أحس بالإحباط والغيرة والكره، فصرخ في الجنود

فتشوا جيدا شدّوا أيديهن وخذوهنّ إلى المدرعات

وخ اطب الوفد الإعلامي :

صوروا وسجلوا لاتتركوا أية صغيرة أو كبيرة

وواصل زعيقه من دون أن يقصد أيّ أحد:

سيهبط سعر الذهب ويرتفع الدولار.. النفط قبيح.. رائحته تفتك بنا..

ثمّ وجه بندقيته باتجاه الفارس الأسود، وأخذ يطلق النار ويزعق:

لتسقط نيوروك.. ليسقط البنك المركزي.. كم أنت قذرة يا مانهاتن!

***

قصة طويلة: قصي الشيخ عسكر

........................

* انتهيت من تصحيح هذه القصة الطويلة في 7/7/2026

في نصوص اليوم