سَواكِبُ الملاك الأمين على يَبابِ قافيةِ (السِينْ)
(أساريرُ الوَحْي)
***
كَصَلْصَلةٍ أتى ورنينِ جَرْسِ
فَنَوّرَ لُبّهُ من بعدِ حِسِّ
**
بِرُؤْيا بَلْ نُبوءَةِ ما وراءٍ
دَنا ذا مِرّةٍ وشديدَ بأسِ
**
إلى الرُمّانُ يعصرُ جُلّناراً
بِضوْءِ مَلائكٍ لا كَفِّ جِبْسِ
**
تعتّقَ دِيمَةً فاضتْ شروقاً
وكم عَصَفتْ سُلافتُها برأسي
**
وقابَ غُصونِ سِدْرتهِ تدلّى
وأومأ بالإشارةِ دونَ هَمْسِ
**
تُدَلّي السِدْرَةُ القصوى غُصوناً
تُصبّحُهُ بِآلاءٍ وَتُمْسي
**
قَواريرُ الغيوبِ قَدَحْنَ بَرْقاً
هَدى مُتَحيّراً ونزيلَ حَبْسِ
**
فَراحَ يدقُّ ناقوسَ الحيارى
وليسَ براهِبٍ فيها وقَسِّ
**
رمى البرّاقُ نخلتَهُ مجازاً
فَفَتَقَ طَلْعَها وَبِغيْرِ لَمْسِ
**
قُصارى عِشْقِهِ قَبَسَ الحنايا
فأشْرَقتِ اللُبابَةُ فَرْطَ قَبْسِ
**
مُعَتّقةَ القِرى إيماءَ وَحْيٍ
فَدعْ شَهْدَ اللَّمى ورضابَ عِرْسِ
**
فَمَنُّ سماءِنا صَفَواتُ كَشْفٍ
مُعَسّلةٌ ولا كشِفاهِ لُعْسِ
**
أَصَوَّتَ أحْرُفاً أم بثَّ نجوى
تفرّسها النجيُّ بلا مِجَسِّ؟
**
وَمِنْ إشْراقِها قَطَفَ اللآلي
وصاغَ فيوضَها بمَدادِ حَدْسِ
**
وصّيّرَها بياناً سَرْمَدِيّاً
بِسَبْكٍ صِنْوِ مُمْتَنِعٍ و سَلْسِ
**
رعى الموحي نُهى الموحىٰ إليهِ
دريئةَ سَهْوةٍ، حاشا، وهَجْسِ
**
فَخَطَّ على الشِغافِ رُؤى الخُزامى
كأنّ فؤادَهُ شذراتُ طِرْسِ
**
بِبَهْوِ الروحِ قد نطقتْ حُدوسٌ
كما قمرٌ يرتّلُ ضوءَ شمسِ
**
هُنا الحُسْنى أساميهِ تجلّتْ
فَجوْهَرَتِ الهيولى بعد طَلْسِ
**
تجلّى إذ تنوّعَتِ المرايا
فيا أَحَدٌ تعدّدَ فيضَ عَكْسِ
**
ولاتَ ولاتَ حينَ تُضيء حُسْنى
أ يَنْكفئُ الضياءُ وراءَ تُرْسِ؟
**
تأوّلَ عرشَ غائِبِهِ حُضوراً
قُبيْلَ وجودِنا من كلّ جنسِ
**
كذلك أوّلَ الكرسيَّ فتحاً
لنافذةِ الرؤى لا قيدَ كرسي
**
تَخيّرَهُ البهاءُ نَديمَ وَحْيٍ
أنارَ حِراءَهُ مَعَ روحِ قُدْسِ
**
سَجى ليلُ الجِبالِ فشعَّ غارٌ
على شُرُفاتِ كعبَتِنا وَقُدْسِ
**
بَخٍ رَيْحانَ شُبّاكٍ بكوخٍ
حوى الشَرَفَ الرفيعَ جِوارَ أُنْسِ
**
شذى نعناعِ منزلها ترامى
لِمَنْزِلةٍ نأتْ عن كُلِّ رِجْسِ
**
لقد عادَ الصَفيُّ فزمّليهِ
متى شابَ الشحوبَ نقيعُ وَرْسِ
**
رفيقُ الغارِ صَدّقَهُ رَسولاً
فليسَ حَديثُ صاحِبِهِ بِمَسِّ
**
رُويْدَكِ ياقُريْشُ إذن فَلَسْنا
أُصَيْحاباً لِأيْكَةَ أو لِرَسِّ
**
رأى أمَّ القُرى وَأَدَتْ زُهوراً
فَبدّلَ عُرْفَها السادي بِعُرْسِ
**
أحالَ سَرابَ هاجِرَةٍ فُراتاً
تِهاميّاً جرى بِرِمالِ بؤسِ
**
وأودِيَةٍ بِلا زرعٍ فَلاحتْ
عناقيدُ الرُؤى بركاتِ غَرْسِ
**
سَمتْ لُغَةُ الحجازِ كما الُنعامى
لِتسْحَرَ نائِحي طَلَلٍ ورَمْسِ
**
فليسَ بشاعرٍ كصريعِ لُبْنى
ولا عرفَ الكَهانةَ مثلُ (قُسِّ)
**
وكم شهدوا التلاوةَ ذاهلينا
وَأذْهلتِ المُنَخّلَ قَبْلَ قيسِ
**
تماضُرُ لم تَعُدْ تهوى عُكاظاً
وَنابغةُ الحِجا وسليلُ عَبْسِ
**
تباطَأَ عَبْقَرُ الشعراءِ عَزْفاً
فمن خَبَبِ الحصانِ إلى الدِرَفْسِ
**
وما المَلَأُ النوابغُ في النوادي
إزاءَ بَيانهِ الأعلى بِخُرْسِ
**
سُدىً هَرَعوا لِعبْقَرِهمْ سُكارى
ألا إنقشعتْ سَماديرُ التَحَسّي
**
نعمْ هاموا مع الشُمُسِ العذارى
ذواتِ سُرُوجِ أخْيِلَةٍ وشُمْسِ
**
عسى هدأتْ بَلابِلُهمْ بِـ(إلّا)
بُعيْدَ وَساوِسٍ و دبيبِ وَجْسِ
**
مَخافَةَ أن يَرَوْا مُهْرَ البراري
بُعيْدَ نقاهَةٍ يُبْلى بِنَكْسِ
**
وما (إلّا) بأجْنِحَةٍ وَريشٍ
سوى طيرانِ روحٍ فوق نفسِ
**
وهل (بانتْ سُعادُ) سِوى رجوعٍ
إلى أيْكِ الكِناسِ أوانَ كَنْسِ
**
مُعَلّقةً تَنَبّأها بِـ(لامٍ)
نَطاسِيُّ القريضِ، وريثُ نَطْسِ
**
وَبادَلها الصدى نَغَمُ الرُخامى
فَمَنْ نَسِيَ الصدى لا بُدَّ مَنْسي
**
صدى وحْيٍ نُرتّلهُ مقاماً
كأنّهما الأساسُ لِكُلِّ أُسِّ
**
بموسيقى سلالِمُها تُحاكي
كواكِبَ كُنّساً وَذواتِ خُنْسِ
**
مراراً قالَها: لا لَسْتُ فيكم
سوى بَشَرٍ رسولٍ وابْنِ إنْسِ
**
عَصيّاً رحتُ أدرسُهُ لَعلّي
أُبرّدُ حَيْرتي بدموعِ دَرْسِ
**
فَوَسْوَسةُ الجوى هَرَستْ يقيني
وَتوشِكُ مُهجتي تدمى بِهَرْسِ
**
رآني موغِلاً بالشكِّ حتى
يَكادُ بِريبَتي يعْتَلُّ طَقْسي
**
رُويْدَكَ إنما المعنى ملاذٌ
أذا عَدَمٌ تَغشّانا بِلَبْسِ
**
مظالمها طغتْ يانفسُ عومي
لِميناءِ الحقيقةِ ثمّ أرْسي
**
على عُرَبِ الإزاحةِ والتسامي
وقافيةٍ تناهدُ فَخَّ يأسِ
**
فَرُبّتما كُوى اليُسرى أضاءتْ
مخيّلةً إذِ العُسْرى تُقَسّي
**
سأرشُفُ ما تعتّق من خيالي
وأحرسُهُ بِتَطوافٍ وعَسِّ
**
أفيقُ هُنيهةً وأغيبُ أخرى
وسادسةُ الحواسِ فَمٌ لِخمْسِ
**
يسارِرُني النَجِيُّ غداةَ نجوى
وقد كانَ التخاطُرُ طيفَ نَقْسِ
**
فدونَكَ ما وراءٌ، بحرُ غيبٍ
سَتُبْحرُ إنّما هيهاتَ تُرسي
**
كَزِهْوَةِ فَرْقَدٍ لغةُ القدامى
مُشعْشعةٌ بِديباجِ الدِمَقْسِ
**
فما بالُ الأواخِرُ من بَنيها
تمزّقهُ بنابٍ ثمّ ضِرْسِ
**
تَوهّمَ سادِرٌ حطّابَ ليْلٍ
سَيقطعُ سِدْرَةَ المعنى بِفأسِ
**
تَخَبّطَ خَبْطَ عَشْواءٍ هُذاءً
كَوَهْمِ الديكِ في بيضٍ وفَقْسِ
**
لَنا حُلُمٌ بِأُخْرى قيلَ فيها
خلا النُزلاءُ من لَغْوٍ ودَسِّ
**
كفى وَعْدٌ يُخالِسُهُ وَعيدٌ
مَواعِدَ زُيِّنتْ بِوشاءِ خُلْسِ
**
أَ غايةُ شوْطِنا حُورٌ وعِينٌ
ونادِلَةٌ تُراوُدُنا بكأسِ
**
لَعلَّ الى الشقائقِ طيفَ رُجعى
بِسَعْدِ سَديرِها لا يَوْمَ نَحْسِ
**
فَنرْجِسُها كما النِسرينُ أغرى
وَسوْسَنُها بَني عَرَبٍ وَفُرْسِ
**
بفِرْدوْسٍ تَفَصَّمُ عن خيالٍ
نُعاقِرُ حولَ كوثرِها التأسّي
**
وهل فاضَ التوهّمُ سَلْسبيلاً
إذنْ بِعْنا مقاصِدَها بِبخْسِ
**
غَداً تُجْلى فَواتِحُها وَ ياما
أنارتْنا يَراعُ (السينِ) أمْسِ
***
د. مصطفى علي







