نصوص أدبية
شوقي مسلماني: حين تصدرون الحكمَ عليّ
(دخان)
لم تقلْ كلمة بعد
ليست لكَ خطوة
لا غيمة تظلّلُك
لا يتبعُك غزال، لاحظْ
كلّ الأسماء التي تعرفها
تلمع وتختفي
تظلّ وحدكَ في الليل
تراقب أسماء تهوي
إلى غبارِها الكوني
*
لاحظْ
كلّ عمرك سيجارة
أدقّ مِنْ إبرة، يحرقها عابر.
**
(مدنٌ)
سأعبّئ في عينَيّ مدناً
تنهضُ مِنْ حرائقِها وتصهل
*
سأصافح الذين هزمتُهم
والذين هزموني والذين سيضحكون
*
مِنْ كلّ حانة سأقطف صخباً
ضحكةً، وردةً، كأساً صغيرة
*
وغيركِ
سأعانق في الليل
مرتعِشاً لاكتشافات المرتحل
في المدنِ الحقيقيّة.
**
(مجنون)
الغريبُ
يمسّد شعرَ الوحدة
يظنّ أنّ الله قريب
فيقصّ القصص
*
يظنّه العابرون مجنوناً
فيصمت
**
(صراخ)
أفضّل لو تصرخ
لكنّكَ حتى في جحيمِك
مهذّب جدّاً.
**
(غرباء)
مشوا إلى المدينة
مِنَ الجبالِ البعيدة
حفاةً خلف جنازة صامتين
كانت أقدامُهم تبعثرُها الرياح
وحقولُهم تختفي خلفَ عيونٍ ماطرة.
**
(زاوية)
لستُ أنا
لأجمعَ الغيم في يدي
وأنثرَه فوق بلادٍ حزينة
لأصنعَ الفجرَ مِنْ دمي
مِنْ هديرِ البحرِ تائقاً إلى خلاصه
لستُ أنا ليطرحني العشقُ
على بساطِ المدى
فتحْتُ للنهرِ بابَ حياتِه
أرويتُ الطيرَ، أرعيتُ الغزالَ
أشممتُ الريحَ عبقَ الزهور
فتحتُ المدينةَ للحفاة
وتلفُّني الزاوية.
**
(نافذة على البحر)
النهرُ يغمرني
وأنا ثمرةُ الأرضِ العاشقة
تكتبُ الرياحُ على وجهي أنغامَها
والمدى تشيّعُه نظراتي
*
تدورُ الأرضُ ليدي
التي تمسك الفصولَ
مبتهجةً بالريحِ
والمطرِ والزهرِ والحقول
وبيدي أرفعُ النجومَ
أطلقُها في السماوات
لأحتفلَ بالمسافة
*
مرّةً كنتُ الغابة
مبتدئاً بالغصون
سيّداً في مملكةِ النبات
أحملُ رؤوسَ الشجرِ إلى أعلى
وأنامُ كالطير محروساً بالنسائم
*
مرّةً كنتُ المغاور والصخور والوديان
مسبوقاً بحذرِي في مملكةِ الحيوان
وبناري التي أشعلتُها بحجر
لأغيّر صوتي
*
ومرّةً كنتُ الحقولَ في سهولِ العالم
المتفتّحِ بأصابعي الرشيقةِ وظهري المستقيم
تجلدُني السياطُ وأطعِمُها خبزاً
لتسمنَ وأنحل وأنتقم
*
الآن أُكملُ دورةَ عمري
يصدِّعُني الحديدُ بعجلاتِه
يملؤني النفطُ لأتخثّرَ بالكربون
يجتاحُني الوحلُ
لينامَ في دمي الرصاص
ليشدَّني الحجر
*
أُكمِلُ دورةَ عمري
لأفتحَ نافذةً على البحرِ
وأسابقَ الريح.
**
(خلل)
إنّه الطقس
يمشي على عكّازين
يتنفّس بمنخارين
أوكسجين
وثنائي أوكسيد الكربون.
**
(بينكم)
حدّاد
يحدّد في رأسي
رسّام
يلوّن تحت عينَي
مجنون
يخرج منّي
ومجنون
يقرع ليدخل
فيا قضاة
لا تخاطبوني بـ "أنتَ"
أنا جماعة
ولا أعرفُ كلَّ جماعتي
بينهم مجرم
لكن حين تصدرون الحكمَ عليّ
يكون المجرم
بينكم.
**
(حيث الذئب)
أنا أيضاً
طيري لم يعد
من رحلته
بعد
أبحثُ بصمتٍ عن نجمةٍ
أضاءتْ مرّةً
واختفت
رأيتُ فراشاتٍ تُذبح
أحلاماً مرتجفةً، موحلةً
في أزقّةٍ غريبة
رأيتُ عرباتٍ يدفعها النمل
وعسساً يسرقونَ حمولتها
أرتقُ الثقوبَ بالجنون
الممسوسُ بعشقِ الشمس:
رفيقي
النمرُ الجائعُ، الأكتعُ:
رفيقي
المحقونون بالنسيان:
رفاقي
والصحراء لي
المطرُ الأخضرُ
الطالعُ في السفوح
حيث الذئب
منتظرٌ طيراً لم يعد
*
أخرجُ
من الغبار
وأجرُّ عمياني.
***
شوقي مسلماني






