نصوص أدبية

عبد الله الجميل: من يوميات الراعي

غداً مطرْ،

غداً مطرْ،

يُدمدمُ الراعي وقد شمَّ الشجرْ،

وكانت الخِرافْ،

مبثوثةً كالخرَزِ الأبيضِ في قُماشةٍ خضراءْ،

**

غداً مطرْ،

غداً نموتُ بالمطرْ،

ووحدَهُ الراعي يرى الأصواتَ قد تجسّدَتْ،

ووحدَهُ يستعذبُ الحجرْ،

**

عصاهُ لا من خشَبٍ،

لكنّها من نبتةٍ تُباركُ الأرضَ التي تلمسُها،

أمّا إذا الذئبُ دنا،

ستستحيلُ جمرةً منَ الشررْ،

**

غفوتُهُ مُتَّكِئاً والجِّذْعُ كم يألَفُهُ منذُ الصِّبا،

حتّى نمَتْ في ظهرِهِ عروقُهُ،

وانتشرَتْ أسطورةٌ تقولْ:

في كلِّ جِذعٍ ها هنا،

روحٌ لراعٍ ميّتٍ ما مسَّها الذبولْ،

وحينَما تجنَحُ شمسُ اليومِ للأفولْ،

يستسيقظُ الرُّعاةُ من جُذوعِهم،

ليحرسوا القرى وغابةَ الوعولْ،

**

يعودُ بعدَ يومِهِ للكوخِ في انتشاءْ،

ومِعطَفُ الفروِ الذي يلبَسُهُ،

تخلَعُهُ زوجتُهُ وتسكُبُ الحَساءْ،

ويُطفئانِ النارَ في مَوقدِها،

ليُوقدا ناراً بلا انطفاءْ،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

لا يسلِكونَ مثلَنا الدروبْ،

دروبُهم أوسعَ في القلوبْ،

وحبُّهم نايٌ يظلٌّ باكياً،

لحدِّ أن يُذيبَهم،

وفيهُمُ يذوبْ،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

توضّأُوا بالعشبِ والورودِ والرحيقْ،

وأرهفوا أسماعَهم،

حتى روَتْ لهم فراشةُ الحريقْ،

حكايةَ الحياةِ من تكوينِها،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

أكفُّهم آبارُ ماءٍ للطيورِ اللاغبةْ،

أكواخُهم تجيرُ من تأتي إليها هاربةْ،

سماؤهم صافيةٌ صافيةٌ لأنّها مرآتُهم،

وشمسُهم دافئةٌ لأنّها قلوبُهم،

نساؤُهم أقمارُهم لا تعرِفُ النقصانْ،

غصونُهم ستطردُ الغِربانْ،

وطيّبونَ حدَّ أنّهم يبكونَ لو ماتت هنا دجاجةُ الجيرانْ،

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

في نصوص اليوم