نصوص أدبية

سعاد الراعي: الماضي يطرق بابنا

عدتُ من عملي محمّلةً بيومٍ ثقيل، يومٍ لم يكن قاسيًا في أحداثه بقدر ما كان مرهقًا في تراكمه، كأن التفاصيل الصغيرة اتفقت سرًّا على أن تختبر طاقة الاحتمال في الروح.

 كانت المدينة خلفي تضجّ، فيما كنت أبحث عن هدوئي في البيت، ذلك الملاذ الذي اعتاد أن يستقبلني بإيقاعٍ متوازن، لا صخب فيه ولا مفاجآت.

كان زياد قد سبقني، كما هي عادته. بيتنا لم يكن مجرّد جدران وسقف، بل طقسًا يوميًا:

 مائدة عشاء نتقاسم فوقها تعب النهار، وحديثاً يتسرّب بهدوء بيننا، نعيد فيه ترتيب ما واجهناه، لا بوصفنا زوجين فقط، بل صديقين اختارا أن يسيرا جنبًا إلى جنب. كنا نختلف أحيانًا، نعم، لكن اختلافنا لم يكن صداميًّا، بل تنويعًا في الرؤية؛ مرآتان متقابلتان تعكسان المشهد من زاويتين مختلفتين، دون أن تتحوّلا إلى شظايا. الاحترام كان لغتنا الأم، تلك التي لا نحتاج إلى شرح مفرداتها.

غير أنّ تلك الليلة انكسرت فيها العادة منذ اللحظة الأولى.

 استقبلني زياد بقبلته المعهودة، لكن شيئاً في حضوره بدا زائدًا عن النص، فائضًا عن الاطمئنان.

 كان مشرق الوجه، تتلألأ ملامحه بفرحٍ غير معلن، كأن الضوء اختار أن يقيم فيه مؤقتًا.

 شعرتُ بسرورٍ خفي، لكن ذلك الإشراق، حين يتجاوز حدّه، يوقظ الريبة.

بعض الأفراح، حين لا نعرف مصدرها، تصبح أسئلة معلّقة.

لم يترك لي وقتاً طويلًا لأتساءل. بادرني بصوتٍ يحمل استعجال من يريد أن يتخلّص من حملٍ ثقيل:

ــ إحدى معارفي القديمات اتصلت بي اليوم. منذ سنوات وهي تحاول الوصول إليّ، حتى حصلت أخيرًا على رقمي من صديقٍ مشترك.

 وما إن حصلت عليه حتى اتصلت فوراً.

ابتسمتُ ابتسامةً مدروسة، تلك التي تخفي أكثر مما تُظهر، وقلت:

ــ هذا جميل… ويسعدني، حقاً. كيف جرى الحديث؟

راح يتحدث، وأنا أراقب كلماته كما يراقب المرء جدولًا يعرف أن فيضانه ممكن:

ـ استعدنا أيامنا القديمة.

حدثتني عن شوقها لتلك المرحلة، عن ذكرياتٍ لا تزال تسكنها، عن زمنٍ تتمنى لو يعود.

قلت في داخلي:

تمهّلي... ليس كل شوقٍ تهمة، وليس كل ذكرى فخًا. فقلت بهدوء:

ـ آها! تفضل، واصل... أنا أستمع.

تنهد، وكأنّه يستدعي عبئاً من قاع الذاكرة:

ـ حدّثتني عن زوجها… رجل الدولة.

قالت إن حياتها لم تتحسّن منذ افترقنا، بل ازدادت قسوة.

ما زال أسير الشراب، مهملًا لها ولأطفالهما، غائباً عنها وإن كان حاضرًا باسمه ومكانته.

لا يراها امرأة، ولا يمنحها دفء الاعتراف أو طمأنينة القرب.

صمت لحظة ثم تابع:

قالت إنها لم تنسَ تلك الأيام، وإن اشتياقها لها يزداد مع الوقت.

كنت أستمع، لكن الكلمات بدأت تفقد حيادها، تحوّلت إلى ظلال تتكاثر في رأسي. رأيتُ امرأةً محاصرة بوحدةٍ اجتماعية خانقة، وزوجاً يتكئ على سلطته ليبرّر غيابه، ورأيت في الوقت نفسه خيطًا رفيعًا يمتدّ من الماضي إلى الحاضر، خيطًا لو أُهمل قد يصير حبلاً يلتفّ حول أعناق الجميع.

أردف زياد، بنبرةٍ شعرتُ أنها تبحث عن تطمينٍ غير معلن:

ـ أخبرتها أن كل شيء تغيّر، وأنني الآن متزوج، لديّ زوجة رائعة وأولاد.

قلت لها إنني سأعرّفك بها في المرة القادمة.

عند تلك الجملة، شعرتُ بحرارةٍ مفاجئة تسري في عروقي.

 لم يكن غضبًا خالصًا، بل مزيجًا معقّدًا من دهشة وغيرة وخوفٍ دفين لا أحبّ الاعتراف به.

 نظرتُ إلى وجهه الهادئ، إلى طمأنينته التي بدت لي، في تلك اللحظة، كمن لا يدرك حجم الحجر الذي ألقاه في بركة روحي الساكنة.

نهضتُ من مكاني قبل أن أُكمل وجبتي.

أسندتُ كفّي على المنضدة واقتربتُ منه، لا بانفعالٍ صاخب، بل بثقل سؤالٍ ظلّ ينتظر اسمه:

ــ هل هي آمال؟؟؟

توقّفت لحظة، ثم أتبعت:

ــ آمال… تلك التي كنتَ على علاقةٍ بها من قبل؟ زوجة السكير، أمّ الأطفال، المرأة التي حدّثتني عنها في بدايات تعارفنا، بوصفها جزءً من ماضيك؟

ساد صمتٌ كثيف. صمتٌ لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بكل ما لم يُقل.

شعرتُ أن الماضي والحاضر يتزاحمان داخلي، وأن الحدود بينهما تبدو أقلّ صلابة مما كنت أظن.

نظر إليّ طويلًا، وقد ارتدت الدهشة ملامحه.

بدا كمن فوجئ بأن الذاكرة ليست ملكه وحده، أو كمن ظنّ أن الزمن قد محا ما باحه ذات يوم.

 قال، بعد تردّدٍ خفيف:

ــ نعم… هي نفسها.

سقطت الكلمة في داخلي كحصاة في ماءٍ راكد لم تُحدث ضجيجًا، لكنها أربكت السطح كلّه. قلت، بصوتٍ لم يكن حاداً، بل مكثّفًا:

ــ وماذا بعد؟؟؟

هل ستُبعث الذكريات لتُجدَّد عبر الشاشات؟ أم أنك تنوي أن تجعلني شاهدة، وربما شريكة، في فصلٍ لا يخصّني؟

لمحتُ الوجع يمرّ سريعاً في عينيه. أدركتُ أن كلماتي أصابته في الصميم، فخفّفتُ نبرتي دون أن أتراجع:

ــ أنا لا أشكّ بك. أعرف أنك ربما تلقّيت الأمر بوصفه معرفةً قديمة، أو بدافع عطفٍ إنساني على امرأةٍ مسحوقة.

لكن العطف، حين لا تحكمه الحدود، يتحوّل إلى التباس.

وأنت مطالب بموقفٍ أوضح، وأكثر حسمًا.

توقّفتُ قليلاً، ثم تابعتُ، كأنني أستخرج الكلام من عمقٍ لا يصل إليه الصوت بسهولة:

ــ أراها امرأة خانت زوجها من قبل، وربما لم تكن الخيانة مرّة واحدة.

 من يجرّب الخيانة قد يألفها، وقد يجد لها دائماً مسوّغات.

فما الذي يجعلك تحترم امرأة كهذه؟ هل فكّرت في نواياها؟ في إلحاحها بعد كل هذه السنين؟ في معنى أن تعود الآن تحديدًا؟

كنتُ أتكلّم، لكنني في الحقيقة كنت أختبره:

أختبر صورته أمام نفسه، قبل صورته أمامي.

ــ ثم ما موقفك أنت؟ أمام ضميرك، أمام تاريخك، أمامي أنا؟

لم أستطع الإكمال.

 شعرتُ بأن الكلمات التالية ستأخذني إلى منطقة لا أريدها.

انسحبتُ بهدوءٍ حاسم نحو مخدعي، فيما كان يحاول الاقتراب، تتعثّر خطواته بحيرته، ويرتجف صوته باعتذارٍ لم أكن مستعدة لسماعه.

قلت، دون أن ألتفت:

ــأحتاج أن أكون وحدي… أيامًا.

وأغلقتُ الباب.

لم يكن ذلك هروباً، بقدر ما كان عودةً إلى الذات.

في تلك العزلة القصيرة، واجهتُ صورتي في مرآة العلاقة:

امرأة لا تطلب المستحيل، لكنها ترفض أن تكون هامشًا.

أدركتُ أن الحب، مهما بدا ناضجًا، يظلّ هشًّا إن لم تحرسه المواقف الواضحة.

في الصباح، خرجتُ إلى عملي بلا تحية.

 لقد كان صمتًا مقصودًا وليس تجاهلا، أحيانًا يكون الصمت اللغة الوحيدة القادرة على قول كل شيء.

وحين عدتُ مساءً، وجدته ينتظرني. كان التعب واضحًا عليه، تعب إرهاق القرار.

قال، بصوتٍ حاسم:

ــ انتهى الأمر.

حذفتُ رقمها، وقطعتُ أي خيطٍ يمكن أن يصلني بها.

نظرتُ إليه طويلًا.

 رأيتُ رجلاً أدرك، وإن متأخرًا قليلًا، أن الماضي لا يُستدعى بلا ثمن، وأن بعض الأبواب يجب أن تبقى مغلقة احترامًا لما بُني بعدها.

 قلت بهدوءٍ لا يخلو من صرامة:

ــ كان ينبغي أن يكون موقفك هكذا منذ البداية.

لم أُضف شيئًا.

فبعض الكلمات، حين تأتي في وقتها، تكون جسورًا. وحين تتأخر، تتحوّل إلى اختبارات.

وفي تلك الليلة، لم نغلق باب امرأةٍ من الماضي فحسب، بل ثبّتنا حدود الحاضر، وأعدنا تعريف الوفاء لا بوصفه شعوراً عابرًا، بل اختيارًا واعيًا، يُعاد اتخاذه كل يوم.

**

سعاد الراعي/ المانيا

 

في نصوص اليوم