نصوص أدبية
شادي مجلي: مقعد واحد شاغر

كَانَ الْمَسَاءُ رَمَادِيًا، وَالْقِطَارُ يَسْتَعِدُّ لِلْمُغَادَرَةِ. جَلَسَتْ فَتَاةٌ قُرْبَ النَّافِذَةِ، تَحُدِّقُ فِي الْفَرَاغِ كَأَنَّهَا تَهْرُبُ مِنَ الْعَالَمِ. بَيْنَ يَدَيْهَا كِتَابٌ مَفْتُوحٌ، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا لَمْ تَلْمِسِ السُّطُورَ.
قَبْلَ إِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ بِلَحْظَةٍ، دَخَلَ رَجُلٌ يَلْهَثُ، حَقِيبَتُهُ تَضْرِبُ رُكْبَتَيْهِ، يَبْحَثُ بِنَظَرَاتٍ سَرِيعَةٍ عَنْ مَكَانٍ. لَمْ يَتَبَقَّ سِوَى مَقْعَدٍ وَاحِدٍ... بِجِوَارِهَا.
جَلَسَ وَقَالَ، كَمَنْ يُحَاوِلُ تَبْرِيرَ تَأَخُّرِهِ: "كَادَ الْقِطَارُ يَسْبِقُنِي، كَعَادَتِي فِي كُلِّ شَيْءٍ."
ابْتَسَمَتْ مُجَامَلَةً، لَكِنَّهُ تَابَعَ وَهُوَ يُلَمِّحُ عُنْوَانَ الْكِتَابِ: "قَرَأْتُ هَذَا الْكِتَابَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَمْ يُنْقِذْنِي مَرَّةً وَاحِدَةً."
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ. ضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: "رُبَّمَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ نِهَايَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ."
هَكَذَا بَدَأَ الْحَدِيثُ... بَسِيطًا، غَرِيبًا، لَكِنَّهُ مَأْلُوفًا. تَحَدَّثَا عَنِ الْكُتُبِ، عَنِ الْمُدُنِ، عَنِ الْوَحْدَةِ، عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تُقَالُ عَادَةً فِي أَوَّلِ لِقَاءٍ.
عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى مَحَطَّتِهِ، نَهَضَ وَهُوَ يَضَعُ الْحَقِيبَةَ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَ: "أَنَا أُدْعَى مَالِكٌ... وَسَأَكُونُ فِي هَذَا الْقِطَارِ غَدًا فِي نَفْسِ الْوَقْتِ. إِنْ مَرَرْتِ مِنْ هُنَا مُجَدَّدًا." وَغَادَرَ.
بَقِيَتِ الْفَتَاةُ تَحُدِّقُ فِي الْمَقْعَدِ الشَّاغِرِ بِجِوَارِهَا، وَكَأَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْهَا. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بَعْدُ إِنْ كَانَتْ سَتَعُودُ غَدًا، لَكِنَّهَا أَدْرَكَتْ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنَّ مُصَادَفَةً وَاحِدَةً قَدْ تَظَلُّ عَالِقَةً بَيْنَ الْقَلْبِ وَالذَّاكِرَةِ إِلَى الْأَبَدِ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، كَانَتِ السَّمَاءُ تُمْطِرُ بِخِفَّةٍ، وَقَطَرَاتُهَا تَرْسُمُ خُطُوطًا بَاهِتَةً عَلَى زُجَاجِ نَافِذَةِ الْقِطَارِ. جَلَسَتِ الْفَتَاةُ فِي ذَاتِ الْمَقْعَدِ، وَيَدَاهَا مُشْتَبِكَتَانِ فِي حَجْرِهَا، وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ بِإِيقَاعٍ لَا يُشْبِهُ الْمَطَرَ. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ لِمَاذَا عَادَتْ. رُبَّمَا لِتَتَأَكَّدَ أَنَّهُ لَنْ يَأْتِيَ، أَوْ لَعَلَّهَا خَافَتْ أَنْ يَأْتِيَ وَلَا تَكُونَ هُنَاكَ.
ثَوَانٍ تَمُرُّ كَأَنَّهَا سَاعَاتٌ... الْقِطَارُ يَسْتَعِدُّ لِلْمُغَادَرَةِ. لَا أَحَدَ دَخَلَ.
بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ (أَحْم)...
الْتَفَتَتِ الْفَتَاةُ فَجْأَةً، وَهَا هُوَ وَاقِفًا بِنَفْسِ حَقِيبَتِهِ، وَبِنَفْسِ ابْتِسَامَتِهِ الْمَائِلَةِ. "كَادَ الْقِطَارُ يَسْبِقُنِي مُجَدَّدًا."
ضَحِكَتْ - لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مِنْ قَلْبِهَا، بِلَا حَذَرٍ. جَلَسَ بِصَمْتٍ، ثُمَّ قَالَ: "كُنْتُ خَائِفًا أَنَّكِ لَنْ تَعُودِي."
قَالَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ: "وَأَنَا كُنْتُ خَائِفَةً أَنَّنِي سَأَعُودُ."
سَادَ صَمْتٌ خَفِيفٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِجًا... بَلْ سَعِيدًا، كَأَنَّ الْكَلِمَاتِ بِحَاجَةٍ لِفَرَاغٍ كَيْ تَسْتَقِرَّ.
ثُمَّ سَأَلَهَا فَجْأَةً: "هَلْ تُؤْمِنِينَ أَنَّ الْغُرَبَاءَ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحُوا مَحَطَّاتٍ فِي حَيَاتِنَا... أَوْ رُبَّمَا مَصِيرًا؟"
نَظَرَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ إِلَى الْمَقْعَدِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا. "لَا أَعْرِفُ... لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ بَعْضَ اللِّقَاءَاتِ لَا تَحْدُثُ عَبَثًا."
كَانَ الْقِطَارُ يَمْضِي بِهِمَا شَمَالًا، وَالْوَقْتُ يَمُرُّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا. لَمْ يَسْأَلَا عَنِ الْمَاضِي. لَمْ يُخَطِّطَا لِلْغَدِ. كُلُّ مَا بَيْنَهُمَا هُوَ هَذِهِ اللَّحْظَةُ، وَهَذَا الْمَقْعَدُ... وَشَيْءٌ يُشْبِهُ الِاحْتِمَالَ.
***
شادي مجلي سكر