عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

عماد خالد رحمة: هادية السّالمي دجبّي..

من ذاكرة الجبل إلى أنطولوجيا القصيدة ووجع فلسطين.. وثيقة ببليوغرافية وأنطولوجية

ليست سيرة المبدع سجلًّا للأعوام والإصدارات والمشاركات فحسب، إنها، في جوهرها، حكاية تشكّل الوعي في تضاريس المكان، وارتحال الذات بين الذاكرة والواقع، وتحول التجربة الشخصية إلى كتابةٍ تلامس أسئلة الإنسان والوجود. ومن هذا المنظور، تتبدّى تجربة الشاعرة والأديبة التونسية هادية السّالمي دجبّي بوصفها مساراً إبداعيّاُ تتعانق فيه الجذور المحلية مع الأفق الإنساني، ويتجاور فيه الانتماء التونسي مع وجدان فلسطيني صاغته الذاكرة التاريخية، وأجّجته مأساة الإنسان تحت وطأة الاحتلال والقهر.

الجذور الأولى: دجبة بوصفها ذاكرةً وهوية

وُلدت هادية السّالمي دجبّي في أواسط ستينيات القرن العشرين بقرية دجبة، التابعة لمحافظة باجة في الشمال الغربي التونسي، ونشأت في أحضان طبيعتها الجبلية، حيث تتعانق التضاريس الشامخة مع الخصب الطبيعي والشواهد الأثرية الضاربة في عمق التاريخ. ولم يكن المكان، في وعيها، مجرد حيز جغرافي يحتضن الطفولة، بل فضاءً تتشكّل فيه الهوية، وتتراكم عبره طبقات الذاكرة، وتستمد منه المخيلة مادتها الأولى.

لقد تركت القرية أثرها العميق في رؤيتها للعالم؛ فالمكان عندها ليس خلفيةً صامتة للأحداث، بل كائنٌ حيّ تتداخل فيه الأزمنة، وتستيقظ في تضاريسه حكايات الأسلاف، وتترسّب في تفاصيله مشاعر الانتماء والحنين والفقد والرجاء. ومن هذه العلاقة الحميمة بالجذور، نشأت لديها قناعة بأن المكان قادر على ترميم ما تكسره الحياة في الروح، وأن الذاكرة، حين تستعيد أرضها الأولى، تتحول إلى طاقةٍ على المقاومة والاستمرار.

هكذا غدت دجبة أكثر من مسقط رأس؛ أصبحت إحدى البؤر المؤسسة لوعي الشاعرة، ومخزوناً وجدانيّاً تستمد منه الكتابة صلتها بالأرض، وتستعيد عبره الذات توازنها كلما تصدّعت علاقتها بالعالم. وليس غريباً، في هذا السياق، أن يتخذ المكان في تجربتها قيمةً رمزية تتجاوز حدوده المادية، ليغدو معادلًا للهوية، وملاذاً للروح، وذاكرةً تقاوم المحو.

من الكلمة الأولى إلى اكتشاف الشعر

سبقت الكلمةُ الشعرَ في تجربة هادية السّالمي دجبّي، فقد وجدت في الكتابة، منذ حداثة سنّها، نافذةً تطل منها على ذاتها، وتعيد عبرها ترتيب انفعالاتها إزاء المواقف والأحداث. كانت الكتابة، في بداياتها، حاجةً إلى التعبير عما يضطرب في الداخل، قبل أن تصبح وعياً فنيّاً باللغة، واختياراً جماليّاً تتعدد أشكاله بين الخاطرة والقصة والشعر العمودي وشعر التفعيلة.

وقد مثّلت قراءتها قصيدة «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب منعطفاً في انفتاحها على الحداثة الشعرية، إذ دفعتها إلى التعمق في تجربة السياب، والاقتراب من عوالم نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، من دون أن تغفل إرث أبي القاسم الشابي، بما ينطوي عليه من توتر بين الذات والطبيعة، وبين التطلع إلى الحرية ومقاومة الانكسار.

ثم اتسعت دائرة قراءاتها لتشمل محمود درويش وسميح القاسم وأدونيس ومظفر النواب، فانفتحت أمامها تجارب شعرية مختلفة في رؤاها وأدواتها، لكنها تلتقي، على تفاوتها، عند مساءلة الواقع وتوسيع إمكانات اللغة في التعبير عن الذات والعالم.

ولم يكن ميلها إلى شعر التفعيلة مجرد اختيار إيقاعي؛ بل يمكن النظر إليه بوصفه انحيازاً إلى شكلٍ شعري يتيح مرونة التعبير، ويستوعب التوترات النفسية والتحولات الوجدانية، من غير أن يقطع الصلة بالموسيقى الداخلية للقصيدة. ومع ذلك، ظلت تجربتها منفتحة على الشعر الكلاسيكي، كما امتدت إلى الخاطرة والقصة، في دلالة على تعدد منافذ التعبير في مشروعها الأدبي.

فلسطين في الوجدان: حين يتجاوز الانتماء حدود الجغرافيا

تحتل فلسطين مكانةً محورية في التكوين الوجداني لهادية السّالمي دجبّي. ولم تتشكل هذه الصلة في سياق ثقافي عابر، بل ارتبطت بوعي مبكر بالمأساة الفلسطينية، وبمتابعة أخبار القضية، والبحث في جذور النكبة، ونشأة الحركة الصهيونية، والظروف التاريخية التي أفضت إلى قيام الكيان.

وقد تركت مجزرة صبرا وشاتيلا واعتداء قوات الاحتلال على حمام الشط في تونس أثراً عميقاً في وجدانها، وانعكس ذلك على محاولاتها الشعرية الأولى، حين كانت لا تزال في المرحلة الثانوية. وفي تلك السن المبكرة، لم تعد فلسطين بالنسبة إليها قضيةً بعيدة عن المجال الوطني التونسي، بل أصبحت جرحاً إنسانيّاً يمس الضمير، ويستدعي موقفاً أخلاقيّاً يتجاوز المسافة والحدود.

وكان حرصها على متابعة برنامج (صوت الثورة الفلسطينية)، الذي كانت تبثه الإذاعة الوطنية التونسية يوميّاً، مظهراً من مظاهر ذلك التعلق المبكر، إذ تداخل الإصغاء إلى أخبار الثورة مع الرغبة في فهم التاريخ، واستيعاب أسباب المأساة، وإدراك ما تختزنه القضية الفلسطينية من أسئلة العدالة والحرية والاقتلاع.

من هنا تكتسب عبارتها «تونسية الانتماء، فلسطينية الهوى» دلالتها الخاصة، فهي لا تقيم تعارضاً بين هويتين، ولا تستبدل انتماءً بآخر، وإنما تعبّر عن اتساع الهوية الإنسانية حين تتحرر من حدود الجغرافيا الضيقة، وتصبح قادرةً على احتضان آلام الآخرين وقضاياهم.

إن فلسطين، في هذا الأفق، ليست موضوعاً سياسيّاً يضاف إلى موضوعات القصيدة، بل امتحانٌ للضمير، ومقياسٌ لمدى قدرة اللغة على الاقتراب من المظلومين، واستعادة أصوات الذين يحاصرهم العنف أو يهددهم النسيان. ولذلك تبدو صلتها بشعر المقاومة امتداداً طبيعيّاً لذلك التكوين الوجداني الذي جعل من التعاطف موقفاً، ومن الكتابة شكلاً من أشكال الشهادة الإنسانية.

الكتابة بوصفها سؤالًا في الوجود

تتجاوز تجربة هادية السّالمي دجبّي حدود التعبير عن الانفعال المباشر إلى علاقة أعمق بين الذات والكتابة؛ فالقصيدة، في ضوء مسيرتها، ليست ترفاً لغويّاً ولا استجابةً عابرة لمناسبة، بل محاولة لفهم ما يتركه العالم في النفس من ندوب، وما تمنحه الذاكرة من قدرة على استعادة التوازن.

ويمكن قراءة علاقتها بالمكان والطفولة وفلسطين باعتبارها وجوهاً متداخلة لسؤال واحد: كيف تستطيع الذات أن تحافظ على إنسانيتها في عالمٍ تتنازعه الخسارات؟ فالمكان يمنحها جذورها، والذاكرة تحمي استمرارية التجربة، والشعر يتيح تحويل الألم من حالة مغلقة إلى معنى قابل للمشاركة.

ومن هذا المنظور، تكتسب الكتابة بُعداً أنطولوجيّاً؛ لأنها تتصل بطريقة وجود الإنسان في العالم، وبقدرته على مواجهة الفقد دون الاستسلام له، وعلى الاحتفاظ بالأمل من غير إنكار للواقع. فالقصيدة لا تلغي الجرح، لكنها تمنحه لغة؛ ولا تعيد الماضي كما كان، لكنها تستخرج من آثاره ما يساعد الذات على فهم حاضرها.

ولا يعني ذلك أن جميع نصوص الشاعرة تنحصر في هذه المحاور، بل إن هذه العناصر، كما تكشف شهادتها عن تجربتها، تمثل مداخل أساسية لفهم منابعها الوجدانية والفكرية، واستجلاء الصلة بين سيرتها الحياتية وخياراتها الإبداعية.

المسار الإبداعي: بين الإصدار والترجمة والحضور الثقافي

صدر ديوانها الشعري الأول «قلادة في عنق الرياح» سنة 2011 عن دار براءة للنشر والتوزيع، ثم صدرت منه طبعة ثانية عن الأطلسية للنشر بتونس سنة 2012. وقد تُرجم الديوان إلى اللغة التركية، في خطوة أتاحت لتجربتها أن تعبر إلى فضاء لغوي وثقافي آخر.

وعقب التحولات التي شهدها العالم العربي في سياق ما عُرف بثورات الربيع العربي، انقطعت الشاعرة فترةً طويلة عن الكتابة المعدّة للنشر. ويكشف هذا الانقطاع عن مرحلة من التوقف في مسارها المنشور، من دون أن يعني بالضرورة انقطاع الصلة الداخلية بالكتابة؛ فالتجربة الإبداعية لا تُقاس دائماً باستمرار النشر، وإنما بما تتركه الحياة من تحولات في الرؤية، وما تتيحه المسافة من مراجعة ونضج.

وفي أكتوبر 2026، صدر ديوانها الشعري الثاني «ظمأ البحر» عن الأميمة للنشر والتوزيع، مستأنفاً حضورها في المشهد الشعري بعد تلك الفترة. كما تمتلك مخطوط ديوان شعري ثالث تعمل على إنضاجه، ومخطوط مجموعة قصصية، بما يشير إلى استمرار انفتاح تجربتها على أجناس أدبية متعددة.

وقد نُشرت قصائد لها في عدد من المجلات الورقية، من بينها مجلة «المسار» ومجلة «الإتحاف» التونسية، قبل اتساع فضاءات النشر الإلكتروني. ثم واصلت النشر في منابر ثقافية رقمية، منها مجلة «قلم رصاص»، وصحيفة «المثقف»، ومجلة «المنار الثقافية الدولية»، وغيرها من المنصات الأدبية.

وترجمت لها قصائد إلى الفرنسية والإنجليزية، إلى جانب ترجمة ديوانها الأول إلى التركية، وهو ما يفتح أمام تجربتها آفاقاً للتلقي خارج لغتها الأصلية. كما شاركت بثلاث قصائد في موسوعة «غزة كفاح وجراح» الصادرة عن بيت فلسطين للثقافة، في امتداد واضح لاهتمامها بالقضية الفلسطينية وتجلياتها الإنسانية والمقاومة.

ولم يقتصر حضورها على النشر والتأليف؛ فقد شاركت في ملتقى ربيع الكتاب التونسي بباجة، والملتقى الوطني للإبداع الأدبي والفني بالقيروان في دورته التاسعة عشرة، وملتقى الحرية والكرامة بالحمامات في دورته الأولى، إلى جانب مشاركاتها في أنشطة ومبادرات ثقافية مختلفة.

كما تنشط عضواً ومشرفةً في مجموعات ثقافية، من بينها مؤسسة رشيد الثقافية، وتشارك في منابر إلكترونية مثل مجلة «إمزاد» الجزائرية. وقد امتد نشاطها إلى المجال التربوي، إذ أشرفت خلال مسيرتها التعليمية على نوادٍ ثقافية مدرسية، من بينها نادي «تحدي القراءة العربي».

وتكشف هذه المحطات عن مسار تتداخل فيه الكتابة بالتعليم، والإبداع بالمشاركة الثقافية، والانتماء المحلي بالتواصل مع فضاءات عربية وإنسانية أوسع.

المعلمة والشاعرة: اللغة بين المعرفة والحياة

تجمع هادية السّالمي دحبّي بين العمل أستاذةً للغة العربية وممارسة الكتابة الأدبية. ولهذا التداخل دلالته؛ فاللغة التي تتعامل معها في المجال التعليمي بوصفها نظاماً للتواصل والمعرفة، تعود في تجربتها الإبداعية مجالاً لاكتشاف الذات، وإعادة تشكيل الخبرة، وتحرير المشاعر من صيغها الأولية.

ومع ذلك، فإن الصلة بين التعليم والإبداع لا تعني تطابق وظيفتيهما؛ فالمعرفة اللغوية تهيئ أدوات التعبير، بينما تتطلب الكتابة الأدبية حساسيةً خاصة تجاه الإيقاع والصورة والدلالة، وقدرةً على تحويل التجربة إلى بناء فني. ومن هنا يمكن النظر إلى مسيرتها التعليمية بوصفها جانباً من علاقتها المستمرة باللغة، من غير افتراض أن المهنة وحدها تفسر خصوصية تجربتها الشعرية.

أما إشرافها على النوادي الثقافية المدرسية، فيكشف عن امتداد اهتمامها بالكلمة إلى فضاء الفعل التربوي، حيث تصبح القراءة ممارسةً لاكتشاف العالم، ويغدو الأدب وسيلةً لتوسيع الخيال وتعميق الوعي، لا مجرد مادة دراسية.

«قلادة في عنق الرياح» و«ظمأ البحر»: من عتبات العنوان إلى أفق التجربة

تتيح عناوين ديوانيها الشعريين مدخلًا أوليّاً لاستكشاف بعض الأبعاد الرمزية في تجربتها، من دون أن تغني هذه القراءة عن دراسة النصوص الكاملة وتحليل بنيتها الفنية.

في عنوان «قلادة في عنق الرياح»، تتجاور القلادة، بما توحي به من زينة وخصوصية وشيء ثمين يُحتفظ به، مع الرياح التي تحيل إلى الحركة والتقلب وعدم الاستقرار. وينشأ من هذا التجاور توترٌ تصويري بين الرغبة في حفظ الجميل والهشّ، وبين قوة العالم التي تدفع الأشياء إلى التبدل والارتحال. فالقلادة لا تستقر في عنق ثابت، بل تتعلق بالريح؛ وكأن الذات تحاول أن تصون ذاكرتها في قلب التحول.

أما عنوان «ظمأ البحر»، فينهض على مفارقة دلالية؛ فالبحر، في المخيلة المألوفة، فضاء الماء والامتداد والامتلاء، لكن إسناد الظمأ إليه يقلب العلاقة بين الوفرة والحاجة، ويحوّل الامتلاء الظاهر إلى علامة على نقص أعمق. ومن هنا يمكن أن يُقرأ العنوان بوصفه صورةً لشوق لا يطفئه الاتساع، أو لرغبة تظل مفتوحة مهما تعددت مواردها.

إن هذا التقابل بين القلادة والرياح، وبين الظمأ والبحر، يتيح افتراض حضور مفارقة بين ما تملكه الذات وما تفتقده، وبين ما تحفظه الذاكرة وما ينتزعه الزمن، وبين الامتلاء الخارجي والحاجة الداخلية. غير أن تثبيت هذه الدلالات بوصفها سمات مركزية في شعرها يظل رهيناً بقراءة القصائد نفسها، واستجلاء طرائق اشتغال الصورة والإيقاع والرمز فيها.

الأنطولوجيا والذاكرة: الكتابة في مواجهة المحو

إذا كانت السيرة الببليوغرافية توثق الإصدارات والمشاركات والترجمات، فإن القراءة الأنطولوجية تسعى إلى الكشف عما يجعل التجربة جديرة بالتأمل، وما يصل بين محطاتها الظاهرة وخيطها الداخلي. وفي حالة هادية السّالمي دجبّي، تبدو العلاقة بالمكان، والوعي بالمأساة الفلسطينية، والعودة إلى الكتابة بعد الانقطاع، محاور تتيح فهماً أوليّاً لتوترات تجربتها.

فالذاكرة ليست استعادةً محايدة للماضي؛ إنها فعل انتقاء وإعادة بناء، يمنح التجربة معناها في الحاضر. والقرية، بما تحمله من آثار وتفاصيل، تتحول إلى مخزون للانتماء، فيما تصبح فلسطين فضاءً تتجاوز فيه الذات حدودها الوطنية نحو مسؤولية إنسانية أوسع. أما الكتابة، فتغدو الوسيط الذي تتجاور فيه هذه المستويات، من غير أن تفقد خصوصية كل منها.

ولعل أهم ما يلفت في شهادتها عن نفسها أن الصلة بفلسطين بدأت مبكراً، قبل اكتمال التجربة الشعرية، وأن الأحداث التاريخية أسهمت في توجيه حساسيتها تجاه المظلومين والمضطهدين. وهذا يمنح الموقف الأخلاقي مكانةً في تكوينها الإبداعي، لكنه لا يعفي النقد من ضرورة التمييز بين قيمة الموقف وقيمة الإنجاز الفني؛ فصدق القضية لا يغني عن تحليل كيفية تحولها إلى لغة وصورة وإيقاع، مثلما أن جماليات القصيدة لا تنفصل بالضرورة عن الشروط التاريخية والإنسانية التي تستدعيها.

ومن ثم، فإن قراءة شعر هادية السّالمي دجبّي تقتضي الجمع بين الإصغاء إلى منابعه الوجدانية، وتحليل أدواته الفنية، وتتبع التحولات التي طرأت على تجربتها بين البدايات والعودة إلى النشر. فالسيرة تضيء النص، لكنها لا تحل محله؛ والنص، بدوره، يتيح رؤيةً أعمق للسيرة، من غير أن يُختزل فيها.

القصيدة بوصفها أثراً من آثار البقاء

تتشكّل تجربة هادية السّالمي دجبّي عند تقاطع ثلاثة مسارات: ذاكرة المكان التي تمنح الذات جذورها، والوعي الإنساني الذي وسّع انتماءها نحو فلسطين وقضايا المقهورين، والكتابة التي تتيح تحويل التجربة إلى لغة قابلة للمشاركة والتأويل.

ومن دجبة، بما تختزنه من طبيعة وتاريخ وذاكرة، إلى القصيدة التي تستوعب الحنين والوجع والرجاء، يمتد خيط يصل الإنسان بأرضه، ويمنح الماضي حضوراً في الحاضر. ومن متابعة أخبار فلسطين في سنوات التكوين إلى المشاركة في موسوعة «غزة كفاح وجراح»، يتضح استمرار الصلة بقضية لم تنحصر في لحظة عاطفية، بل حضرت في مسارها الثقافي والأدبي.

أما انقطاعها عن النشر ثم عودتها بديوان «ظمأ البحر»، فيضيف إلى سيرتها محطةً من محطات التحول، ويؤكد أن مسارات الإبداع لا تسير دائماً في خط مستقيم؛ فقد تتباطأ، وتنعطف، وتصمت، ثم تستأنف طريقها في زمن آخر، محمولةً بما راكمته الحياة من خبرة وأسئلة.

إن هادية السّالمي دجبّي، في حدود ما تكشفه سيرتها وشهادتها عن تجربتها، شاعرةٌ تشدها الذاكرة إلى المكان، ويشدها الضمير إلى الإنسان، وتمنحها الكتابة وسيلةً لمقاومة التلاشي. وبين الجبل والبحر، وبين تونس وفلسطين، وبين الصمت والعودة، تظل القصيدة مساحةً لاختبار معنى الانتماء، وصون ما لا ينبغي أن يُمحى من الذاكرة الإنسانية.

فالشعر، في أعمق احتمالاته، ليس ما تقوله الذات عن العالم فحسب، بل ما تحاول أن تنقذه من العالم: ذكرى من النسيان، وكرامة من الامتهان، وأملًا من اليأس، وإنسانًا من أن يتحول إلى أثرٍ بلا صوت.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم