عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

ثامر الحاج أمين: الشهيد «شهدي عطية» روائياً

في الخامس عشر من شهر حزيران الحالي تمرّ الذكرى السادسة والستون لرحيل السياسي المصري الشهيد شهدي عطية الشافعي (1911 ــ 15 يونيو 1960)، أحد رموز الحركة الشيوعية في مصر والوطن العربي، ومن أبرز المؤثرين في مسار الحركة الوطنية خلال أربعينيات القرن العشرين في مصر، والذي توفي نتيجة تعذيب وحشي في معتقل «أبو زعبل»، وقد أحدث مقتله ردود فعل واسعة على المستوى الدولي.

وقبل عام 2009، لم يكن الكثيرون يعرفون عن شهدي عطية سوى نشاطه السياسي ودوره القيادي في الحركة الوطنية المصرية، ورحلة حياته التي قضاها متنقلاً مع مجموعة من الوطنيين بين أقبية السجون المصرية، والتي انتهت في واحدة منها متأثراً بأساليب التعذيب الوحشية التي تعرّض لها. كما أن معظم الكتابات التي تناولت شهدي عطية ركزت عليه بوصفه شهيداً للطغيان، ولم تكن موهبته الأدبية وتجربته في كتابة القصة معروفتين إلا لدى فئة ضيقة من المثقفين اليساريين، ومن بينهم الناقد والمؤرخ شعبان يوسف الذي كان له الفضل في الكشف عن جانب من تراث شهدي عطية الأدبي ظل خافياً على الكثيرين.

فقد بذل شعبان يوسف جهداً كبيراً للوصول إلى نص رواية حارة أم الحسيني، التي نُشرت لأول مرة عام 1956 على شكل خمس حلقات في «جريدة المساء» ــ وكان يرأس تحريرها آنذاك الأستاذ خالد محيي الدين ــ من دون اسم الكاتب، لأن شهدي عطية كان ممنوعاً من الكتابة، كما كان ينشر مقالاته في الجريدة باسم مستعار هو «أحمد ناصر». إلى أن صدر عام 2009 عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر كتاب «حارة أم الحسيني»، الذي ضمّ، إلى جانب الرواية، قصتين قصيرتين هما: «من الجامعة إلى الوظيفة» و«جمال رخيص». ويُعدّ هذا أول كتاب أدبي للشهيد شهدي عطية الشافعي، بعدما سبقه عام 1957 كتابه السياسي "تطور الحركة الوطنية المصرية 1882 ــ 1956" .

ويشير شعبان يوسف في مقدمة الكتاب إلى أن الجانب الأدبي لشهدي عطية ظل مجهولاً بعدما طغت عليه سيرته السياسية وكفاحه الفكري والثوري، وكذلك حادث اغتياله الذي كتب عنه عدد من الكتّاب والمؤرخين، من بينهم طاهر عبد الحكيم في «الأقدام العارية»، وإلهام سيف النصر في «معتقل أبي زعبل»، وفتحي عبد الفتاح في «شيوعيون وناصريون»، وسعد زهران في «الأوردي»، والسيد يوسف في «مذكرات معتقل سياسي»، وصنع الله إبراهيم في «يوميات الواحات»، الذي شاركه العمل الصحفي وحياة المعتقلات، وكان قريباً من أفكاره ومشاريعه.

تنتمي رواية «حارة أم الحسيني» إلى تيار الواقعية، وتتناول نزوح أسرة ريفية من الزقازيق إلى الإقامة في حارة «أم الحسيني» بمدينة الإسكندرية. ويتخذ المؤلف من الحارة فضاءً سردياً وميداناً لحركة أبطاله، وكما هو معروف فقد حوّل العديد من الأدباء الحارة إلى مجتمع مصغر يعكس تركيبة المجتمع الكبير، ومختبر يكشف الواقع السياسي والاجتماعي. ومن أبرز هؤلاء نجيب محفوظ في أهم أعماله مثل «الثلاثية» و«زقاق المدق» و«خان الخليلي»، وكذلك الروائي العراقي غائب طعمة فرمان في أعماله «النخلة والجيران» و«القربان». وعلى خطى هؤلاء سار مؤلف رواية «حارة أم الحسيني»، إذ وظّف الحارة التي حملت الرواية اسمها لعرض تركيبتها وواقعها الاجتماعي.

فالرواية تصور معيشة شريحة من الشعب تعاني الفقر والجهل والخرافة والتخلف، وتعصف بحياة أفرادها المشاحنات والشجارات ونوازع الغيرة والحسد، نتيجة ضغوط الحاجات الإنسانية التي تولّد البغضاء والفضول والتناحر. ومن نساء الحارة نجد «أم الحسيني» صاحبة الدار التي نزلت عندها عائلة «حسنين أفندي»، وهي امرأة جشعة مولعة بأعمال السحر والأحجبة، ( طويلة اللسان، مشاكسة، معاندة، لا يمضي يوم إلا ولها خناقة مع مستأجريها أو مع الجيران ص36). وهناك أيضاً «أم حبشي» زوجة المكوجي، التي تتلذذ بمشاجرات الجيران، مقلدةً حركاتهم ومحاكيةً تصرفاتهم، و«أم حسن المصرية» زوجة النجار وقارئة الفنجان التي تلجأ إليها نساء الحارة لقراءة الطالع، فضلاً عن «أم علي» بائعة اللحم خلسة في السلخانة، التي تذبح العجل الوقيع بنفسها، وهي فتوة الحارة لما تتمتع به من بأس شديد، حتى إن الجميع يهابها ويخشى غضبها، ويقابل هؤلاء «أم فؤاد» الأعلى طبقياً، التي تسكن بيتاً متميزاً عن بيوت الحارة، وتنفرِد بلقب «الست»، ولديها خادمان، وهي لا تتبادل السلام مع أحد ولا تزور أحداً.

وسط هذه البيئة المعقدة والصاخبة بعلاقاتها وأمراضها الاجتماعية، يجد «سيد» ــ الشخصية الرئيسية التي نزحت مع أهلها من ريف الزقازيق إلى حارة «أم الحسيني» ــ نفسه ملقى في هذا العالم الجديد بعمرانه وثقافته، لتبدأ رحلته مع الحياة، حيث يواجه سلوكيات غريبة تتمثل بالخبث والنميمة. فيرى أمه، المرأة المسكينة، محاطة بمجموعة من الجارات الخبيثات؛ فأم الحسيني، صاحبة الدار، تحرضها على الحذر من الرجال وتسعى إلى تعكير صفو علاقتها بزوجها، بقولها: ( الراجل ما يهموش إلا يلاقي الواحدة لابسة ومتوضبة ومتزوقة له ص32)، كما تحذرها من أم حبشي قائلة: ( يا أم سيد، المرة أم حبشي ناوية تلطش زوجك، دي وقعت لي بلسانها ص48) ، أما «سيد» نفسه، فتحيط به مجموعة من الصبيان المختلفين عنه في المظهر والامتيازات؛ فهو لا يملك دراجة مثل «فؤاد»، ولا طائرة ورقية مثل ابن «أم الحسيني»، الأمر الذي يثير داخله الحساسية ويقوده إلى الشجار العنيف. كما يعاني من ضغوط نفسية تتمثل في سلطة الأب «حسنين أفندي» وقسوته، فضلاً عن التعنيف الذي يتعرض له على يد الشيخ المعلم «خاطر أفندي»، ما يخلق لديه روح التمرد على العنف والظلم. وتعد المواجهة العنيفة بينه وبين «خاطر أفندي» بداية نضوج وعيه وإحساسه بالظلم ورفضه لكل أشكال الأذى، وهي نقطة تحول في حياته، إذ ينتهي به الحال إلى ترك المدرسة ليبدأ فصلاً جديداً من حياته بدخوله ميدان العمل عند المعلم "حمودة " .

ومن خلال عرضه لهذه البيئة المشحونة بالتناقضات والسلوكيات المختلطة بين الطيبة والنفاق، يكشف المؤلف عن معرفته الواسعة بتفاصيل الحياة اليومية لسكان الحارة وحجم المعاناة التي يعيشونها. ونكتشف من خلال ذلك أن حارة شهدي عطية لا تبتعد كثيراً عن حارة نجيب محفوظ؛ فملامح شخصية «حميدة» في «زقاق المدق» تبدو واضحة في شخصية "أم الحسيني" .

وفي هذا الجو القاتم يشعل لنا المؤلف شمعة أمل بمستقبل مضيء، يتمثل في العلاقة العاطفية الطفولية الجياشة التي تنشأ بين «سيد» و«أطة» ابنة «أم الحسيني»، وتطلعهما إلى مستقبل أكثر إشراقاً، وكذلك في إيمان المعلم «حمودة» بأهمية الطبقة العاملة ودورها في بناء الحياة، وهو ما يتجلى في هتافه الأيديولوجي الذي يطلقه في ختام الرواية مخاطباً "سيد" : ( شوف يا سيد… إحنا الصنايعية، إحنا كل حاجة، بص كده للبيوت دي مين اللي يبنيها؟ إحنا الصنايعية… لا تقول لي بتوع مدارس ولا أفندية ولا باشوات) .

وفي الرواية، التي تعود أحداثها إلى عام 1924، تبرز ثنائية الفصحى والعامية؛ إذ يستخدم المؤلف في حواراته اللغة العامية، على الرغم من أنه خريج كلية الآداب ــ جامعة القاهرة ــ قسم اللغة الإنجليزية، وحاصل على شهادة الماجستير من جامعة مانشستر في الأدب الإنجليزي، وقارئ نهم لآداب الغرب. لكنه آثر استخدام العامية لأنه وجد فيها قدرة أكبر على تصوير واقع الحياة الشعبية بحلوها ومرّها. كما تميزت لغته العامية بالسبك الرصين من دون ابتذال أو مباشرة فجة، وتمكن ببراعة من مزج الفصحى الرصينة بالعامية المعبرة.

وتضمنت الرواية الاستعانة في بعض حواراتها بالأمثال الشعبية، مثل: «اللي على راسه بطحة يحسس عليها»، فضلاً عن استخدام بعض العبارات الدارجة والمتداولة في الأوساط الشعبية، مثل: «مش جاي من ورا الجاموسة»، التي يقابلها في اللهجة العراقية عند التحذير من محاولة الغش قولهم: "ما جايك من وره الهوش " ، كما تتجلى قدرة المؤلف على تصوير الفوارق الطبقية من خلال عدد من المشاهد التي ترصد التباين الاجتماعي بين سكان الحارة، وما يرافقه من إحساس بالحرمان والتفاوت الإنساني

خصوصا في" زيارة خليل بك " لقريبته ام سيد ـــ برفقة زوجته البرجوازية " نبيلة هانم " وبنته الصغيرة حيث (كانت الزوجة لا ترتدي الملاءة شأن نساء الحارة، وانما كانت تكتفي بفستان قصير الأكمام يكشف عن ذراع بضة ناعمة بيضاء .. ولذا سرعان ما اطلقت عليها الحارة: الخواجاية ص 77) .

إن رواية «حارة أم الحسيني» تمثل وثيقة إبداعية غنية بالدلالات، تقدم شهادة حية على التصاق المناضل الشهيد شهدي عطية بهموم شعبه، وقربه من معاناتهم، كما تمثل شهادة إنسانية نابضة عن عالم المهمشين، مؤكداً أن الأدب يمكن أن يكون شكلاً آخر من أشكال النضال.

***

ثامر الحاج أمين