شهادات ومذكرات
حميد بن خيبش: جون دوس باسوس.. أمريكا مختطَفة!
لا يولد المرء أمريكيا، بل يصير كذلك حين يناضل من أجل القيم التي أرساها الآباء المؤسسون، ويُلوح بجرأة غير معهودة أحيانا، بضرورة نقد جديد للنصوص التأسيسية التي وطدت هوية أمريكا أمام العالم. ذلك أن أسطورة الأصل يجب أن يُعاد تفسيرها لتستوعب سرديات متعددة، وتمنح جواز سفر لمن أبقتهم أمريكا في الهامش، لتزج بهم في صراعاتها وحروبها الشرسة.
على الخيط المتوتر بين الكتابة والسياسة، تأرجحت مسيرة أدبية مفعمة بالجرأة والألمعية. وانبرى قلم متمرس لكشف الصدع الذي يمزق أمريكا المعاصرة، ولتجريد خطاب الحرية والديموقراطية من كلماته الرنانة. لذا فإن الضوء الكاشف الذي يُسلّط اليوم على الأعمال الأدبية للكاتب الأمريكي جون دوس باسوس، يبدو منسجما على نحو مقصود، مع اصطفاف العالم ضد جموح البيت الأبيض وساسته، وخطابه الذي يجسد النقيض تماما، حين يلوح بشعارات الحرية والديموقراطية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
منذ رواياته الأولى تمكن دوس باسوس من ربط الكتابة بالسياسة ربطا وثيقا، وسعى لتفكيك السرديات التي بنتها الدعاية الحكومية، لتبرير الانضمام إلى ساحة الحرب العالمية الأولى؛ بما يعنيه ذلك من هدم لفكرة أمريكا كنظام قيم.
وعبر السرد الخيالي سيُجري دوس باسوس تحديثا حقيقيا لهوية أمريكا، كاشفا عن الهوة السحيقة بين الجريمة الأساسية وتبريرها الخطابي، الذي شكل برأيه، بداية عصر التلاعب اللغوي. إن كلمات رنانة من قبيل الديموقراطية والحرية، بل وحتى أمريكا نفسها، ليست سوى عبارات رومانسية مبتذلة، تخفي في طياتها انسحاق الأمل، والطبيعة الأفقية لعالم يُخلف وعوده باستمرار.
استقبل جمهور الأدب في الولايات المتحدة الأمريكية كاتبا بروليتاريا مثيرا للجدل، من خلال روايتين هما: (تحويلة مانهاتن) و(ثلاثية أمريكا). تضمنت الروايتان هجوما قاسيا على نفاق أمريكا وماديتها البغيضة، في الفترة بين الحربين العالميتين. كما عرض المؤلف حقائق مرة لحياة الطبقة العاملة، متأثرا إلى حد كبير، بأعمال جيمس جويس وبليس سيندرز، الذين تبنيا ما سمي بالكتابة الضد-أدبية. غير أن دوس باسوس تجاوز تأثيرهما لينحت أسلوبه الخاص والمميز.
في (تحويلة مانهاتن)، وهي الرواية التي لم تحظ بتقدير كامل، بل اعتبرها النقاد مجرد مقدمة ل(ثلاثية أمريكا)، يستحضر المؤلف قصة مركز نقل رئيسي، يبتلع ملايين المسافرين دون أن يتركوا أثرا. ومثل نيويورك أصبحت مانهاتن فضاء قاسيا يشكل المصائر الإنسانية ويسحقها دون رحمة، ليرفع من شأن قلة قليلة:
"إن مشكلة الناس في هذا البلد يا سيد ميريفال هي هذه.. الناس في هذا البلد متسامحون للغاية. ليس هناك بلد آخر في العالم يسمح بذلك.. بعد كل ما فعلناه لبناء هذا البلد نسمح لحفنة من الأجانب، رعاع أوروبا، نسل الجيتوهات البولندية، بأن يأتوا ويحكموه بدلا منا."(1)
يغطي السرد ثلاثة عقود من العصر الذهبي، ليكشف دوس باسوس بجرأة فضاء يتنقل فيه الناس بشكل أعمى، ويمرون ببعضهم دون أن يتواصلوا. ورغم السعي الدؤوب لتحقيق النجاح إلى أن الفشل الذريع هو ما يسم قرابة ثلاثين شخصية في هذا العمل، حيث مانهاتن أقرب إلى كماشة، تمسك الشخصيات بين فكيها الفولاذيين لسحقها.
عمد دوس باسوس إلى تجذير العلاقة بين الأدب والسياسة، من خلال طرح صورة منعشة للأدب الأمريكي الراديكالي الذي اهتم، إلى جانب أعمال كُتاب آخرين ك(غاتسبي العظيم) لسكوت فيتزجيرالد، بكشف سراب الحلم الأمريكي منذ عشرينيات القرن الماضي:
"السلطة ليست شيئا حقيقيا؛ إنها وهم. إن العامل هو الذي يخترع كل ذلك لأنه يؤمن به. اليوم الذي نتوقف فيه عن الإيمان بالمال والمِلكية سيكون ما ولّى كحلم عندما نستيقظ. لن نصبح بحاجة إلى القنابل والمتاريس.. الدين، والسياسة، والديموقراطية؛ كل ذلك للإبقاء علينا في حالة الغفلة. يجب أن يجوب الجميع أرجاء البلاد منادين في الناس: استيقظوا!"(2)
لم يتقيد دوس باسوس في روايته هذه بأساليب السرد التقليدية، وإنما سعى بجرأة لأن يُجسد الروح الأمريكية العملية، من خلال تجريب تقنيات مستلهمة من الصحافة والسينما، والإعلانات التجارية، وإرباك القارئ بالتناوب بين اللقطات الواسعة والمقربة، ومقاطع من الأخبار الواقعية، والخطابات والأغاني الشعبية.
شكّلت (تحويلة مانهاتن) بأسلوبها التجريبي، ومضمونها الذي يجمع شظايا الحياة من هنا وهناك، دون التركيز على مصير محدد، تمرينا حداثيا لم يألفه القارئ الأمريكي. لا توجد حبكة أو صراعات وإنما عشرات الشخصيات التي تشكل طيفا عرقيا واسعا، تتحرك بشكل أعمى، وتتقاطع همومها عبر مصادفات لا حصر لها.
كانت مانهاتن بالون اختبار ناجحا لرواية تؤكد ارتباطها المباشر بالتجربة المعيشية، وتسعى لمنح صوت فردي أو جماعي لمن لا يُسمع صوتهم داخل أمريكا النابضة بالحياة. وهو المنحى الذي سيبرز بشكل واضح في (ثلاثية أمريكا)، والتي اعتبرها النقاد عملا أدبيا وفّى بجميع متطلبات الرواية الأمريكية العظيمة.
شكلت الأزمة الاقتصادية الكبرى لسنة 1929 لحظة فارقة للمثقفين الأمريكيين؛ إذ اعتبرها العديد منهم تجليا صارخا لشر أعمق مرتبط بطبيعة النظام الرأسمالي الأمريكي، وثمنا قاسيا لجريمة الانخراط في حرب حطمت الأرواح، وأحبطت الآمال، وأفسدت القيم المؤسِّسة للآباء.
من واقع تجربته الشخصية خلال الحرب العالمية الأولى، كمُسعف ضمن الفيلق الطبي للجيش الأمريكي، سيُعاين دوس باسوس عنف الهوة بين الحرب وتبريراتها الخطابية. وسيكتشف البُعد المروع والدموي الذي لم تفلح السرديات المصقولة في التخفيف من وطأته. غير أن المؤلف لن يعمد إلى تصوير وحشية الحرب، بقدر ما سيهتم بفضح التلاعب اللغوي الذي لا يبالي بتقويض الاستمرارية، وتحطيم العالم، وتعزيز اغتراب الحياة الفردية.
نشر دوس باسوس ثلاث روايات بشكل منفصل هي: خط عرض 42(1930)، و1919 (1932)، والمال الكبير (1936). ثم جرى دمجهما في طبعة واحدة بعنوان (ثلاثية أمريكاU.S.A) ليستوعب السرد تاريخ قارة بأكملها، من هوليود إلى نيويورك، ويقدم من خلال سرد الأحداث المنفصلة، مرايا تعكس حاضر أمة مهزومة.
تدور أحداث الجزء الأول (خط عرض42) حول مصير خمس شخصيات عالقة في مسار هذا الخط العرضي. يدفعها التيار نحو نيويورك، لتتقاطع مسارات حياتها وتعود أدراجها. إنها شخصيات مجردة من أية إرادة حرة أو ترابط أسري واجتماعي. دمى فقدت صوتها الداخلي ومعه كل قدرة على التفكير والتصرف باستقلالية، لذا فهي تدور في حلقات عبثية من الإخفاق والاضطراب المحموم:
" -إن شيكاغو ليست هي الجنة. لا أستطيع قول ذلك يا جون، لكنها في الوقت الحالي سوق أفضل لعضلات العامل ودماغه عنها في الشرق. ولماذا؟ اسألني لماذا؟ بسبب قانون العرض والطلب. إنهم يحتاجون عمالا في شيكاغو.
- تيم، لقد قلت لك أنا أحس إحساس الكلب المجلود.
- إنه النظام يا جون. النظام القذر الملعون."(3)
أما رواية (1919) فقد كرسها الكاتب لحقبة الحرب العالمية الأولى، لكنه لا يتناول الحرب بشكل مباشر بقدر ما يرصد فرضياتها الخادعة، وحطام الإنسان الذي يعيش في بلاد تشيد بالظلم وانسحاق الأمل.
تجد شخصيات دوس باسوس نفسها في خضم حرب وفوضى عارمة. مسعفون وسائقون متطوعون يقضون أوقاتهم في معاقرة الخمر والبحث عن علاقات عاطفية. بينما الجنود يعانون من إحباط شديد ويهتفون: الموت للحرب!
لم يكن دخول أمريكا للحرب لدواع أخلاقية، وإنما يتعلق الأمر بانتهازية تجارية، أفضت إلى شغف رأسمالي بالحرب، مؤجج بالعواطف الدنيئة، وانفراط العلاقات الاجتماعية أمام المنافسة الشرسة التي يشنها الناس ضد بعضهم البعض.
تهيمن على أحداث الرواية شخصية جو وليامز، في تجسيد للرجل الأمريكي الفقير والمنهك بتقلبات الحياة. انضم إلى البحرية التجارية لتقذف به الحرب من قارة إلى أخرى بلا هدف. تقدم الشخصيات الأخرى نماذج لانخراط الأمريكيين في حرب تعيد رسم مصائرهم في القارة العجوز. بعضهم سيضيع، بينما سيحافظ آخرون على حبهم للوطن؛ أما بقية العائدين فسيجدون أمامهم بلدا تغير بالكامل. ترتسم تجربة الكاتب الذاتية بوضوح وهو يدعو القارئ إلى تتبع مسارات شخصيات من الجيل الضائع، في بلد تهيمن عليه الشركات الاحتكارية وقوى المال، وحيث يتعرض دعاة السلام والشيوعيون للملاحقة.
تتخلل الرواية استحضارات عفوية للحالة المزاجية للبلد، نتيجة الانهيار والكساد؛ بالإضافة إلى سير ذاتية لمشاهير أمريكا، وتقارير واقتباسات تُعبّر ضمنيا عن التزام دوس باسوس باختياراته الإيديولوجية، ونقده الحاد للفجوة المستمرة بين أثرياء أمريكا ومنبوذيها.
يقدم الكاتب سياقا تاريخيا للسرد، فتظهر الحرب فقط من خلال مونتاج الوثائق، والاقتباسات التي تتألف من قصاصات صحفية، وإعلانات تجارية، وأجزاء من سير ذاتية. يروي دوس باسوس ما جرى دون إصدار أحكام، أو الخوض في العوالم الداخلية لشخصياته؛ كأن الأمر متروك للقارئ كي يعيد تجميع الأجزاء في هذا البناء المفتوح.
أما الجزء الثالث الذي يحمل عنوان (المال الوفير) فتجري أحداثه في حقبة ما بعد الحرب، حيث يزدهر النظام الرأسمالي، وترتفع أسهم البورصة، وتتشكل على إثره طبقة رجال الأعمال التي تبين أنها المستفيد الحقيقي من حروب القارة العجوز.
تدور الأحداث حول شخصيات تجسد الحركة العارمة والقيم المتلاشية، والانحلال الأخلاقي لمجتمع ما بعد الحرب. فالطيار تشارلي أندرسون الذي عاد لتوه من الحرب، يستثمر أمواله في مشروع طيران تجاري، ويتمتع بحياة اجتماعية سرعان ما تُغرقه في الديون والعلاقات العاطفية، ثم ينتهي به المطاف في المستشفى إثر حادثة قطار.
أما الشابة ماري فينش التي لم تثمر علاقاتها المتعددة زيجة مرضية، فتجد ملاذها في العمل الاجتماعي، والتنقل بين المنظمات الاشتراكية. بينما تنجح مارغو داولينغ المتحدرة من عائلة فقيرة، في تحقيق ثروة طائلة من الاستثمار في العقارات، والسعي خلف حلمها لتصبح نجمة هوليودية.
يكرر دوس باسوس مرة ثالثة، خطته في جعل أمريكا شخصية رئيسية، تتوارى خلف عدد هائل من الشخصيات التي تتأكسد لصالح المدينة. تلك هي عبقرية الكاتب الذي فضل أن يكتب عن السرعة الجارفة، والآمال المحطمة، والإنسانية التي تخنقها عشرات المنظمات والنقابات، والسلطة في بلد ينتصر للظلم وتآكل الحريات.
يعيد دوس باسوس كتابة تاريخ أمريكا، ببصيرة حكواتي يدلك على قارة في حالة تغير مستمر، يشوبها التصدع واهتزازات الحياة العصرية. لكن الأمر لا يتعلق بسرد تاريخي فحسب، وإنما بنقد هجائي حاد، يتصاعد تدريجيا عبر رواياته، ليكشف الطبيعة الخادعة للشعارات والتفسيرات الرسمية المسيئة لجذور أمريكا، وقيمها الروحية والاجتماعية. وخلف هذا النقد يتوارى إحساس عميق بالانتماء الذي بات مهددا بالاقتلاع، بفعل التيارات الجارفة للحياة الحديثة.
يدافع دوس باسوس عن أمريكا وكأنها بلورة مختطفة، توشك أن تتناثر أجزاؤها تحت وطأة التصنيع الشامل، وتفكك اللبنات الاجتماعية الأساسية، كالعائلة والمدينة والحي. وتعاظم الشعور الزائف بالرضى عما يحققه النجاح بمفهومه المادي، ولو على حساب القيم. لذا، ودفاعا عن الجذور العميقة، ارتكز خطابه على دفع الناس للتمرد، والحرص على إقناعهم بتفاهة المثل التي يروج لها الساسة المزيفون وتجار الحروب، وإبداء امتعاضه المستمر من حالة عدم الاكتراث التي سادت البلد خلال فترة الكساد الكبير.
بعد معاينته لدور الشيوعيين في الحرب الأهلية الإسبانية، سيبدأ التحول التدريجي لدوس باسوس في توجهاته السياسية من اليسار إلى اليمين. وهو التحول الذي لم يكلفه صداقات هامة في مجتمع نيويورك الأدبي فحسب، وإنما سيُفقده حضوره الإبداعي، بعد أن صدرت له روايات متوسطة القيمة، ودراسات تاريخية غير ذات قيمة علمية. وانتهى به الأمر لاحقا إلى معاداة الفكر التنويري القديم الذي صنع أدبه.
ولد جون رودريغو دوس باسوس سنة 1896 في أحد فنادق شيكاغو، كثمرة لعلاقة غير شرعية، غير أن حظي بطفولة سعيدة في كنف عائلة ثرية. والتحق بجامعة هارفارد قبل أن يتطوع في الجيش إبان الحرب العالمية الأولى، حيث عمل مسعفا، ثم تنقل بين إسبانيا والشرق الأدنى، قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة سنة 1929.
برزت موهبته الأدبية منذ سن مبكرة، فنشر قصصا وقصائد ومقالات نقدية في المحلة الشهرية للجامعة. وكان لاستقراره بإسبانيا دور في تأثره بأعمال بيو باروخا التي تكشف عن نزعة تمرد حادة وتقديس للقيم الفردية. وفي سنة 1922صدرت الطبعة الأولى من روايته (روسينانتي يعاود الرحيل)، التي يستكشف من خلالها إسبانيا الممزقة بين التقاليد القديمة والحداثة الصناعية.
حقق دوس باسوس شهرة عالمية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين بروايته (تحويلة مانهاتن)1925، و(ثلاثية أمريكا)1930-1936. ويُعد، إلى جانب جون شتاينبك وعزرا باوند، أبرز كُتاب جيل الضياع، وهو الجيل الذي امتاز بميل شديد إلى اكتشاف العالم، والبحث عن حل لمشاكل أمريكا خارج طوقها الجغرافي، إلا أن ما يميز دوس باسوس هو إدانته المستمرة لاغتراب الإنسان الأمريكي حيث يُظهر أصالة وإبداعا في تجريب أسلوب كتابة متحرر من النداء العاطفي، وتكريس قلمه شاهدا على تاريخ القمع الذي سطره الرأسمال في حق المضطهدين من الطبقة العاملة.
ورغم ما تمتع به الكاتب من شهرة مطلع القرن العشرين، إلا أن حركة الترجمة العربية لم تنصفه، لانشغالها آنذاك بنقل كلاسيكيات الأدب الأوربي والروسي من ممثلي الواقعية الاشتراكية. أما في الستينيات التي شهدت انفتاحا على الأدب الأمريكي، فقد كان دوس باسوس خارج دائرة الضوء، بعد توقفه عن الكتابة الإبداعية المتميزة، وتأييده لإجراءات قمعية جرّت عليه انتقادات واسعة، ليرحل سنة 1970 عالقا في المنتصف، بين الريادة والتجاهل القاسي.
***
حميد بن خيبش
.....................
1- جون دوس باسوس: تحويلة مانهاتن. ترجمة ياسمين العربي. مؤسسة هنداوي للنشر2023. ص103
2- تحويلة مانهاتن: ص43
3-جون دوس باسوس: خط عرض 42. ترجمة فيليب عطية. مكتبة مدبولي. القاهرة1992. ص 22







