بين الأدب والفن وطهي الطعام
الفرق بين طقوس يوم الموتى المكسيكية وطقوس هالوين.
تقترب الفرشاة من جفن مغلق. تستقرّ دائرة سوداء حول العين، ويمتدّ صفّ من الأسنان فوق الشفتين. تقول المرأة كلمة فتتحرك الأسنان المرسومة. تحت البياض خدّ دافئ، وفي السواد عين تنظر. يشدّني هذا الوجه حين يخرج بين الناس. وفي قصيدة مكسيكية قصيرة، يصل الموت لاصطحاب شخص، فيجد أن عليه أولاً أن يتفاهم معه.
يسمّونها «الكالافيرا الأدبية». تعني «كالافيرا» في الإسبانية الجمجمة، و«كالافيريتا» تصغيرها. يُكتب للحيّ نعي متخيّل، وترافقه إلى القبر خصلة يعرفها أصدقاؤه. يسمع اسمه في القصيدة، ويتعرف إلى عادته التي أتعبتهم. وقد يقع الموت نفسه في مأزق معها. [1]
في احتفالات يوم الموتى، ولا سيما الأول والثاني من نوفمبر، تتجاور القصائد مع صور الغائبين والشموع والطعام. يضحك المرء من نعي صديقه الحيّ، ثم يقف أمام صورة أبيه. أتخيّل الضحكة تخفت عند الصورة، ويبقى حولها كلام الأهل وأصواتهم. [2، 5]
في أوراق القرن التاسع عشر الشعبية، نرى الموت بملابس أصحاب المهن والمناصب. دخلت الخصومات السياسية والصحافية في الرسم والأبيات، كما يتتبع ستانلي براندس في دراسته عن صور الموت المكسيكية. تساعدنا هذه الأوراق على فهم ما أضافته المدينة وصراعاتها إلى الجمجمة التي نراها اليوم. [2]
الغائب يدخل البيت
للمكسيك مكانها الخاص في هذه المشاهد. امتزجت عادات السكان الأصليين بالتقاليد الكاثوليكية الوافدة مع الإسبان، وتفاوتت الاحتفالات بين المناطق والأسر. أما «الثقافة اللاتينية» فتضم شعوباً كثيرة، لا تختصرها جماجم المكسيك الملونة. [2، 10، 14]
تصف اليونسكو الاحتفال، لدى مجتمعات مكسيكية أصلية، بأنه استقبال لعودة الأقارب الراحلين عودة مؤقتة. يحل أواخر أكتوبر وبداية نوفمبر، مع اكتمال دورة زراعة الذرة. تُعدّ الأسرة ما كان الغائب يحبّه، وقد يسأل طفل عن وجه في صورة، فتبدأ الحكاية عند المائدة. [10]
تُسمّى مائدة القرابين «أوفريندا». عليها صورة وخبز وماء وشموع، وأشياء تخصّ الغائب أو تذكّر به. تعتقد أسر مشاركة في الطقس أن ضوء الشموع ورائحة زهور القطيفة يهديان الأرواح إلى المكان. أتخيّل يداً تعدّل إطاراً مائلاً، وأخرى تزيح زهرة عن الوجه. وتجاور الصورة جماجم من السكر زُيّنت بألوان زاهية. يستوقفني السكر وقد أُعطي هيئة عظم، ثم أعود إلى الصورة. [11، 14]
يتعلم الطفل قافية في المدرسة، وقد يكتب التلميذ نعياً ساخراً لمعلّمه. وحين تُقرأ القصيدة بين من يعرفون صاحبها، يكفي تفصيل واحد كي يلتفتوا إليه ويضحكوا. [1، 5]
عظام روما وإيفورا
وفي أوروبا الكاثوليكية يأخذ الاقتراب من الموت هيئة أخرى. تحت كنيسة سانتا ماريا ديلا كونتشيوني دي كابوتشيني في روما، قرب شارع فينيتو، يمتد سرداب الرهبان الكبوشيين. تصف هيئة السياحة في روما جدرانه وأقباءه المزينة ببقايا نحو أربعة آلاف راهب. رُتّبت العظام في وردات ونجوم وساعات رملية وثريات وصلبان، وأُلبست بعض الهياكل أثواب الرهبنة. [12]
تتوقف العين عند وردة عظمية، ثم تتبين مادتها. تحمل الزخرفة معنى «ممنتو موري»، أي «تذكّر أنك ستموت». تزيّن البقايا السرداب تحت الكنيسة، أما بناء الكنيسة فليس مشيّداً بكامله منها. [12]
وفي إيفورا البرتغالية تقع «كابيلا دوس أوسوس»، مصلى العظام الملحق بكنيسة ساو فرانسيسكو. يحدد موقع الكنيسة الرسمي إنشاءه في القرن السابع عشر. كُسيت جدرانه وأعمدته بآلاف العظام والجماجم الآتية من مواضع الدفن المتصلة بالدير، لحمل الزائر على التأمل في زوال الحياة. أما سقفه المقبّب فتزيّنه رسوم دينية. [13]
فوق المدخل عبارة معناها: «نحن العظام الموجودة هنا ننتظر عظامكم». يدخل الزائر بجسده، فيجد الكلام موجهاً إليه. تذكّرني العبارة بالنعي الذي تكتبه الكالافيرا للحيّ، لكن عظام المصلى تظل ساكنة، والموت في القصيدة يستطيع أن يتكلم ويغضب ويعود خائباً. [15]
الموت والحي
للقصيدة قافيتها التي تحفظها الأذن. تشيع في الكالافيرا المقاطع الرباعية والأبيات ذات المقاطع الصوتية الثمانية، وتعين على تناقلها. المقتطفات التالية ترجمات قصيرة للمعنى، حاولت أن أبقي فيها موضع اللسعة. وستظل قافية إسبانية أو خفة لفظة خارج ما استطاعت العربية حمله. [1]
في شاهد مصاحب لرسم بوسادا، وتنقله مجلة «لا بوث» التابعة لكلية بارد، نقرأ:
«ها هو هيكل دون كيخوته الشجاع،
مستعدّ لإثارة الجلبة
في وجه كلّ من يعترضه». [3]
الفارس على حصانه، ورمحه أمامه. يعرفه القارئ من اندفاعه قبل أن يقرأ اسمه. في حكاية سرفانتس يتخيّل دون كيخوته للعالم هيئة، ويصطدم بما يجده أمامه. يعيد الرسم إليه عناده وقد صار عظاماً. أقرأ الأبيات فأسمع وعده بالجلبة، وأتخيّل من يعترض طريقه مضطراً إلى احتمال مغامرة جديدة. يكفي الرمح لفتح ذاكرة الحكاية، وتأتي القافية لتدفع الفارس إلى الأمام. [3]
وفي ورقة شعبية يحفظها متحف المتروبوليتان، مؤرخة نحو سنة 1895، تتسابق هياكل على دراجات. تقول العبارة العليا:
«في مضمار هذا الميدان الشهير
لن يغيب صحافي واحد». [4]
تحمل الهياكل أسماء الصحف، وتكشف ملابسها ميولها السياسية، كما يشرح سجل المتروبوليتان. تدور الدوّاسات، وتظل الركب العظمية مستعجلة. وفي أسفل الورقة أبيات تهجو الصحف واحدة واحدة. كانت الدراجة موضة لدى طبقات المدينة العليا المتأثرة بأوروبا في تسعينيات القرن التاسع عشر. يجمع الرسم الصحافة المتنافسة وزينة الوجاهة في مضمار واحد. [4]
ويورد سجل الورقة اسم الناشر أنطونيو فانيغاس أرويو إلى جانب بوسادا ومانويل مانيّا. جُمعت فيها تقنية الحفر على معدن الطباعة والطباعة بالحروف. يستطيع القارئ أن يتتبع أسماء الصحف فوق الهياكل، ثم ينتقل إلى الأبيات التي تهجوها. التفاصيل التي كانت مألوفة لأهل المدينة تحتاج اليوم إلى شرح المتحف، وتبقى حركة السباق مفهومة لمن لم يعرف تلك الصحف. [4]
وفي «جماجم من الحشد»، كما ينقله دليل وزارة التعليم المكسيكية، يمرّ الصوت الشعري بمكان يدعوه «لا بريمافيرا»:
«مررتُ بلا بريمافيرا،
فشدّ انتباهي
أن أرى جمجمة
جاؤوا بها من المقبرة». [1]
يتردد النص في تعيين صاحب الجمجمة: المالك، أم ربّ العمل، أم المستخدم؟ يصعب استرجاع مرتبته من أسنانه. وينسب دليل التعليم الأبيات إلى بوسادا، وهي نسبة أحتفظ بها كما يوردها المصدر، مع الاحتراز من الجزم بمؤلف كلمات الورقة الشعبية. [1]
ويجيء مثال فيرونيكا، المنشور في مادة تعليمية، بحركة أقرب إلى عالم الطفل:
«تأتي النحيلة العظمية
باحثة عن فيرونيكا.
الجميع يصرخون ويختبئون،
لكن الموت يستعجل
ويحملها في سرير شبكي معلّق». [5]
الموت مستعجل، وعليه حمل سرير شبكي بمن فيه. تزيد القافية الإسبانية مرح المشهد بتجاور «كالاكا» و«فلاكا» و«أماكا»، والأخيرة اسم ذلك السرير. [5]
حين يتعثر الموت في الاسم
في قصيدة «وراء قلم فاروليس»، لدانييلا فاسكيز رودريغيز، يبحث الموت عن «بيبي فاروليس»، أحد أسماء خوسيفينا فيسينس المستعارة. فازت القصيدة في مسابقة جامعة المكسيك سنة 2023، المخصصة لنساء العلوم والإنسانيات والفنون. تقف أمامه المرأة التي كتب اسمها في قائمته باسم رجل، وتقول: [6]
«اسمي خوسيفينا،
ولي أيضاً شوكتي». [6]
يظن الموت أنها تخفي الرجل المطلوب، وتردّ عليه بأنه يستخف بها لأنه رأى امرأة. تعلن أنها صاحبة الأسماء التي يعرفها، ثم تطرده: «سأبقى هنا أكتب». يتعثر الزائر في الاسم المستعار، فيُضطر إلى الإصغاء لمن جاء ليأخذها. أجد لسعة القصيدة في هذا الخطأ، إذ يقع الموت في عمى من يرى توقيع الرجل ويغفل المرأة التي كتبت. وتأتي كلمة «شوكتي» حادّة في جوابها. [6]
وتغادر الضحكة قصيدة «النحيلة ترتدي أيضاً وشاحاً أخضر»، لديانا مارييل خيمينيث لوبيث، الفائزة في مسابقة جامعية سنة 2022. تستيقظ فتاة باكية وتدرك أن الاعتداء الذي أنهى حياتها وقع بالفعل. يقول لها الموت: [7]
«أعرف أن أوانك لم يحن بعد».
ثم يصيح:
«يا أختي، لم يكن ذنبك!» [7]
يحمل الموت الوشاح الأخضر تضامناً معها. جاء مبكراً، وصار في القصيدة شاهداً إلى جانب الضحية.
وفي «موتي الحبيب»، لخيمينا بريونيس ثيديّو، صاحبة المرتبة الثانية في المسابقة ذاتها، تسمع المتوفاة بكاء أهلها وتهمس من قبرها: «منافقون». ثم تتمنى لو استطاعت «دفع ثمن العلاج النفسي». [7]
تتهم أهلها بإهمال معاناتها. يتأخر كلامها إلى ما بعد الجنازة، ويصل اتهامها واضحاً. غير أن هذه المباشرة تضيق مساحة المفارقة، وتقرّب الأبيات من الشكوى. يفيد الشاهد في رؤية ما صار القالب الشعبي يتسع له، وإن كانت سخريته أخفّ من سخرية الفارس والصحافيين.
الجمجمة على وجه حي
في «الجمجمة غاربانسيرا» لبوسادا تستوقفني القبعة الأنيقة. ارتبط الرسم بالسخرية ممن يقلدون المظهر الأوروبي ويتنكرون لجذورهم. ظلت الزينة فوق عظم مكشوف، وبقيت رغبتها في لفت النظر. وفي جدارية دييغو ريفيرا «حلم عصر يوم أحد في ألاميدا سنترال»، سنة 1947، ظهرت الشخصية بجسد كامل، واتسعت منها شهرة كاترينا. [8، 9]
وحين تنتقل الهيئة إلى الجلد، تتدخل انحناءة الخد ورطوبة العين وحركة الفم. قد ترمش المرأة أو تتململ تحت الفرشاة، فيتحرك الرسم معها.
تصف المادة الجامعية مكياج كاترينا بأنه تقليد جديد، وتنقل صلات بعض المشاركات بالأهل والجذور. للوجه المرسوم تاريخ أحدث من طقوس استقبال الموتى، وإن اجتمعا في المناسبة. [8]
الصورة 1 تلوين وجه كاترينا في المكسيك، 31 أكتوبر 2018. تصوير Mario Luna. المصدر Wikimedia Commons، رخصة CC BY-SA 4.0.
في الصورة النهارية تحيط بالعينين دائرتان داكنتان بحواف مفصصة. على الجبهة زهرة، وفوق الشعر زهور برتقالية وأرجوانية. يقترب الوجه من هيئة الجمجمة، وتظل العينان تنظران إلى العدسة. عند الأذن والعنق ينتهي البياض ويظهر لون البشرة.
الصورة 2 كاترينا في موكب بشالابا فيراكروز، 27 أكتوبر 2018. تصوير Marco Cano Exp. المصدر Wikimedia Commons، رخصة CC BY-SA 4.0.
وفي الموكب الليلي يطوّق بريق أحمر سواد العينين. يكمل تاج الزهور والوشاح الأسود والحليّ الفضية هيئة الوجه، ويغيّر ضوء الشارع لون البياض. تدخل حركة الثوب والنظرة في العمل الذي بدأته الفرشاة.
أتوقف عند المساحة حول العين. قد تطمسها الزينة، وقد يترك الرسام فسحة للنظرة. يختلف الخط فوق خدّ ممتلئ عنه فوق خدّ نحيل، وتتحرك الأسنان المرسومة كلما تحرك الفم. حين تستجيب اليد لهذه الفروق يصبح للوجه رسم يخصّه.
وفي واجهة متجر تُعرض كاترينا زينة جاهزة. قد يشتريها المرء قبل أن يعرف سخريتها القديمة. وتنقل شهادات المشاركات صلات أخرى بالأهل والجذور، حين يدخل تلوين الوجه في ذاكرتهن الخاصة. أقف أمام القبعة وأفكر كم من تاريخها يستطيع العابر أن يراه. [8]
الهالوين ويوم الموتى
في آخر أكتوبر تتجاور في واجهات المتاجر يقطينة مضيئة وجمجمة ملونة وقناع ساحرة. يختلط المشهد على العابر، ويساعد تقارب المواعيد على الالتباس. يقع الهالوين في الحادي والثلاثين من أكتوبر، عشية عيد جميع القديسين. يأتي العيد في الأول من نوفمبر، ويتبعه تذكار جميع الموتى في الثاني منه. [16]
للهالوين جذور في تقاليد أيرلندا وجزر بريطانيا، ومنها عيد «ساوين» عند انقضاء الصيف ومجيء الفصل المظلم. تداخلت العادات مع التقويم المسيحي، وحمل مهاجرون أيرلنديون واسكتلنديون بعض تقاليد الاحتفال إلى أمريكا. هناك تطورت جولات الأطفال والمقالب وملابس التنكر، حتى أخذت الليلة صورتها المعاصرة. [16، 17]
عند الباب ينتظر طفل الهالوين حلوى من جار. وفي مائدة يوم الموتى صورة أم راحلة وطعام كانت تحبه. تُقرّب الجمجمة المرئية المناسبتين في عيننا، ثم يشرح الطعام والصورة ما تفعله الأسرة المكسيكية. تحتفل بذكرى شخص تعرفه، وتعتقد أسر مشاركة في الطقس أنها تستقبله عائداً. [10، 11، 18]
أستعيد أطفال الماجينة في بغداد. ينفتح الباب، وتمتد اليد بالحلوى، ثم يركض الصغار إلى البيت التالي. تحفظ الأذن أصواتهم بعد أن يختفوا في الزقاق. هذا ما يصل بين المشهدين في ذاكرتي، انتظار العطاء عند باب جار. وتبقى لكل مناسبة حكايتها.
أتخيّل امرأة تعود من الموكب، فتزيح الزهور عن شعرها وتغسل وجهها. ينزل السواد مع الماء. عند أذنها، تحت خصلة مبتلة، يبقى أثر صغير من اللون.
***
فؤاد ميرزا بغدادي – ميشيغان
الولايات المتحدة الأمريكية
.......................
المصادر والشواهد وحقوق الصور
المقتطفات العربية ترجمات قصيرة اعددتها أنا للمقال. مصادر النصوص وبيانات الصور ورخص استخدامها مثبتة أدناه. تُرجمت hamaca إلى «سرير شبكي معلّق»، وحُدد معنى terapia في سياق الشاهد بالعلاج النفسي.








