عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

وائل كريم: الإسلام السياسي.. كيف تحولت الرسالة العالمية إلى مشروع سلطة؟

منذ أكثر من ألف عام، تعيش منطقتنا صراعًا لم ينتهِ بعد؛ صراعًا بين رسالتين مختلفتين تمامًا: رسالة الدين بوصفه منظومة قيم تهدف إلى بناء الإنسان، ورسالة السلطة التي تستخدم الدين أداةً لإدارة الصراع السياسي.

وفي تقديري، فإن أخطر ما دخل إلى الوعي العربي هو ما أصبح يُعرف اليوم بـ”الإسلام السياسي”. ليس لأن الإسلام يتناول الشأن العام أو يوجه السلوك السياسي، فهذا أمر طبيعي في أي منظومة أخلاقية، وإنما لأن السياسة أصبحت هي التي تعيد تشكيل فهم الدين بما يخدم مشروع السلطة.

لقد جاء القرآن في زمن كانت الإمبراطوريات تُبنى على أساس العرق أو القبيلة أو الدين. كانت الدولة تعني غلبة جماعة على جماعة، وكانت الحدود تُرسم بالسيف، والناس يُصنفون وفق انتمائهم لا وفق إنسانيتهم.

وسط هذا العالم ظهر سيدنا محمد ﷺ ليقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا.

لم يبدأ ببناء إمبراطورية، ولم يؤسس دولة دينية مغلقة، بل أسس مجتمعًا في يثرب يقوم على عقد اجتماعي يجمع المسلمين وغير المسلمين في كيان سياسي واحد، يتشاركون الحقوق والواجبات، ويحكمهم ميثاق ينظم العلاقة بينهم.

ولهذا فإنني أرى أن المدينة في القرآن ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما نموذج حضاري؛ فضاء يجتمع فيه المختلفون تحت مظلة القانون والعدل، لا تحت مظلة التشابه الديني أو العرقي.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن النبي ﷺ، بعد فتح مكة، لم يجعلها عاصمة مشروعه، بل عاد إلى المدينة، وكأن الرسالة تؤكد أن المستقبل لا يُبنى في المجتمع الأحادي، بل في المجتمع القادر على استيعاب التنوع.

فالقرآن يخاطب الناس جميعًا:

﴿يا أيها الناس﴾

ولا يحصر خطابه في جماعة بعينها.

ويقرر مبدأ الحرية بوضوح:

﴿لا إكراه في الدين﴾

ويجعل الاختلاف سنة من سنن الخلق:

﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾

فالتعارف، لا الصدام، هو الغاية.

ومن هنا أفهم أن رسالة سيدنا محمد ﷺ كانت مشروعًا عالميًا لبناء مجتمع إنساني متعدد، لا مشروعًا لإقامة دولة تحتكر الحقيقة الدينية.

لكن هذا المسار، في قراءتي، بدأ يتغير مع قيام الدولة الأموية، حيث أصبحت السلطة السياسية هي المحور، وأخذ الدين يؤدي - في كثير من الأحيان - وظيفة منح الشرعية للحاكم وللتوسع السياسي. ومنذ تلك المرحلة بدأ يتبلور نموذج يربط بين الدين والسلطة بصورة تجعل السياسة هي التي تحدد شكل الخطاب الديني، بدلاً من أن تخضع السياسة للقيم القرآنية.

ولا يعني ذلك أن هذه الظاهرة كانت استثناءً في التاريخ الإسلامي؛ فالإمبراطوريات الفارسية والرومانية وغيرها استخدمت الدين والقومية بالطريقة نفسها. غير أن الرسالة المحمدية، كما أفهمها، جاءت لتكسر هذه القاعدة، لا لتكررها.

وقد تناول القرآن هذا المفهوم من زاوية أخرى حين تحدث عن الإيلاف في سورة قريش. وفي قراءتي السابقة، فإن الإيلاف لا يقتصر على رحلات التجارة، بل يعبر عن بناء منظومة من الاتفاقات الاقتصادية والسياسية التي تحقق الأمن والازدهار من خلال التعاون لا الهيمنة.

وهذا ما أدركه العالم بعد الحربين العالميتين. فقد أثبتت الحروب القائمة على القومية والعرق أنها تقود إلى الدمار الشامل، فاتجهت الدول إلى بناء التكتلات الاقتصادية والسياسية، والتحالفات الدولية، والاتفاقيات التي تجعل المصالح المشتركة أساسًا للاستقرار.

بينما بقي الشرق الأوسط، إلى حد كبير، أسير مشاريع الهوية المغلقة؛ فتنافست القومية العربية، والحركات الإسلامية، والمشاريع المذهبية، وكل منها رأى نفسه الممثل الوحيد للحقيقة.

ورأينا كيف تحولت شعارات النهضة والوحدة والخلافة إلى صراعات داخلية، دفعت الشعوب العربية ثمنها دمًا ودمارًا وتأخرًا اقتصاديًا.

ولا يعني هذا إنكار إخلاص كثير من المنتسبين إلى تلك الحركات أو دوافعهم، لكنه يميز بين النوايا والنتائج؛ فالتجارب التاريخية أظهرت أن تحويل الدين إلى برنامج حزبي أو أداة للوصول إلى السلطة كثيرًا ما أدى إلى الاستقطاب والانقسام، بدلًا من تحقيق الوحدة التي سعت إليها تلك الحركات.

إن الدولة التي بشّر بها القرآن، كما أفهمها، ليست “دولة إسلامية” بالمعنى الذي شاع في الأدبيات السياسية الحديثة، بل دولة تقوم على قيم الإسلام: العدل، والحرية، والرحمة، وحفظ الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، واحترام التعدد.

ولهذا فإن الانتماء الحقيقي للدولة لا ينبغي أن يكون للدين أو العرق، وإنما للعقد الذي يجمع المواطنين جميعًا.

فالدولة ليست عقيدة، بل إطار ينظم حياة الناس.

أما العقيدة، فهي علاقة الإنسان بربه، لا يجوز أن تتحول إلى معيار للمواطنة أو أداة للإقصاء.

إن البشرية اليوم لا تحتاج إلى إحياء نماذج الصراع القديمة، بل إلى استعادة جوهر الرسالة المحمدية؛ رسالة الإنسان، ورسالة المدينة، ورسالة السلام.

فالسلام ليس هدنة بين الحروب، بل هو النظام الذي يجعل الإنسان قادرًا على أن يختلف مع غيره دون أن يحوله إلى عدو.

وعندما ندرك هذه الحقيقة، يصبح الإسلام رسالة عالمية تستوعب الجميع، لا مشروعًا سياسيًا يتصارع مع الآخرين.

وهنا، في تقديري، يكمن الفرق الجوهري بين الإسلام بوصفه منظومة قيم إنسانية، والإسلام السياسي بوصفه توظيفًا للدين في خدمة السلطة. وكلما اقتربنا من الأول، اقتربنا من روح القرآن، وكلما غلب الثاني، ابتعدنا عن المقصد الذي جاء به سيدنا محمد ﷺ لبناء مجتمع يسوده السلم والعدل والكرامة الإنسانية.

اتمنى أن تكون التعليقات في روح التعددية واحترام المختلف وليس بما لا يليق بأخلاق معلمنا ونبينا محمد صلوات ربي عليه

***

وائل كريم

 

في المثقف اليوم